City Lights – 1931

“I can see now.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

في حال تحتم اختيار فيلم واحد من أفلام تشارلي تشابلن كي تتم المحافظة عليه، فإن (أضواء المدينة) لعام 1931 سيكون أكثر أعماله تجسيداً لكل مزاياه العبقرية المختلفة، لاحتوائه على الكوميديا التهريجية والانفعالات المفرطة “الرثاء” والإيماءات والتعبيرات الجسدية العفوية والميلودراما والظرافة والطرفة غير المهذبة، وطبعاً لا غنى عن حضور الصعلوك الصغير، وهي شخصية قيل عنها في إحدى المرات أنها أشهر صورة على وجه المعمورة.

لابد أن تشابلن كان يعرف حين صنع الفيلم – بعد مرور ثلاث سنوات على دخول الصوت على الأفلام – أنه قد يكون آخر أعماله الصامتة؛ فكر حول صناعة عمل ناطق لكنه عارضها الفكرة لاحقاً، ورغم احتواء (أضواء المدينة) على موسيقى تصويرية كاملة من تأليف تشابلن ومؤثرات صوتية، إلا أنه خلى من أي حوار. كان الجمهور آنذاك مهتم بافتتاحياته الفكاهية؛ حيث يبدأ الفيلم بخطابات السياسية، بيد أن ما يخرج من السماعات هي جعجعة غير واضحة، وهي بمثابة سخرية تشابلن على خاصية الحوار. وحين صنع فيلم (الأزمنة المعاصرة) بعد خمس سنوات، سمح تشابلن بوجود الخطبة عبر الموسيقى التصويرية، لكنه أبقى على شخصية الصعلوك حبيسة للصمت باستثناء بعض الكلمات المبهمة.

وثمة منطق مقنع حول هذا الأمر: فالخطابة لم تكن الوسيلة الأمثل التي يعبر بها الصعلوك عن نفسه. وفي معظم الأفلام الصامتة هناك الوهم الحاضر بأن الشخصيات تتكلم، رغم عدم قدرتنا على سماعهم. وشخصيات باستر كيتن على سبيل المثال هي شخصيات حوارية بشكل واضح. غير أن الصعلوك يعتمد على الإيماءات، شخص يوظف لغة جسده كلغة تخاطب. يبدو وكأنه يعيش على كوكب مختلف عن بقية الشخصيات؛ خارج حياتهم وواقعهم، ويُحكم عليه من خلال شكله، كما أنه شخص متشرد دون أية أصدقاء أو عائلة، وغالباً ما يتفاعل مع العالم عبر تصرفاته. يبدو عليه أحياناً وكأنه يتكلم، إلا أنه أمر لا يحتاجه؛ على عكس معظم شخصيات الأفلام الصامتة، يمكن له العيش في عالم صامت بكل أريحية.

شخصية الصعلوك في (الأزمنة المعاصرة) – كما يشير وولتر كير في كتابه المهم “مهرجو الحقبة الصامتة” – يحاول مراراً العودة إلى السجن، حيث يشعر بالحيطة والأمان، وعادة ما تكون عربة الأرز هي وسيلة إنقاذه. وهنا فإن أصدقائه مقتصرون على الأشخاص إما اللذين لا يعرفونه أو اللذين لا يستطيعون رؤيته: كالمليونير الذي لا يعرفه حين يصحو من ثمالته أو بائعة الزهور العمياء. ومظهره المتهرئ يعزله عن الناس ويدفعهم لتجنبه وتصنيفه بنمطية؛ الصعلوك… ليس منا. على النقيض من شخوص كيتن العاملين والمساهمين بنشاط في المجتمع فإن الصعلوك يُصنف كغريب متفرج وحيد.

وهذا تحديداً ما يجعل علاقته مع بائعة الزهور (فيرجينيا شيريل) بهذا التأثير الكبير، فهل تتقبله وتوقره فقط لأنها لا تستطيع رؤية شكله؟ (وجدتها – التي بلا شك قد حذرتها منه – لا تتواجد أبداً في المنزل حين يتصل الصعلوك بحفيدتها). شهرة المشهد الأخير وضعته كواحد من أعظم اللحظات السينمائية تأثيراً على الإطلاق؛ فالفتاة التي عاد لها بصرها بعملية دفع الصعلوك تكاليفها باتت ترى مظهره الخارجي، بيد أنها تبتسم بوجهه على أية حال، وتقدم له وردة وبعضاً من المال، ثم تلمس يديه وتعرفها. تسأله كما نرى على الشاشة: “أهذا أنت؟”، فيهز رأسه مجيباً بنعم، ويحاول الابتسام ويسألها: “أيمكنك رؤيتي؟” فتجيبه “نعم، يمكنني الرؤية الآن.” تراه ومع هذا تظل مبتسمة في وجهه وتتقبله. وعليه فإن الصعلوك أصاب التخمين: إن قلبها طيب، وبمقدورها تقبله كما هو فعلاً.

كان تشابلن وغيره من صانعي الأفلام الصامتة لا يعرفون حدود وطنية لأفلامهم، فقد وصلت إلى كل مكان دون اكتراث للغة، والأفلام الناطقة كانت مثل “برج بابل” لوضعها الحواجز بين الأمم. لقد شهدت في العام 1972 بالبندقية مدى عالمية فن تشابلن، وهي واحدة من أعز التجارب على قلبي كمتابع للأفلام، حيث تم عرض جميع أفلامه في مهرجان ذاك العام.

عُرض الفيلم على شاشة كبيرة في إحدى ليالي ساحة سان ماركو التي تم إطفاء أنورها، وحين شاهدت بائعة الزهور شخصية الصعلوك وعرفته، سمعت الكثير من أصوات مسح الأنوف من حولي، ولم يكن هناك عين جافة واحدة في الساحة. ثم حل الظلام الدامس على المكان، وسلط ضوء كشاف واحد فوق شرفة تطل على الساحة، حينها فقط تقدم تشارلي تشابلن سيراً وانحنى للجمهور. لم أسمع بحياتي تحية حماسية لأي شخص كالتي شهدتها له في تلك الليلة.

كان تشابلن قد أثبت مكانته عند هذا التاريخ كأحد أعمدة الشاشة الكبيرة، ويمكننا في فيلم (أضواء المدينة) أن نشاهد الإبداع والإنسانية الحاضرين دوماً في أفلامه.

يحتوي الفيلم على مجموعة من أعظم مقاطع تشابلن الهزيلة، ومنها منازلة الملاكمة الشهيرة التي يقوم بها الصعلوك باستخدام رشاقة قدميه ليبقي الحكم بينه وبين خصمه دائماً. وهناك المشهد الافتتاحي الذي يكشف فيه عن تمثال حجري لبطل يوناني روماني ينام الصعلوك على حضنه. (يحاول النزول عنه بتعليق بنطاله عبر سيف التمثال ويقف بتوتر مع نغمات السلام الوطني الأمريكي رغم تعلق قدميه في الهواء). وثمة المشهد الذي يحاول فيه إنقاذ المليونير من الغرق، قبل أن ينتهي به الأمر والحجر عالق برقبته؛ والمشهد الذي يبتلع به صفارة ويجمع حوله مجموعة من الكلاب؛ ومواجهة الصعلوك والمليونير لبعض اللصوص؛ ومشهد النادي الليلي الذي يشاهد به تشارلي راقصي الأباتشي ويدافع عن راقصة من شريكها.

وهناك اللحظات الجريئة كالتي تعرض الصعلوك – كعامل نظافة – يتفادى موكباً من الأحصنة ليواجه موكباً من الفيلة؛ وتلك التي يسكب بها المليونير زجاجات الشمبانيا داخل بنطال الصعلوك.

كان تشابلن أستاذاً بتوظيف اللمسة الصغيرة، وردة الفعل المتأخرة. فطالع اللحظة التي يتوجه بها إلى منزل الفتاة العمياء ليعطيها المال كي تجري العملية الجراحية، لقد ادخر الـ100 دولار  بجيبه لحاجته الخاصة، لكن بعد أن تقبل الفتاة يده، يرفع بكتفيه ويعطيها المبلغ بأكمله.

تشابلن وكيتن هما عمالقة الكوميديا الصامتة، وقد تأرجحت شهرة أسلوبهما في السنوات الأخيرة. تشابلن فرض سيطرته لسنوات طوال، لكن بحلول حقبة الستينيات بدت أفلام تتسم بالقدم والعاطفة المفرطة بنظر بعض النقاد، في حين أن أسلوب كيتن بدا أكثر تجدداً وموائمة للعصر الراهن. حل تشابلن في الاستفتاء الذي تجريه مجلة Sight & Sound البريطانية كل عشر سنوات بمرتبة متقدمة في العام 1952 وخرج منها في العام 1962؛ كيتن تقدم عليه في الاستفتاء ما بين 1972 إلى 1982، ثم حل تشابلن محله مرة أخرى في العام 1992. الشيء الوحيد الأكيد الذي تثبته هذه الاستفتاءات أن الكثير من محبي الأفلام يرون بأن أعمالهما تنتمي لقائمة أفضل عشرة أفلام في التاريخ.

كلا المخرجان استوحى أعماله من شخصوه الخيالية إنما بنهجين مختلفين. يلعب كيتن في كل مرة شخصية مختلفة؛ أما تشابلن فيلعب عادةً نسخة جديدة من شخصية الصعلوك. وتسعى شخصيات كيتن لتقبل واعتراف المجتمع والشعور بالرومانسية والمكانة في الحياة اليومية، وتحاول التأقلم لما يعترضها من ظروف؛ بينما شخصيات تشابلن فهي دائماً متغربة وتعيد نفس الاستراتيجيات والانفعالات (كثيراً ما يكون مصدر الطرائف من سلوكيات الصعلوك العفوية). في حين أن حركات كيتن تتصف بالسلاسة والخفة؛ نجد مشية تشابلن  المتأرجحة تبدو وكأنها نابعة من التهاب بالمفاصل. وقد ظهرا سوياً لمرة واحدة بفيلم مشترك اسمه (الأضواء) عرض في العام 1952 أخرجه تشابلن وفيه خطف كيتن الأنظار من زميله، لكن، حسب قول كير،  سمح تشابلن لكيتن متعمداً أن يخطف الأضواء منه، وهو الذي كان بإمكانه إعادة مونتاج الفيلم ليفرض حضوره.

عرف تشابلن زمناً كان فيه أشهر الفنانين المشهورين في القرن العشرين، وأفلامه كانت معروفة لدى الجميع. أما اليوم فكم شخص يشاهد أعماله؟ هل تعرض في المدارس؟ لا أعتقد. على التلفاز؟ نادراً. لقد حرمه الفيلم الصامت – الذي وفر له أرضية عمله – من جمهوره المتواجد حالياً، وأفلامه ستعيش للأبد فقط لؤلئك الباحثين عنها.

ونظراً لأني قد شاهدت فيلمي (أضواء المدينة) و(الأزمنة الحديثة) مرة جديدة أخرى، فلا أزال تحت تأثيرهما، فموهبة تشابلن كانت سحرية حقاً. والأفلام الصامتة نفسها تولد حالة فكرية خيالية؛ دون حوار أو واقعية مفرطة دخيلة لتقاطع سيل الأفكار، بل تبقى معك لأنها ليست عمل سينمائي وحسب، بل مكان تلجأ إليه.

معظم أفلام تشابلن متوفرة على أشرطة الفيديو. والأطفال من ذوي الأعمار الصغيرة لا ينتبهون أنها “صامتة” بقدر ملاحظتهم إلى أن كل إطار منها يعبر عنهم، دون كل تلك الكلمات الغامضة التي تملئ بقية الأفلام بالضجيج. ثم يكبر الأطفال وينسون هذه الحكمة، غير أن الأفلام تنتظرنا بصبر وكلها رغبة بأن تعلمنا مرة أخرى.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading