مراجعة فيلم Wuthering Heights: اقتباس جريء يفقد نار العاطفة في منتصف الطريق

يعلن اقتباس إيميرالد فينيل الهلوسي لرواية “Wuthering Heights” منذ اللحظة الأولى أنه سيلعب وفق قواعده الخاصة. يبدأ الفيلم بصوت أنفاس رجل متقطعة وأنين خافت فوق شاشة سوداء فارغة. نسمع أيضًا صرير خشب يتسارع كلما اشتدت الأصوات. الشاشة خالية من الصورة، لكن الإيحاء الإيروتيكي واضح تمامًا.
لكن عندما تظهر الصورة أخيرًا لتكشف مصدر ما سمعناه، نفاجأ بأن المشهد لا يصور فعلًا جنسيًا كما أوحت فينيل، بل رجلًا يُشنق في ساحة عامة، يحاول بيأس التمسك بآخر ما تبقى له من حياة. إنها بداية جريئة ومخادعة، وتحدد منذ البداية نبرة قراءة فينيل الحرة جدًا لرواية إميلي برونتي الصادرة عام 1847، وهي الرواية الوحيدة للكاتبة والشاعرة الإنجليزية، وتحكي أساسًا قصة حبيبين يطاردهما سوء القدر في إنجلترا أواخر القرن الثامن عشر: كاثرين، التي تؤديها مارغو روبي، وهيثكليف، الذي يؤديه جاكوب إلوردي. هذه البداية أشبه بتحدٍّ ودعوة في الوقت نفسه؛ دعوة لاختبار الطريقة التي شعرت بها فينيل نفسها بجاذبية الرواية، حيث ترى الرغبة والموت كوجهين متصلين للعملة نفسها، إن كان افتتاح الفيلم يدل على شيء.
بعد هذه المقدمة القوية، من المؤسف أن الفيلم الذي يليها يصبح تدريجيًا أكثر ترددًا. صحيح أنه يقدم سلسلة من المشاهد المصممة بأسلوب حاد ومكثف، لكنه يقدّم في الوقت نفسه مشاعر مكتومة إلى حد غريب، بل خانق أحيانًا. ابحث سريعًا في وسائل التواصل عن “Wuthering Heights”، وستجد عددًا لا يحصى من المنشورات الرائجة، كل منها يؤكد أن صاحبه وحده يعرف المعنى الحقيقي لرواية برونتي. هناك من يقول إنها لا تدور حول الرومانسية وحدها، وإنما حول الطبقة أيضًا. وهناك من يقول إنها تتجاوز الطبقة إلى العنصرية. وآخرون يضيفون العنف، والصدمة، والإساءة المنزلية، والمنبوذين اجتماعيًا، والقائمة تطول، كما لو أن الرواية لا تتسع لكل هذه المعاني معًا.
ومن هذه الزاوية، ومع وجود عدد كبير من الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية والمسرحية السابقة للرواية، من نسخة ويليام وايلر عام 1939 ببطولة لورنس أوليفييه، إلى نسخة بيتر كومينسكي عام 1992 مع جولييت بينوش ورالف فاينز، وغيرها، يحق لفينيل تمامًا أن تستخرج من النص انطباعها الخاص وذكرياتها الشخصية عنه. لكن إن كان هدفها تحديث العالم عبر اختيارات غير زمنية في الموسيقى والتصميم، والتركيز على الشوق الذي لا عزاء له بين عاشقين عنيدين ومدمرين، فمن الصعب ألا تتمنى لو أنها ذهبت بهذه الفكرة إلى آخرها.
بدلًا من مدى عاطفي جامح ومختلف بحق، تقدم فينيل عملًا يقف في منتصف الطريق. يصبح الفيلم مثيرًا ومشحونًا حين يحتل التوق مركز العلاقة بين روبي وإلوردي، وهما من أبرز الممثلين العاملين اليوم، لكنه يصبح باردًا وغريب الجمود عندما يقع الاثنان أخيرًا في أحضان بعضهما. يؤسفني القول إن مشهد القبلة تحت المطر في الإعلان، مع جملة “فلنُلعن معًا”، ربما يكون أكثر مشهد حميمية مقنعًا في الفيلم. أما في أماكن أخرى، فهناك مشاهد عديدة خجولة وباهتة. ومن اللافت أن الكيمياء القوية بين البطلين تعمل غالبًا عندما يكونان ممتلئين بالرغبة لكن تفصل بينهما الظروف. ويبدو أن المشكلة هنا لا تتعلق بروبي وإلوردي بقدر ما تتعلق باقتراب فينيل من المادة بروح تعطي الأسلوب أولوية على الجوهر. صحيح أن فينيل مزجت دائمًا بين الألوان والملمس البصري المبالغ فيهما وبين السرد، كما فعلت بإتقان في “Promising Young Woman”، الذي ما زال أفضل أفلامها، وفي “Saltburn” القوطي الشهي، لكن حدسها هنا يبدو في غير مكانه. من الصعب أن تشعر بحرية عاطفية عندما يذكّرك كل عنصر في الفيلم، بصوت عالٍ ومتكرر، بما يفترض بك أن تشعر به.
أقوى جزء في “Wuthering Heights” من إخراج فينيل هو فصله الأول، حين نتعرف إلى عالم كاثرين وهيثكليف في صغرهما، ويؤديهما شارلوت ميلينغتون وأوين كوبر من “Adolescence”. أساسيات الحكاية كما نعرفها: كاثرين ابنة عائلة إيرنشو في مزرعة Wuthering Heights التي يزداد إهمالها، أما هيثكليف فهو يتيم يأخذه والد كاثي العنيف والمدمن على الشراب، الذي يؤديه مارتن كلونز، ليربيه في البيت. وبما أن الرواية تلمّح بقوة إلى أن هيثكليف ليس أبيض البشرة، أثار اختيار إلوردي للدور جدلًا حديثًا حول تبييض الشخصية.
يكبر كاثي وهيثكليف وهما متشابهان تمامًا في الاندفاع والاضطراب. يثيران المتاعب، ويمرحان في سهول يوركشاير الواسعة والضبابية، ويسيئان التصرف، وغالبًا ما يتحمل هيثكليف مسؤولية أخطاء كاثي. وهناك أيضًا مدبرة المنزل نيلي، التي تؤديها الرائعة هونغ تشاو، بينما تؤدي في نغوين نسختها الأصغر سنًا. نيلي واحدة من الرواة الأساسيين في الكتاب، لكنها هنا تُعرّف أكثر من خلال مراقباتها الصامتة بوصفها صديقة كاثي ورفيقتها طوال الحياة، كما أنها تعطل احتمال نشوء علاقة بين كاثي وهيثكليف. تشاو ممثلة عميقة الإحساس، وهي مثالية تمامًا في الدور، إلى درجة أنك تتمنى تدريجيًا لو أن اقتباس فينيل منح شخصيتها لحظة أو لحظتين من التصاعد الحقيقي.
رغم مشاعرهما الواضحة تجاه بعضهما، لا يعترف هيثكليف الخشن وكاثي النهمة عاطفيًا بحبهما مباشرة، ولا يجتمعان فورًا. بدلًا من ذلك، تتزوج كاثي من إدغار لينتون، الذي يؤديه شازاد لطيف، وهو المستأجر الثري في ضيعة Thrushcross Grange، بعدما يغادر هيثكليف فجأة بسبب سوء فهم. وعندما يعود بعد سنوات، ثريًا ومهذب المظهر، يكون الوقت قد تأخر، خصوصًا مع حمل كاثي. ومع ذلك، لا توقف العقبات العاشقين لبعض الوقت. لكن عندما تتجه علاقتهما المحرمة إلى ظلام أكبر، يوجه هيثكليف نظره إلى إيزابيلا، أخت إدغار المعجبة به والمكبوتة جنسيًا، التي تؤديها أليسون أوليفر في أداء يخطف الانتباه، ضمن خطة انتقامية فوضوية وقاسية.
على الورق، لا يمكن أن تكون المخاطر أعلى من ذلك. لكن في يد فينيل، تبدو الطبيعة الملتهمة لهذا العالم مخففة، بل مسطحة أحيانًا. وربما أنها ببساطة تنسحق تحت اختيارات التصميم والإزياء، التي تكون صارخة بصريًا غالبًا بطريقة غير موفقة. هناك شيء مرتب أكثر من اللازم وغير مثير للاهتمام في معظم أزياء روبي خلال سنوات كاثي في Thrushcross Grange. المشكلة ليست في الحريات المعاصرة التي يأخذها تصميم الأزياء مع العصر الجورجي الذي تدور فيه القصة؛ فالخروج عن الدقة التاريخية في الشكل قد يكون عنصرًا إبداعيًا رائعًا في السينما. المشكلة هنا في الذوق نفسه.
هناك بعض القطع الملهمة، مثل فستان زفاف كاثي الفخم، وفستان أسود غني بالطبقات يلتقطه تصوير لينوس ساندغرين عالي التباين داخل ضوء أبيض. لكن في معظم الوقت، ذكّرت الأزياء هذه الناقدة بفساتين دمى باربي الجاهزة التي كانت تجمعها في بيت الدمى. والمفارقة أن مصممة الأزياء الكبيرة جاكلين دوران صممت أزياء روبي أيضًا في “Barbie”. أما تصميم الإنتاج من سوزي ديفيز فيستكشف عدة أفكار مثيرة للاهتمام، لكن كثيرًا منها لا ينسجم مع الألوان القوطية للحكاية. تبدو غرفة كاثي الوردية في Thrushcross Grange فارغة على نحو يكاد يكون كوميديًا، بعكس البذخ البصري الذي نشتاق إليه في هذا النوع من الميلودراما. أما الزخارف الجدارية التي يفترض أن تمثل نمش بشرة كاثي، فهي بالتأكيد فكرة، لكن جودة هذه الفكرة محل نقاش. في مواضع أخرى، تبدو المواقع، التي صُورت فعلًا في يوركشاير، وتصوير ساندغرين بتبايناته العالية، وألوانه الحمراء العميقة، وضبابه الكثيف جدًا، سينمائية بما يكفي. ومع ذلك، يبدو العمل كله أشبه بفيديو موسيقي مصطنع، لا بعالم خيالي جذاب نرغب في الضياع داخله. وتزيد أغاني Charli xcx ومقاطعها الموسيقية، رغم جمالها الواضح، من هذا الإحساس لأنها تشتت الانتباه في النهاية.
إيميرالد فينيل مخرجة جريئة لا تخاف تجربة الجديد وغير المتوقع. ويستحق “Wuthering Heights” بعض التقدير لأنه فيلم صنعته بالكامل وفق شروطها الخاصة. لو أن تلك الشروط فقط أشعلت المشاعر العاصفة التي وعدتنا بها.