Cool Hand Luke – 1967
“What we’ve got here is… failure to communicate.”
بقلم مهند الجندي.
آهاتُ بطلٍ لسنوات… لا تُحكى ببنات الشفاه.
يبتسم لوك مراراً في فيلم (لوك الرائع) للمخرج ستوارت روزينبيرغ ساخراً من حياة يتبدى أنها لم تبتسم له يوماً، وكأنه عاشها وحفظ سخرية أقدارها المليئة بالقوانين وقيود السلاسل. في فيلم يحكي قصة روح لا يمكن أسرها، يجد لوك روعة الدنيا في فعل المحظور ومتعة اللاشيء، من شربه المفرط وتخريبه للممتلكات العامة وتناوله 50 بيضةً ولعبه الشدة بطريقته الخاصة وملاكمته حتى الرمق الأخير وهربه الماكر المكرر؛ لا يجد فرقاً بين الأشياء أو خصوصيةً معينة لها، وتمرده على المأمور وعصيانه للأوامر لا ينبع من رغبة جوفاء للاختلاف أو لرفضه تقبل عقوبة يستحقها، بل هو شعور بائس وملح للخروج عن وعي إدراكه، آملاً أن يمضي وقته سريعاً دون أن يشعر بنفسه التي يغشي النظر عنها ويتلذذ بمعاقبتها قبل أن تلمسه طائلة خالقها أو يد العدو نفسه.
حتى تهمة لوكاس جاكسون (بول نيومان) التي يُزج على إثرها في السجن، وتشتم الكلاب عبرها رائحته الطازجة، لم تكن قد مرت على حجرات ومسامع المأمور (ستروثر مارتن) أبداً، ولا أي من خصال أو أفعال هذا المشاغب كانت قد شوهدت من قبل زملائه المساجين وعلى رأسهم دراغلاين (جورج كينيدي) في حياتهم هذه. وهو تماماً من حال هذا الفيلم حينما صدر في العام 1967، ليس فقط بإسقاطاته المباشرة وغيرها حول الأنظمة المؤسساتية للدولة المتسلطة وأساليبها العنجهية، أو تناوله أيام السجن كمحطة عابرة لا تقف عندها عيشة المرء وتنتهي، بل كذلك لدراسته شخصيةً تبحث عن سبب الوجود وتطرقه لها بعفوية هادئة كتعبير رزين عن كفتي ميزان الجلاد والمجلود.
صنعة فيلم تدور أحداثه في السجن بأسلوب يحمس الجمهور هو أمر صعب عموماً، وقد يخلو من الواقعية، غير أن السيناريو الذي اقتبسه دون بيرس عن روايته بمساعدة فرانك بيرسن يُعلن من المشهد الأول أنه ليس عن الحياة داخل الحبس بقدر أنه عن شخصية لوك وما يدور في بالها وما ينعكس منها من أقوال وأفعال عبر أيامه هناك، لاسيما ما نراه في المشهد الافتتاحي، حيث لوك يخرب ويشرب بحالة الثمالة، ووقوف عنوان الفيلم على وجهه المنشرح بضحك هستيري يمهد لأحداث تقع أغلبها في السجن وبين المساجين. ومنذ أن يطأ لوك أرض ذلك المكان، ويتعرف أكثر فأكثر على زملائه المختلفين بالطباع والخصال والخلفيات، والطائعين لأي شيء، سرعان ما يشكل إلهاماً خاصة لهم كمثال لتصدي القهر والإجحاف، كنكهة جديدة للحرية تملئ حناجر الكابتن وحراسه بالمرارة المتوصلة.
إخراج ستوارت روزينبيرغ – الذي عمل مع نيومان لاحقاً في فيلم “بركة الغرق” العام 1975 أيضاً ” يبدو مرتاحاً تحت ظل تصوير كونراد إل. هول الراحل المبهر، لكنه يضفي ثراءً سردياً بجعل شخصية لوك لا تشرح نفسها أبداً عبر اللسان بل بأفعال مباشرة تنم بطريقة موحية عن تاريخ الشخصية العائدة من بطولات حربية غابرة وذكاء فطري بحفنة بسيطة من الكلمات. هذا الحاجز الذي يبقى بين الجمهور وبين لوك يُعطى صلابة هامة كي تبقى شخصيته مثالاً رمزية لإنسان ثوري صنعه مجتمعه على هذا الشكل، كمحصلة لعقود متواصلة من نفس النظام الجاف غير المساوم الذي يُطلق كلابه لتبحث عنه مرة تلو أخرى حين يهرب، كقطعة لحم بالية مكانها في حجرة رثة وإبريق صغير ليقضي حاجته فيه (مثال آخر هو الحارس صاحب النظارات الذي لا نرى وجهه أبداً، فلو رأيناه لضؤل وهج حضوره وقسوته).
يؤدي بول نيومان شخصية لوك بهيمنة بارزة تمنح القصة بعداً درامياً عميقاً ومرجعاً لهواة التمثيل، كما فعل في معظم أدواره المشهورة، إلى درجة جعلت الشخصيات التي لعبها في مسيرته تعلو بشعبيتها وسمعتها عن فحوى تلك الأعمال نفسها. وهي ملاحظة تبين مدى تفاني الممثل في تكريس نفسه ضمن الفيلم وإيمانه العميق برسالته، مما وفر له إرث حافلاً من الأدوار الخاصة به وبأسلوبه الكلاسيكي الذي لا يمكن أن يشيخ سينمائياً أو يبطل مفعوله ومغزاه. و(لوك الرائع) هو حتماً من أهم أفلام بول نيومان، بيد أنه يبدو إنتاجاً هوليوودياً يشوبه بعض التشويش في الرتم، يخفف من وطأة الموضوع الجاد الذي يمنع المشاهد من ركن العمل في زاوية واحدة في ذهنه، فطرافته تزاحمها قسوته، وأجوائه الخفيفة تصطدم لاحقاً بمجابهاته الحازمة.
إلا أن سرد روزينبيرغ المباشر ينجح عموماً بتوليف علاقات الفيلم الرئيسية لتنقل تيمته الأصلية؛ بين لوك والمساجين، بين لوك والسجانين، والمساجين والسجانين. والمشاهد التي تعرض لوك يتضرع لخالقه ويحاول اللجوء له رغم تشكيكه بأن أي تغيير سيطرأ عليه، هو إيحاء وسؤال بسيط حول حكمة ترك الخالق لتلك القوى الأرضية تسيره وتسير غيره. الغريب أن الكابتن ينطق بأحد أشهر المقولات السينمائية على الإطلاق: “ما نشهده هنا هو… عدم القدرة على التواصل.” والمفارقة أن تواصلهم مع المساجين معدوم كلياً، فلا عجب من محاولتهم البائسة للتخلص منه في النهاية، لكن دون قدرتهم على التخلص من روحه وابتسامته أو التواصل معه بأي شكل، بينما يمكن للخالق ذلك.



هذا الفيلم انا شاهدته واستمتعت بكل دقيقة فيه بجد فيلم رائع
شكرا ع التقرير اخوي مهند الغالي