فيلم Nope يؤمن بقدرة المشاهد على الانتباه!

ترجمة مهند الجندي

يمضي المخرج بيل وقتًا طويلاً في مشاهد حوارية مطوّلة ويُحمّل المشاهدين مسؤولية الانتباه لما يجري على الشاشة من أجل حلّ هذا اللغز المبهم (يؤمن المخرج بقدرة المشاهد العادي على الانتباه أكثر مني بكثير).

لَمَعَ اسم المخرج جوردن بيل باعتباره أحد أكثر صنّاع الأفلام المتميّزين في الفترة القليلة الماضية، مع أن مسيرته لا تتضمن سوى فيلمين طويلين إلى الآن. فقد عرف نجاحًا واسعًا في الوسط السينمائي من باكورة أعماله Get Out، ثم فيلم US الذي تفاوتت الآراء حوله لأن نصّه كان ضعيفًا إلى حدٍّ ما، غير أن الفيلم حقّق إيرادات طائلة في الشباك التذاكر. أما مشروعه الثالث Nope فيمنح المخرج فرصةَ تحقيق إنجاز لم يسبقه إليه سوى عدد قليل من الأفلام بعد جائحة كورونا، وهو أن يحقق نجاحًا باهرًا بفيلمٍ لا ينتمي لأي سلسلة سينمائية قائمة أساسًا (مع أن توقيع المخرج بيل لوحده يعدّ بحدّ ذاته اسمًا لافتًا للجمهور).

من الصعب أن تستنتج أي معلومة حول الفيلم من مقطعه الترويجي، ذلك باستثناء التعرّف إلى الممثلين الرئيسيين (دانيال كالويا وكيكي بالمر وبراندون بيريا وستيفن يون ومايكل وينكوت) وموقع الحكاية (مزرعة في كاليفورنيا)، وقصته التي تلمِّح لحياةٍ خارج كوكب الأرض. فيما تسير مجريات الفيلم على نحوٍ غير متوقع بعرضها مغالطات منطقية دون التركيز على غاية معيّنة إلى أن نصل إلى الفصل الأخير الحاسم للأحداث. يوحي لنا Nope بدايةً أنه أشبه بنسخة سوداوية من فيلم Close Encounters of the Third Kind قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى فيلم عن وحش مخيف؛ أي أنه أقرب نوعًا ما لفيلم Monsters للمخرج غاريث إدوارد الذي عُرض عام 2010 من كلاسيكية سبيلبيرغ أو أي عمل إثارة وغموض مريب قدّمه المخرج إم نايت شاملان. يمضي المخرج كذلك وقتًا طويلاً في مشاهد حوارية مطوّلة ويُحمِّل المشاهدين مسؤولية الانتباه لما يجري على الشاشة من أجل حلّ هذا اللغز المبهم (إذ يؤمن بقدرة المشاهد العادي على الانتباه أكثر مني بكثير).

يستهل Nope مجرياته بمشهدين تمهيديين، يتضمن أحدهما مذبحةً فوضوية تبدو كمقطع لحطامٍ ناتج عن أحد أفلام سلسلة Planet of the Apes، بينما يعرّفنا المشهد الثاني إلى أوتيس هايوود (كيث ديفيد) وابنه أوجاي هايوود (دانيال كالويا)، وهي العائلة المالكة لشركة Haywood Hollywood Horses. لا تعتبر مشاركة الممثل ديفيد في الفيلم أكثر من دور “كاميو” (أو ما يُعرف بالظهور الشرفي القصير)، لأنه لا يخرج حيًا من مشهده الأول. بينما نعاود مقابلة أوجاي لاحقًا، حيث يحاول بشجاعة أن يحافظ على عمل العائلة قائمًا بمساعدة أخته النشطة والمرحة إيمرالد (كيكي بالمر)، لكن الطلب على الخيول المدرّبة باتت نادرة للغاية، علمًا أن عائلة هايوود بأمسّ الحاجة للمال حاليًا.

في خضم ذلك، يلمَح أوجاي شيئًا في السماء على شكل سحابةٍ ساكنة في الأفق، فهل لها علاقة بالظروف الغريبة المحيطة بوفاة والده؟ وهل هي مرتبطة بتمثيلية كرنفالية قدّمها الطفل النجم السابق جوبي بارك (ستيفن يون)، الذي يدير حاليًا متنزه “وايلد ويست” الترفيهي؟ وهل يمكن أن يجني مالاً إن نجح في التقاط صورة لما وراء السحابة أو حتى ما في داخلها؟ وعليه، يقرّر أوجاي وإيمرالد أن هذه الصورة قد تساوي أكثر من ألف كلمة (أو ألف دولار) بكثير، فيبذلا قصارى جهدهما ليكونا أول من يحصل على دليلٍ قاطع عن وجود كيان من خارج كوكب الأرض، لكن ما يغيب عن ذهنهما هو إمكانية التلاعب بالصور العادية أو المتحركة بسهولة، وبالتالي لم تعد هذه الصور بأهمية أو قيمة ما كانت عليه سابقًا. على الرغم من ذلك، يمضيان في محاولتهما بمساعدة شاب تقني اسمه براندن (آنجيل توريس) الذي يُركِّب عددًا من كاميرات المراقبة المصوّبة باتجاه السماء، ويطلبا من المصوّر السينمائي القدير أنتليرز هولست (مايكل وينكوت) أن يلتقط الصورة المثالية لهذا الكيان الغامض.

يزخر Nope بلحظاتٍ ومشاهد مؤثرة مع أن طريقة سرد الفيلم تسير عمومًا بشكل عشوائي. وكما عهدناه في فيلميه السابقين، يحرص بيل هنا على تقديم أسلوبٍ وطابعٍ عام يغلي بالكوميديا السوداء؛ وهو أمرٌ يبرز في طريقة استخدام الشخصيات لعنوان الفيلم (Nope بمعنى F**k no!) بالإضافة إلى بعض المشاهد المفصلية الغريبة (مثل “غزو الفضائيين” على الاسطبل). يخلق بيل أجواءً موتّرة في الأماكن الصحيحة ويُجيد توزيع الأدلة حول هذه الأحجية بطريقة تحافظ على اهتمامنا طوال الوقت، بيد أن المؤثرات الخاصة التي توظِّف مزيجًا بين الرسوميات الحاسوبية والمؤثرات العملية غير مقنعة في كل المشاهد.

من المستبعد أن يجني الفيلم أرباحًا مثل الذي حققها في شهر يوليو لو لم يكن من إخراج جوردن بيل. يوفِّر Nope قدرًا كافيًا من الترفيه، ويحتوي على مشاهد مصمّمة سمعيًا ومرئيًا بجودة عالية ما يجعل مشاهدته في صالات السينما أمرًا مقنعًا ومجديًا (أكثر من مشاهدته عبر الهاتف أو الجهاز اللوحي أو شاشات التلفزيون) إلا أن أسلوبه السردي المبهم قد يحبط بعض المشاهدين، إلى جانب عدم تسلّحه بالإطار الملحمي المعتاد في أغلب أفلام الصيف ضخمة الإنتاج. ومع ذلك، يبقى اسم المخرج عنصرًا قويًا لجذب الجمهور، واتباعه طريقة سردية متحفظة أضافت للفيلم سمعةً طيبة في الأوساط السينمائية. قد لا يحصل المشاهدون على ما كانوا يتوقعونه أو ينتظرونه في Nope لكنه يظلّ تجربةً ممتعة على أي حال.

التقييم 3 من 4.

IMDb | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading