مراجعة فيلم The Shawshank Redemption: سجن يعلّمنا معنى الحرية

مقال مترجم عن روجير إيبرت.

قد يبدو هذا تعليقًا غريبًا عن فيلم تدور أحداثه داخل سجن، لكن “The Shawshank Redemption” يترك أثرًا دافئًا في مشاعرنا لأنه يجعلنا نشعر كأننا جزء من عائلة. كثير من الأفلام تمنحنا تجارب نعيشها بالنيابة عن شخصياتها، ومشاعر سريعة وسطحية. أما “Shawshank” فيتمهل وينظر بعمق. يستخدم صوت الراوي الهادئ والمراقب ليُدخلنا في قصة رجال صنعوا لأنفسهم مجتمعًا خلف القضبان. إنه فيلم أعمق من معظم الأفلام؛ فيلم عن الاستمرار وسط العمر، وعن الصداقة والأمل.

ومن اللافت أنه رغم أن بطل الفيلم هو المصرفي السابق المدان آندي دوفرين، الذي يؤديه تيم روبنز، فإن الأحداث لا تُروى من وجهة نظره. يبدأ الفيلم بمشهد الحكم عليه بالسجن المؤبد مرتين بتهمة قتل زوجته وعشيقها، ثم ينتقل بنا نهائيًا إلى وجهة نظر تمثل مجتمع السجن، وتحديدًا السجين المؤبد إليس “ريد” ريدينغ، الذي يؤديه مورغان فريمان. صوته هو الذي يتذكر أول مرة رأى فيها آندي، حين قال عنه إنه بدا كأن “نسمة قوية قد تطيح به”، وهو أيضًا الذي توقع خطأً أنه لن يصمد في السجن.

من لحظة وصول آندي في حافلة السجن وحتى نهاية الفيلم، لا نراه إلا كما يراه الآخرون: ريد، الذي يصبح أقرب أصدقائه، وبروكس أمين المكتبة العجوز، والمأمور الفاسد نورتون، والحراس، والسجناء. ريد هو بديلنا داخل القصة. نحن نتوحد معه، والخلاص حين يأتي يكون خلاص ريد. فمن خلال آندي، نتعلم أن على الإنسان أن يبقى صادقًا مع نفسه، وألا يفقد الأمل، وأن ينتظر وقته، ويضرب مثالًا هادئًا، ويبحث عن فرصته. يقول آندي لريد: “الأمر في النهاية يعود إلى خيار بسيط: إما أن تنشغل بالحياة، أو تنشغل بالموت.”

أظن أن مفتاح بناء الفيلم يكمن في أنه لا يدور حول بطله بقدر ما يدور حول علاقتنا نحن بهذا البطل: فضولنا تجاهه، وشفقتنا عليه، وإعجابنا به. لو كان آندي هو المركز البطولي المباشر، يتحمل بشجاعة ويواجه المصاعب وحده، لكان الفيلم تقليديًا وأقل غموضًا. لكننا نظل نتساءل عن هذا الرجل. هل قتل فعلًا هذين الشخصين؟ لماذا يحتفظ بالكثير داخله؟ كيف يستطيع أن يمشي في ساحة السجن كأنه رجل حر في نزهة، بينما يمشي الآخرون بثقل أو بحذر؟

الناس يحبون الإثارة في السينما، والأفلام التي تقدمها تنجح غالبًا. أما الأفلام التي تحمل كلمة “الخلاص” في عنوانها فتُستقبل عادة بحذر؛ كثيرون لا يتحمسون لفكرة مشاهدة “فيلم عظيم”، لأنها تبدو كأنها مهمة ثقيلة. لكن هناك جوعًا دائمًا إلى رسائل الأمل، وحين يقدم الفيلم واحدة منها، يمكن أن يعيش طويلًا حتى إن لم يجذب جمهورًا واسعًا منذ البداية.

عُرض “The Shawshank Redemption” لأول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي في سبتمبر 1994، ثم بدأ عرضه التجاري بعد أسابيع قليلة. تلقى مراجعات جيدة، لكنه لم يحقق نجاحًا كبيرًا في شباك التذاكر. إيراداته الأصلية بلغت 18 مليون دولار فقط، وهو رقم لم يغطِّ تكاليفه، ثم أضاف 10 ملايين أخرى فقط بعد حصوله على سبعة ترشيحات للأوسكار، من بينها ترشيح أفضل فيلم.

لم تكن الظروف في صالحه. عنوانه كان صعبًا وغير جذاب، وتصنيفه “دراما سجون” لا يبدو مغريًا لجمهور واسع، وخصوصًا النساء حسب النظرة التجارية السائدة. كما أنه لا يحتوي على الكثير من الحركة، ويقوم ببطولته ممثلون محترمون لكنهم لم يكونوا نجوماً جماهيريين كبارًا آنذاك، ويمتد إلى 142 دقيقة. كان واضحًا أن هذا فيلم يحتاج إلى توصيات الناس كي يجد جمهوره. وبالفعل، بدأت إيراداته تنمو ببطء وثبات، لكنه سُحب من دور العرض. لو تُرك ليجد طريقه، ربما كان سيواصل بناء جمهوره لأشهر، لكن ذلك لم يحدث.

بدلًا من ذلك، وفي واحدة من أغرب قصص تاريخ الفيديو المنزلي، وجد الفيلم جمهوره الحقيقي الواسع عبر أشرطة الفيديو والأقراص، ثم عبر عروض التلفزيون. خلال خمس سنوات، أصبح “Shawshank” ظاهرة: فيلمًا يبيعه الناس ويستأجرونه بكثرة، ويشعر محبوه كأنهم اكتشفوه بأنفسهم. وعندما نشرت صحيفة The Wall Street Journal مقالًا عن موجة الاهتمام بالفيلم في أبريل 1999، كان يحتل المركز الأول في تصويت قاعدة بيانات الأفلام العالمية IMDb لأفضل 250 فيلمًا. وغالبًا ما بقي بين المراكز الخمسة الأولى.

تعكس الاستفتاءات والإيجارات الشعبية، لكنها لا تفسر لماذا يحب الناس “Shawshank” بهذا القدر من الشغف. ربما لأن الفيلم يبدو أقرب إلى تجربة روحية منه إلى فيلم عادي. نعم، لديه لحظات ممتعة تمنح المشاهد شعورًا بالمكافأة، مثل مشهد اصطفاف حراس من سجن آخر، يرتدون زي البيسبول، كي يساعدهم آندي في حساب ضرائبهم. لكن جزءًا كبيرًا من الفيلم يدور حول الهدوء، والوحدة، والنقاشات الفلسفية عن الحياة. وحتى لحظات العنف، مثل تعرض آندي لاعتداء جنسي، تُعرض بموضوعية ومن دون استغلال.

يتجنب الفيلم التوقف طويلًا عند معاناة آندي. بعد تعرضه للضرب، نراه من مسافة متوسطة أو بعيدة، بقدر واضح من اللباقة. لا تركز الكاميرا على جروحه أو كدماته، بل تمنحه مساحته، كما يفعل زملاؤه في السجن.

شخصية مورغان فريمان تحمل المسار الروحي للفيلم. نراه في ثلاث جلسات إفراج مشروط بعد 20 و30 و40 عامًا. الجلسة الأولى تحتوي على خدعة سردية ذكية؛ فقد بدأ الفيلم بحكم آندي، ثم نرى لجنة الإفراج، ونتوقع أنها تستمع إلى استئناف آندي. لكننا نكتشف أن الجلسة تخص ريد، وهذه أول مرة نراه فيها. في محاولته الأولى، يحاول إقناع اللجنة بأنه تأهل للعودة إلى المجتمع. في المحاولة الثانية، يؤدي الكلام المطلوب بلا روح. في الثالثة، يرفض فكرة “إعادة التأهيل” كلها، وبطريقة ما، حين يفعل ذلك، يحرر روحه، فتقرر اللجنة إطلاق سراحه.

هناك مشكلة عميقة في حياة ريد. داخل السجن، هو الملك. هو الرجل القادر على توفير كل شيء: علبة سجائر، مطرقة صغيرة لنحت الصخور، أو ملصق ريتا هايوورث. أما في الخارج، فلا يملك مكانة ولا هوية. وقد رأينا مسبقًا ما حدث لأمين المكتبة العجوز بروكس، الذي خرج إلى الحرية وحيدًا وتائهًا. الفصل الأخير، حيث يساعد آندي ريد على قبول حريته، مؤثر بعمق، ويزداد تأثيره لأن آندي يفعل ذلك مرة أخرى من بعيد، عبر الرسائل والبطاقات البريدية، ونراه من خلال ذاكرة ريد وخياله.

كتب فرانك دارابونت الفيلم وأخرجه، مستندًا إلى قصة لستيفن كينغ. ويمنح فيلمه نفسه مساحة من التمهل تخاف أغلب الأفلام من المخاطرة بها. الفيلم متأنٍ، مدروس، وعميق مثل رواية فريمان الصوتية. في هوليوود اعتقاد شائع بأن انتباه الجمهور قصير، وأن الفيلم يجب أن يهاجمه بالجديد طوال الوقت. لكنني أرى أن هذه الأفلام تبدو أبطأ في مشاهدتها من فيلم مثل “Shawshank”؛ لأنه يمتصنا داخله وينسينا أننا نشاهد فيلمًا.

الحوار أيضًا متأنٍ. يجعل تيم روبنز من آندي رجلًا قليل الكلام، يتحدث بهدوء، ولا يندفع في انفعالات كبيرة. إنه رجل يعرف نفسه، قادر على خفض رأسه لسنوات، ثم القيام بلفتة كبرى في لحظة واحدة، مثل تشغيله آريا من أوبرا موزارت “The Marriage of Figaro”. واللقطة العلوية للسجناء في الساحة، وهم مأخوذون بالموسيقى، واحدة من لحظات الكشف الروحي في الفيلم. لأن آندي لا يشرح نفسه كثيرًا، ولا يطلب منا الاقتراب منه، ولا يبالغ في عرض مشاعره، يصبح أكثر إثارة للاهتمام. أحيانًا، يكون التساؤل عما تفكر فيه الشخصية أقوى من معرفة الإجابة.

تصوير روجر ديكنز رصين وغير استعراضي. لقطتان افتتاحيتان، إحداهما من مروحية والأخرى لجدران السجن وهي تعلو فوقنا، تؤسسان المكان فورًا. اللقطات تتبع الحوار بدلًا من أن تستبقه. موسيقى توماس نيومان تعزز الإحساس بدلًا من أن تشرحه، وهناك لمسة دقيقة في تكرار الدمدمات العميقة التي نسمعها خلال جريمة القتل في البداية، ثم تعود لاحقًا عندما يتذكر سجين شاب وصف رجل آخر للجريمة.

يبني دارابونت الفيلم كي يراقب القصة، لا كي يضخمها أو يخطف الأضواء منها. وفي الحقيقة، لا أحد يخطف الأضواء في هذا الفيلم. الممثلون يظلون داخل أدوارهم، والقصة تتحرك بترتيب وهدوء، والفيلم نفسه يعكس مرور العقود البطيء. يقول ريد: “عندما يضعونك في تلك الزنزانة، وعندما تُغلق القضبان خلفك، عندها تعرف أن الأمر حقيقي. حياتك القديمة تختفي في طرفة عين. ولا يبقى لك إلا كل وقت العالم لتفكر في ذلك.”

عندما شاهدت الفيلم مرة أخرى، أعجبت به أكثر مما أعجبت به في المرة الأولى. محبة الأفلام الجيدة تنمو غالبًا مع الألفة، كما يحدث مع الموسيقى. قال بعضهم إن الحياة سجن، وإننا نحن ريد، وآندي هو من يدلنا على الخلاص. كل فن عظيم يتحدث عن شيء أعمق مما يعلنه.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading