فريزر يتألّق في فيلم The Whale
الممثل برندن فريزر يعود بطريقة غير متوقعة بتاتًا!
يقدّم الممثل أداءً بدنيًا ونفسيًا مغايرًا كليًا عن صورته المعهودة، ليس فقط لأنه يؤدي دور رجل يزن أكثر من 270 كلغم ويعجز عن مغادرة شقته الريفية الصغيرة في ولاية أيداهو في فيلم The Whale، الذي عُرِضَ لأول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، بل أيضًا لما تتسّم به شخصيته من لطفٍ ورقة رائعين.
لم نعهد مثل هذه الحساسية المفرطة من فريزر؛ ففي أوج مسيرة الممثل، البالغ من العمر 53 عامًا، خلال تسعينات القرن الماضي وعقد الألفية، حينما أدى دور البطولة في أفلام The Mummy وMonkeybone وGeorge of the Jungle، كان نجمًا ذو طابع متبجح جذّاب لأفلام كوميدية وحركية متسلحًا بحيوية كبيرة وطاقة هائلة، فكان آنذاك يجاري الريح ويصيح ويتأرجح ويذبح بطل المصارعة السابق والنجم السينمائي حاليًا The Rock في فيلم Mummy Returns.
بينما تجسيده لدور تشارلي في هذا الفيلم، الذي يخرجه دارين أرنوفسكي بامتياز، فيعبّر عن شخصٍ هادئٍ ومتأملٍ ووحيد بأداءٍ مؤثرٍ للغاية لرجلٍ يكاد لا يتزحزح عن أريكته. يعمل تشارلي معلمًا لدورات كتابة المقالات عبر الإنترنت، حريصًا على عدم تشغيل كاميرا كمبيوتره المحمول حتى لا يرى أي أحد وجهه وجسمه. ويطلب من موظف توصيل البيتزا أن يترك العلبة على عتبة الباب، ويمضي أيامه في مشاعر الخجل والخزي من نفسه. وشبح الدمعة لا يفارق عين الممثل فريزر.
عزل تشارلي نفسه وبدأ يزداد وزنه عقب وفاة شريكه آلان الأصغر منه سنًا بصورةٍ مفاجئة. فيما قطعت مطلّقته ماري (سامانثا مورتون) وابنته إيلي (سادي سينك) علاقتهما معه لأنه تركهما من أجل حبيبه الجديد. يعيش تشارلي حاليًا لوحده كليًا باستثناء من يزوره مثل الواعظ (تاي سيمبكينز) الذي يحثّه على التوبة والعودة إلى ربّه، وصديقته الممرضة ليز (هونغ تشاو) التي تعتني به وتطلب من هذا الرجل العنيد أن يذهب إلى المستشفى لكن دون جدوى. ليس هذا فحسب، تقول ليز إن حياة تشارلي في خطرٍ حقيقي وقد تنتهي في غضون أسبوع واحد فقط!
لم يتخلَ فريزر أبدًا عن إحدى خصائصه المميزة القديمة ألا وهو شعور التعجب الطفولي الذي يعتري وجهه؛ لطالما كانت الشخصيات التي قدّمها خلال مشواره كنجمٍ لأفلام الحركة مفعمة بدهشة الأطفال وفضولهم حينما يتوصلون لاكتشافات جديدة. هذه النظرة البرّاقة حاضرة كذلك في عيني تشارلي حينما يتحدّث مع ابنته إيلي التي تمقته كلما حاول يائسًا معاودة التواصل معها طالما أنه ما يزال على قيد الحياة. يُخرج الممثل أفضل ما في جعبته ويقدّم أهم مشاهده طوال مسيرته الفنية خلال هذه المحاولات الودية والحنونة لبناء علاقة مفيدة وهادفة مع أسرته السابقة.
يمُكننا التفكير بمجموعة أسباب تمنع نجاح مثل هذا العمل عمومًا؛ يستند الفيلم إلى المسرحية الممتازة التي كتبها صامويل دي هنتر (ثم حوّلها إلى سيناريو وحوار الفيلم)، وهذا النوع من المواد شديدة العاطفية التي تستهدف خشبة المسرح عادةً ما تخفق على الشاشة الكبيرة، ومن أمثلة على ذلك فيلم Allelujah المقتبس كذلك من مسرحية وعُرِضَ مؤخرًا في مهرجان تورونتو. أتوقّع أن يصف بعض المشاهدين الغاضبين شخصية تشارلي واختيار فريزر لأداء دوره أنها محاولة لاستغلال الأشخاص الذي يعانون من السمنة، في حين أن جوهر الفيلم يتمحور حول الحزن واللوعة والبحث عن الحب.
ومع ذلك احذر، فتجربة الفيلم قد تكون لا مريحة أبدًا. ثمة مشاهد عدة قاسية تلمسك من الداخل ويصعب مشاهدتها، تذكّرنا في المشهد الذي راحت فيه أظافر أصابع قدم ناتالي بورتمان تتساقط في فيلم Black Swan. طبعًا المخرج دارين أرنوفسكي لم يتعاون مع برندن فريزر ليقدّم عملاً مثل Bedazzled!
غير أن المخرج والممثل فريزر يتناولان موضوعًا شائكًا ويستخرجان منه محاور عميقة ومؤثرة.
على الرغم من أننا لا نغادر منزل تشارلي الصغير أبدًا إلا أن أرنوفسكي يواظب على تغييره وغموضه وتصويره بطابع فسيح وسينمائي دون أي بخس في التفاصيل. ومع أن نوعية كتابات هنتر مناسبة بشكل أفضل للمسرح (A Case For The Existence of God كانت أفضل مسرحية في الموسم الماضي)، فإن المخرج يلمع ويتألق مع هذا النوع من المبالغة الدرامية والأسلوب السردي الخاص به، ويغمرها بمشاعر صادقة طوال مدة عرضه.
يُذكَر أن موسيقى روب سيمونسن تحاكي صوت بوق الضباب الذي ينذر عن عاصفة قادمة لا محالة لتزيد مستوى التوتّر في الأحداث (كما أن رواية Moby Dick للروائي هرمان ملڤيل لها دور مهم في الفيلم).
يبرع فريزر جدًا في تأدية دورٍ يبدو نظريًا كشخصية هزلية أو تراجيدية سطحية، أو حتى يُمكن أن تستخدم لإلقاء محاضرةٍ عن مرض السمنة، لكن الممثل يضفي عليها لمسةً إنسانية رائعة، فتشارلي شخص يُمكننا التعاطف معه وتفهّم حالته تمامًا، ويذكّرنا بمدى أهمية يوم واحد في تغيير مجرى حياتنا، وهو دليل على تميّز السرد القصصي في جعل المشاهدين يتأثرون بشخصية مختلفة تمامًا عنهم ويدفعهم على التفكير بعمّق في حياتهم الشخصية.