فيلم Tár قد يتوِّج كيت بلانشيت بأوسكارها الثالث

في زمن تعمد فيه معظم الأفلام المعاصرة على تلقيم المشاهدين من توضيح مباشر لخلفية الشخصيات والاعتماد على استرجاع الأحداث الماضية أو ما يُعرِف بخاصية “الفلاش باك” في سرد مجريات القصة، يُفضِّل المخرج تود فيلد (في فيلمه الثالث إجمالاً والأول له منذ 16 عامًا) أن يقدّم عمله الجديد بطريقة أكثر غموضًا وحرية لمخيلة المشاهد؛ فيثق بالجمهور ليتابع حياة قائدة أوركسترا مرموقة اسمها ليديا تار (كيت بلانشيت) وتوطيد علاقته معها بصورة فطرية، فيعرض تفاصيل حكايته إما بطريقة طبيعية أو حتى بحجبها كليًا عن المشاهد.
يتبين ذلك في نسجنا لماضي شخصية ليديا من خلال ما نحصل عليه من المعلومات البسيطة والغامضة التي تبقينا في حالة من عدم اليقين تجاه الكثير من تفاصيل حياتها حتى مع نهاية الفيلم بالكامل. وعليه يعتمد الفيلم على صفتين كانتا بارزتين، لكن اختفيا لحد كبير، بين روّاد السينما الشغوفين، وهما الصبر والتركيز، إذ يكافئ المشاهدين الذين يسمحون لأنفسهم بالانغماس في الأحداث دون انتظار نوعًا من الميلودراما المتوقعة المثيرة للعواطف في النهاية.
أَولاً وقبل كل شيء، يندرج العمل تحت تصنيف “دراسة لشخصية”، بحيث تتمحور القصة حول استكشاف شخصية ليديا وتحليلها. غير أن المخرج لا يكشف كل شيء عن الشخصية لأنه ليس مضطرًا لذلك ولا نشعر بأن الفيلم قد خدعنا لعدم اطلاعنا على الحقيقة المطلقة حول اللغز الرئيسي للفيلم، خصوصًا أننا نحصل على نهاية معيّنة لرحلة ليديا في العمل.
أعذُرُ المشاهدين طبعًا إن اعتقدوا بأن فيلد اقتبس فيلمه عن شخصية حقيقية، علمًا أن شخصية ليديا تار من تأليفه ومحض خياله، لكن المخرج على الأرجح استعان بمجموعة من الشخصيات التاريخية كوسيلة للإلهام. الطريقة التي اختار بها تصوير القصة (مثل افتتاح الفيلم بمقابلة في مهرجان نيويوركر) إلى جانب أداء كيت بلانشيت المتّزن والحسّاس، تضفي على الفيلم إحساسًا لا غبار على صلته بمفهوم “شبه الحقيقة” (verisimilitude) أو تشابه العمل الخيالي مع الواقع. وعندما يتعلق الأمر بالطبيعة البشرية ومحاور مثل الاستغلال والانتقام والغيرة والنرجسية، فإن المخرج لا يفوّت أيًا منها من حيث الدراسة والتحليل.
تعتبر ليديا بمثابة نجمة في سماء مجتمع الأوركسترا على مستوى العالم. فقائدة الأوركسترا المشهورة التي تعمل حاليًا لدى أوركسترا برلين الفيلهارمونية، ليست فقط امرأة مثقفة وشديدة التركيز، بل حقّقت كذلك إنجازاتٍ مهنية مبهرة، إذ كانت تعمل في بوسطن ونيويورك قبل انتقالها إلى ألمانيا، وفازت بالجوائز الأربعة الكبرى بما فيها إيمي وغرامي وأوسكار وتوني، كما تتلمذت مرةً على يد المايسترو العظيم الراحل ليونارد برنشتاين. تتعقد حياتها فيما تستعد لقيادة الأوركسترا في تسجيل حيّ لسيمفونية غوستاف مالر الخامسة، إذ تنكشف ما تمرّ به من منغصات جنت بمعظمها على نفسها.

من جانب آخر، تدخل كريستا تايلور (سيلفيا فلوت)، وهي امرأة كانت مقرّبة جدًا من ليديا (وربما عشيقتها) في حالة من “عدم الاستقرار” والهوس، إذ تُرسِل لها مجموعة من الهدايا الغريبة فيما تحاول ليديا أن تقطع صلتها بها تمامًا. بدورها، لا تخفي ليديا فعليًا انجذابها إلى عازفة التشيلو الجديدة أولغا ميتكينا (صوفي كاور)، في تصرف ينمُّ عن عدم احترام لزوجتها، القائدة المساعدة للفرقة شارون جودنو (نينا هوس). كما تتعمد ليديا تجاهل اختيار مساعدتها المخلصة فرانشيسكا (نويمي ميرلانت) لشغل منصبة مساعد قائد الفرقة الموسيقية. تشكل هذه الأشياء مجتمعةً الدافع الأساسي لردّ فعل عنيف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يفاجئها ويعصف بحياتها كليًا. تتوالى عليها الاتهامات، ومع أن بعضها يبدو مستبعدًا وفي غير محلِّه، نبدأ (كجمهور) في الشك بصحة الكليشي القديم القائل بأن لا دخان بلا نار.
ربما بالغ بعد النقاد بوصف أداء بلانشيت في Tár على أنه الأفضل على مدى مسيرتها التمثيلية. لا شكّ أن تجسيدها للدور يُشكِّل نموذجًا على الأداء التمثيلي المذهل الذي تستعرض فيه الممثلة قدراتها في التعايش والتقمص الكامل لحياة فرد معيّن وتقديمه على الشاشة دون اللجوء إلى أي مبالغات عاطفية، لكن هل هو أفضل أداء للممثلة؟ من الصعب جدًا تحديد ذلك نظرًا لمسيرتها الحافلة التي تخلّلت حصولها على جائزتي أوسكار وأربعة ترشيحات أخرى. فبالإضافة إلى تجسيدها لشخصية ليديا بأدق تفاصيلها وعرض عيوبها الجوهرية، تمارس بلانشيت فن توجيه العرض الموسيقى عن طريقة الإيماءات وتعزف البيانو بنفسها، ما يتيح لفيلد والمصور السينمائي فلوريان هوفميستر درجة من الحرية عند تصويرها (أي لا يحتاجان للاستعانة بـ “يدين بديلتين” على المسرح والبيانو). هذا مهم بسبب حب فيلد للمشاهد الطويلة المستمرة، فغالبًا ما تمرّ دقائق عدة دون أي انقطاع في الفيلم.
يتكوّن طاقم التمثيل المساعد من ممثلي شخصيات يتميّزون بجودة أدائهم أكثر بكثير من حجم أسمائهم أو نجوميتهم، لكن ذلك لا يعني أن ممثلي الفيلم غير معروفين، فالممثلة الفرنسية نعومي ميرالنت ظهرت في عدد كبير من الأفلام (ربما أشهرها وأفضلها Portrait of a Woman on Fire)، والألمانية نينا هوس شاركت في قائمة طويلة من الأفلام، لكنها ربما معروفة أكثر لدى الجمهور الأمريكي من ميرالنت. أما عازفة التشيلو صوفي كاور فتقدّم أول عمل سينمائي لها وتبرهنا بأسلوب إلقائها وعواطفها بقدر ما تملكه من مهارات موسيقية. فيما يُكمِل الممثلان البريطانيان جوليان غلوفر (الذي مثّل سينمائيًا لأول مرة في فيلم Tom Jones عام 1963) ومارك سترونغ (الذي يؤدي دور رجل خجول ومُسالم مغايرٍ تمامًا عن أدواره المعتادة.
من المنعش أن تشاهد فيلمًا ينضح بهذه الثقة الهادئة في قصته وممثلته الرئيسية بحيث لا يضطر المخرج أن يستعجل في سرده أو أن يبالغ في تحمسينا للحفاظ على انتباهنا وتركيزنا للأحداث؛ يسرد فيلم Tár حكايته وفقًا لشروطه الخاصة، وهو مستعد لقبول فكرة أن قصة ليديا قد لا تجذب المشاهدين الذين فُطِموا على نوعية الإنتاجات الرائجة المعهودة. صحيح أن الفيلم صُنِعَ في عام 2022 لكنه يُذكّرنا بالعصر الذي قدم فيه المخرج فيلمه السابقين (Little Children في عام 2006 وIn the Bedroom عام 2001).
تُجسِّدُ كيت بلانشيت حياة ليديا بصورة كاملة وينجح الفيلم في عرض حياتها بطريقة دقيقة بشتى تفاصيلها، والنتيجة هي عمل أخّاذ بلا أدنى شك، لا سيما أن مدة الفيلم التي تزيد عن ساعتين ونصف تمرّ دون أن تشعر بأي ملل. لا يستند العمل إلى قصة حقيقية لكنه ينبض بصدقٍ عاطفي وفكري يجعله يبدو أكثر واقعية من عدد لا يحصى من أفلام السيرة الذاتية المكرّرة المصنوعة لإرضاء الجمهور العام.
التقييم: 3 ونصف من 4.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.