Mission: Impossible – Dead Reckoning: Part One – 2023

Mission: Impossible - Dead Reckoning: Part One

“.Your life will always matter more to me than my own”

ترجمة أحمد كمال

انهالت عبارات الإشادة والتقدير الصيف الماضي على توم كروز بعدما اكتسح فيلمه Top Gun: Maverick شبابيك التذاكر العالمية، واستعاد من خلاله ثقة الجمهور بتجربة الأفلام من داخل صالات السينما. وها هو توم كروز اليوم، أحد آخر نجوم السينما الأمريكيين الحقيقيين، يعود بعد أكثر من السنة في فترة تشهد إخفاقات متتالية لإنتاجات هوليوودية ضخمة أخرى مثل The Flash وIndiana Jones and the Dial of Destiny، فهل يتمكّن من إنقاذ هوليوود مرة أخرى؟ آمل ذلك حقًا لأن Mission: Impossible – Dead Reckoning Part One يُجسِّد معنى المتعة السينمائية الخالصة.

يتعاون المخرج كريستوفر ماك كويري وتوم كروز وفريقهما مجددًا على صُنعِ فيلم مثير يخدعك أولاً ببساطته، ثم يضع شخصيات طيبة وشريرة وأخرى محيّرة في صراع مشترك لنحو ساعتين و43 دقيقة (رقم جريء بصراحة لفيلم يحمل في عنوانه عبارة “الجزء الأول” دون أن تشعر أنه أطول من اللازم). ثمّة بعض التكرار في الحوار المعتاد حول أهمية هذه المهمة بالتحديد، إلا أن المخرج وفريقه يسعفانه بمشاهد أكشن باهرة تجعلك تتقبِّل الطريقة التي يتحدث بها هؤلاء الجواسيس. وبما أن هوليوود تمرّ بأزمة هوية حول صناعة الأفلام فيها، فإن إيثان هنت، أو شخصية توم كروز الشهيرة في هذه السلسلة، يقبل التحدي لإنقاذها من حالة التخبّط والشك هذه.

على الرغم من التجديد الكامل الذي شهدته السلسلة خصوصًا مع تغيير أجوائها وطريقة سردها وإنتاجها كليًا ابتداءً من جزئها الرابع، فإن الجزء السابع يستلهم بحرفيّة من الفيلم الأصلي الذي أخرجه براين دي بالما عام 1996 أكثر من أي جزء آخر، وكأنه يجمع بين خيوط القسمين الأول والثاني ليحيك حكايةً واحدة متماسكة. يُركِّز هذا الجزء على شخصية إيثان هنت ووصوله إلى هذه المرحلة في حياته، دون أن يتحوّل العمل إلى قصة نشأة تقليدية، إنما كما فعل فيلم Casino Royale الممتاز مثلاً في تحليل خصائص جيمس بوند والدافع الحقيقي لهذه الشخصية المحبوبة، فيتعمَّد المخرج والكاتب المشارك إريك جيندرسون تذكيرنا بأجواء فيلم دي بالما الأول مرارًا، عبر اللقطات القريبة المليئة بالتعرّق والتوتر، التي يريد من خلالها المُصوِّر فرازر تاغارت أن تستذكر الفيلم الأول، لتسترجع قصة تحوَّل إيثان هانت إلى عميل سري، وتستكشف العواقب التي تحمّلها ودفع ثمنها غاليًا منذ بداية رحلته.

ولم يكتفِ صناع الفيلم بالإشارات المرئية إلى الأجزاء السابقة فحسب، بل غاصوا في أعماق الماضي ليأتوا لنا بالمدير السابق لوحدة المهام المستحيلة يوجين كيتريدج (يُجسّده هنري كزيرني) الذي سيعود في هذا الفيلم إلى حياة إيثان لتبدأ قصة مهَمة جديدة مليئة بالتشويق والإثارة. وسرعان ما يبوح كيتريدج لإيثان بظهور نظام ذكاء اصطناعي فتّاك يُعرف باسم “الكيان” في عالم يشهد اقتتال القوى العظمى للسيطرة عليه، وهو الذكاء الاصطناعي الذي يمكن التحكم فيه بمفتاحٍ من نصفين، وأحدهما على وشك أن يُباع في السوق السوداء. ومع عودة الممثلين لوثر (يُجسّده فينج راميس) وبينجي (يُجسّده سايمون بيج) إلى فريق المهمة المستحيلة، يجد إيثان نفسه في صراع مع الزمن للحصول على المفتاح قبل أن يقع في أيدي الشخاص الخطرين وكشف لغز مكان استعماله وكيفيته. وسيظل هذا المفتاح عديم الفائدة إذا أخفق الفريق في كشف هذا اللغز.

وبعد إطلاق نار متبادل في صحراء ليوا، تطل علينا الممثلة إلسا فاوست (تجسدها ريبيكا فيرغسون) وهي تحمل سلاحها بقوة، معلنة عودتها للتألق في سلسلة الأحداث المثيرة وبداية فصل جديد من المتعة والإثارة. ويبدأ المشهد الرئيس الأول في هذا الجز ء من “Dead Reckoning” في مطار أبوظبي، حيث يكتشف هانت انضمام أطراف أخرى إلى الحرب الجاسوسّية، وعلى رأسهم صاحب الوجه المألوف غابرييل (إيساي موراليس)، وهو الإرهابي الذي كان سببًا رئيسًا في جعل هانت يقتحم هذا العالم. ويمتاز غابرييل بسعيه الدائم إلى نشر الفوضى والدمار في جميع أنحاء العالم ويتلذذ بآلام الآخرين. كما أنه على النقيض من إيثان الذي تحرّكه العاطفة وحبه لأصدقائه، أما غابرييل فهو وحش في صورة إنسان مجرد من الإحساس ويعمل لصالح الكيان ويستميت في الحصول على المفتاح ومنع أي شخص آخر من السيطرة عليه.

Mission: Impossible – Dead Reckoning: Part One

وفي المطار، يصادف إيثان لصة محترفة تُدعى غريس (تُجسّدها هايلي أتويل)، التي وجدت نفسها في طرفة عين  في وسط صراع مجنون على مصير العالم، بصحبة عميلين آخرين يحاولان الإيقاع بإيثان، والذي جسّد دورهما كل من شيا ويجهام وجريج طرزان ديفيس. وتبهرنا القاتلة الصامتة، التي برعت الممثلة الفرنسية المتألقة بوم كليمينتيف في تجسيد دورها، في بعض مشاهد الإثارة والحركة. وتلعب فانيسا كيربي دور تاجرة السلاح (الأرملة البيضاء)، والتي جاء أداؤها باهتًا بعض الشيء. فلم يحالفها التوفيق في تجسيد دور “شخصية مؤثرة وذات نفوذ” فوقعت فريسة لأقلام النقاد.

لكن لم يكن لهذا أي تأثير، لأن عشاق هذه السلسلة الأسطورية لا تعنيهم الخلفية الدرامية للأرملة البيضاء، بقدر ما تعنيهم لحظات الإثارة والمتعة في مشاهد توم كروز الجريئة التي تحبس الأنفاس. ولعل الصورة التي تعلق في أذهان الكثير عن سلسلة “المهمة المستحيلة” هي الحركات الخطيرة التي يبرع توم كروز في أدائها، والتي أمتعنا بها أكثر من مرة في هذا الفيلم. ومن الواضح أن تلك الصورة هي أساس الرؤية الفنية التي يقوم عليها الفيلم بالكامل. ويقدم “Dead Reckoning” في جزئه الأول لجمهوره من عشاق المتعة والإثارة وجبة سينمائية دسمة من الحركة والتشويق بدايةً من الإثارة على متن القطار والمناورة بالسيارات وحتى الحركات الجريئة التي يبهرنا بها إيثان. فهو فيلم أكشن يجسّد السرعة والخطر، وهو شيء لم يعد معتادًا في عصر تضائل فيه الإحساس بالخطر الذي تواجهه الشخصيات بسبب الاعتماد المفرط على تقنيات الصور المُنشَأة بالحاسوب. وستظل القطارات الجامحة المنطلقة بأقصى سرعة محببة لعشاق الحركة والإثارة عن تصميم المعارك باستخدام الحاسوب، ويدرك المخرج العبقري كريستوفر ماك كويري كيفية استخدام هذه القطارات ليهدي عشاق الحركة فيلم أكشن يجمع ما بين حداثة الحاضر وعراقة الماضي. ولا يفرط هذا النوع من الأفلام في الاعتماد على تقنيات الصور المُنشَأة بالحاسوب، وهو ما يزيد من مستوى الإثارة والمتعة عندما ندرك أن توم كروز هو بالفعل من يقفز من الدراجة النارية، فنتفاعل بكل حواسنا مع تتابع اللكمات وتطاير الأجساد وتصادم السيارات. وقد سخّر صُناع الفيلم خبراتهم وخلاصة مسيرتهم السينمائية لإنتاج هذا العمل الضخم الذي لا يضاهيه في روعته سوى فيلم “John Wick: Chapter 4” هذا العام.

يحمل لنا الفيلم كل الإبداع في تمثيل ضراوة الصراع الدائر بين هانت والذكاء الاصطناعي والتساؤلات التي تدور في رأسه عن مغزى كل ما يقوم به. وظلت الأفلام التي تتناول التكنولوجيا ومخاطرها على رأس قائمة الأفلام الأكثر تحقيقًا للإيرادات لسنوات وسنوات، لكن لنبحر في المعاني العميقة لفيلم تجسس يصور لنا عالمًا على حافة الهاوية يترقب الصراع الدائر بين فريق التجسس والذكاء الاصطناعي الذي يمكنه تجسيد دور ممثل كان قبل فترة قصيرة حديث الساعة بسبب تقنيات التزييف العميق التي أظهرته في مقاطع فيديو حصدت ملايين المشاهدات حول العالم. وقد تميّز هذا الفيلم بقصة فريدة تأخذ بعين الاعتبار عمر الممثل، إذ يجد إيثان نفسه مضطرًا لمواجهة تحديّات جديدة والبحث عن توازن بين حياته الشخصية وطبيعة عمله التي تتسم بالإثارة. ومن خلال تناول هذه القصة، تبرز التحديّات التي يواجهها فنان متألق مثل توم كروز وهو يقترب من نهاية سلسلة “Mission Impossible” التي استمرت لأكثر من ربع قرن. وعلى الرغم من هذه التحديّات، يحقق هذا الفيلم نجاحًا لافتًا يفوق كل التوقعات، مما يجعله تحفة فنية فريدة من نوعها تعكس الحياة الحقيقية للفنانين في صناعة الترفيه. وقد يقصد كروز هذا التفسير أو لا يقصده، ومع ذلك، أشك في أنه قصد ذلك عن عمد. وعلى أي حال، يضيف هذا التفسير إلى عمق العمل.

الأهم من كل شيء هو أن “Mission: Impossible – Dead Reckoning Part One” ممتع بشكل لا يصدق، حيث يقدم مزيجًا مثاليًا من الإثارة والتشويق والحماس، مما يجعل من مشاهدته تجربة مثيرة وممتعة لا يمكن نسيانها. ويتميز هذا الفيلم بقدرته الفائقة على اختراق عالم المشاهد وجعله يشعر وكأنه يعيش الأحداث بنفسه، فعلى الرغم من مدته القصيرة في رأي المشاهد، يحتوي على مشاهد حركة رائعة تتفوق في بعض الأحيان على ما يتم عرضه في أفلام تسلسلية طويلة. ويبقى السؤال، هل سينقذ توم كروز تجربة الأفلام الضخمة مرة أخرى؟ ربما. وقد يفعلها مجددًا في الصيف المقبل.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading