Heat – 1995

“.McCauley: I’m alone, I am not lonely”

“.Hanna: I say what I mean and I do what I say”

ترجمة مهند الجندي عن جيريمايا كيب.

الأبطال في عالم المخرج مايكل مان لديهم وجهة محددة ويتمتعون بتفاني خالص للمهنة التي اختاروها. يقول محقق جرائم السرقة الذي يلعب دوره آل باتشينو في فيلم (الخطر) : “ما أنا إلا ما أسعى ورائه”، وهي الجملة التي قد تكون نفس المعادلة التي يعمل بها بطل الملاكمة في (علي) أو القاتل المحترف في (المرافق). هذا الإخلاص وهذا الدافع هما الوقود الذي يجعلهم يستمرون في عملهم، ويوفر لهم بوصلة أخلاق ترشدهم بين الأبيض والأسود في عالم يحير الغموض فيه العقول. إذ ما تكون الراحة التي توفرها القدرة في معرفة اتجاهك حين تترك أشخاصاً آخرين عالقين في زواج مأساوي أو علاقة كارثية، وأي حياة تكون عندما يخبر فيها المرء من يعترف بحبه لهم : “سأعود، لكن ثمة أمر ما علي أن أسويه أولاً”.

يطرح فيلم (الخطر) هذه الأسئلة ويستعين بقصة الضحية والجلاد باستخدامه اللص الخبير نيل مكولي (روبيرت دي نيرو) الذي يفر من الشرطي العنيد فينسينت هانا (آل باتشينو) ليناقش فكرة هذين النموذجين المتشابهين من رجولة المرء الذي يفضل العيش والعمل وحيداًَ. مكولي رجل متأني ومفكر وراضي عن عالمه الذي يعيش فيه “لوحده وليس بوحدة” وهو مجرم يمتاز بموهبة تحقيق سرقات كبيرة، يتمتع بإخلاص وتفاهم من طاقمه، لكنه لا يسمح بوجود أية ارتباطات دائمة في حياته. يرفض أن يرتبط بشيء لا يستطيع أن يتركه إذا شعر بوجود خطر قريب منه.

في الطرف الآخر، فإن هانا شخص عصبي وعفوي، ينفجر بالغناء وهو يحقق مع متهم ما، ومن ثم يسخر إن كان قد وقع في الحب ليلة البارحة، وبعدها يصرخ بوجهه: “أخبرني كل شيء!” يلهث وراء المطاردة والعمل ليلاً نهاراً بينما تقول له زوجته الثالثة (ديانا فينورا): “إن زواجنا في تدهور”. قد يكون دي نيرو صاحب الدور الأفضل، وهو بطل مأساوي تُختبر قيمه الأخلاقية إلى أبعد الحدود، لكن آل باتشينو يحظى على أفضل الجمل “قد تقتل وأنت تمشي كلبك!” و”لديها مؤخرة رائعة! شخصياً عندما أُفكر بجسد المرأة… شيءٌ ما ينتابني!” تصنف هذه الجمل مع أشهر قراءات آل باشتينو المشاكسة للجمل. هووواآه، بالفعل. 

غير أن هذه الشخصيات لا تعرف كيف تعمل في أي شيء بديل، ولا تريد حتى أن تجرب شيء آخر. يتكرر هذا الشعور عند الأفراد الأمريكيين التقليديين (ليس من الغريب أن يكون مايكل مان قد اقتبس قبل هذا الفيلم رواية جيمس فينيمور كوبير تحت عنوان آخر محاربي الموهيكينز). إنه لشعور جيد أن تبرع في شيء معين، ثمة أمر مريح إزاء تطبيقك للمعرفة في شيء معين لدرجة أن يصبح قيامك به شيئاً فطرياً لديك، لو لم يكن هؤلاء الرجال من الشرطة أو اللصوص لكنا قد أبدينا لهم نفس الدرجة من الاحترام الذي نكنه إلى الميكانيكي الذي يصلح سيارتنا عندما تتعطل. يعتبر المرء جذاباً عندما يقوم بالعمل الذي يحبه، ويحسن عمله. لا يعني هذا أن العيش معهم سيكون أمراَ سهلاً، كما يثبت هانا ومكولي ذلك مرة تلو الأخرى، إلا في حال كنت تعمل معهم وتتكلم لغتهم.

يضم طاقم مكولي كل من كريس (فال كيلمر) الذي يمر زواجه العسير بفترة حرجة من فرط إدمانه على القمار، و مايكل (توم سيزيمور) الذي برغم من تنعمه بعائلة وأولاد، فهو لا يستطيع كبح جماح شهوة القبول والنجاح بأي عملية سرقة جديدة، إن كانت سرقة بنك أو خزنة أو سيارة مدرعة. يمكن أن نكره هؤلاء الرجال إن لم يكونوا بارعين جداً في عملهم ومتفانون جداً في حماية بعضهم البعض (يقفون جنباً إلى جنباً باحتراف كما يقوم جنود البحرية). عندما يمارسون عملهم، فهم أشبه بالسحرة، وعندما تقاطعهم الشرطة، نجدهم كوحدة قتال متماسكة. إن علاقتهم مع بعضهم وثيقة أكثر من علاقتهم مع عائلاتهم.

نلاحظ أن تعاطف هانا ينصب مع مكولي، الطيب يحترم الشرير. مع اقتراب الشرطة من كشف أكبر عملية سرقة لهذا اللص الداهية، يعرض الفيلم قصص التمهيد والتخطيط لهذه العملية في مدينة لوس أنجيلوس المصورة بطريقة تبرز رومانسيتها. بصورها النقية وإطارها الثابت وألوانها الدقيقة، يحكي المخرج قصته بدقة خانقة لتفاصيل مسرح الجريمة، مثل الآلات التي يستخدمها اللصوص وحتى أعمالهم الجانبية الأخرى في المطاعم والنوادي الليلية التي ترتاداها هذه الشخصيات. مع مضي أحداث الفيلم، يزداد احترام المشاهد لكل من هانا ومكولي (ويشعر المرء مع هانا ربما أكثر لأنه يمثل الرجل الشريف)، ويكاد صبرنا ينفذ لرؤية اللحظة الحاسمة التي سيتلاقى بها هذين العملاقين. يعمل هانا على تحقيق هذه المقابلة عندما يجعل مكولي يركن سيارته في الطريق العام ويسأله بطريقة غير رسمية : “ما رأيك أن أدعوك لاحتساء كوب من القهوة؟”.

ربما يكون المشهد الرئيسي للفيلم هو أبسط ما رسمه المخرج مايكل مان طوال مسيرته، تاركاً مهارته البصرية المبهرة معتمداَ على لقطات مقربة بسيطة أخذت من فوق أكتاف الممثلين. يوفر هذا المشهد بلا شك إثارة مضاعفة للجمهور لأنه يجمع بين آل باتشينو و روبيرت دي نيرو وهما في أحسن أحوالهم الفنية: كلاهما في منتصف العمر وكلاهما قد نضج تماماً من خلال مسيرة تمثيل فريدة، تمكنهما من إبراز إيحاءات دسمة لدرجة أن المشهد يكاد يكون في مستوى فكري ونفسي عالي مختلف بحد ذاته. إن اندفاع باتشينو الماكر الذي يناقض عمل دي نيرو الدقيق المتفاني صاحب النظرة الثاقبة، يعد بالتأكيد درس من الدرجة الأولى في التمثيل الممتاز. بالفعل، بعد هذا الفيلم، لم يقدم هذان الأستاذان ما هو عظيم (اقترب باتشينو من تحقيق ذلك في فيلم “المطلع” وبلحظات في “دوني براسكو” وأحسن دي نيرو عملاً بترحاله في فيلم “رونين”، لكنهما تقريباً تخليا عن منصب الأستذة هذا).

يصل هذا المشهد لدرجة العظمة ليس لأن هانا ومكولي يتبادلان تهديدات كلامية لا تنسى ما بينهما، بل لأن الحديث أخذ الرجلان لمنعطف حميمي غير متوقع جعلهما يشاطران ليس فقط آمالهم بل أحلامهم أيضاً. يعترف هانا أنه يرى ضحايا كل مسرح جريمة حقق فيه، يحدقون به صامتين بمقلة أعينيهم السوداء. في حين أن مكولي يعاني من كابوس الغرق (“هل تعرف ماذا يعني هذا؟” يسأله هانا، “بلا، لا يوجد وقت كافي”). إن هدف المشهد هو التحليل الباطني، ربما لأنه يصل إلى جذور الشيء الذي يدفع ويقود هذين الرجلين في مواصلة عملهما، وهو ليس الخوف من الوحدة، بل الخوف من أن يفقد الرجلان السيطرة على مصيرهما الذي هو بالطبع متداخل بينهما.

ينتصف الفيلم عند أحد أفضل مشاهد تبادل إطلاق النار في تاريخ السينما، حيث تكاد تكون خطورة الرصاص محسوسة ومدوية الصدى من بين ناطحات السحاب وتفجير جوانب السيارات، يصاحبها تفاصيل قوية عالية الجودة من فنني الصوت للفيلم. يزيد من درامية هذا المقطع الملتهب، المشهد السابق الذي جرى في المقهى بين العملاقين، وهو يعيد للأذهان فكرة إلياذة هوميروس التي عرجت على تأمل لمحات إنسانية قبل ساعة تصادم الجيوش. ويتحول الفيلم بعد هذا المشهد إلى حالة أشبه بيوم هلاك بطيء حيث تواجه كل شخصية على حدا مصيرها المأساوي الحتمي الأخير. عند نهاية القصة، سيلقى أحد هذين العملاقين حتفه، لكن بعد أن أدى كل واحد منهم دوره في اللعبة، نجد أنفسنا أمام صدمة إما أن تلاقي المديح والاستحسان لفخرها بجرأة الرجال أو مأساوية أن تكون أمريكي وحيد: يتصافح الشرطي والقاتل بينما يفارق أحدهما الحياة.

كما هي قصائد هومر، فإن الفيلم مصنوع في إطار ملحمي مصغر بحجمه لكن مدهش بإمكانياته، مع دستة من الشخصيات الرئيسية المتكاملة بأبعادها، وأربع قصص رومانسية ثانوية على الأقل (أكثرها حزناً هي بين دي نيرو وإيمي برينمان المصممة الفوتوغرافية الشابة التي تفوز بحبه وتخترق فراغه العاطفي الذي كان يسيطر عليه)، وهنالك أيضاً شخصيات ثانوية مكتوبة بعناية: حيث يكرر جون فويت تقديم شخصيته في فيلم (القطار الهارب)، مستنداً بشخصيته على مجرم تحول إلى ممثل واسمه إيدي بانكر. كما يحظى ممثل الشخصيات توم نونان على مشهد واحد في الفيلم بدور مدبر مقعد لجرائم السرقة. وقصة ثانوية أخرى عن مجرم خرج لتوه من السجن (دينيس هايسبيرت) الذي لم يكن له صلة بقصة مكولي وهانا حتى أن جاءت لحظة هامة حيث يُسأل بها السؤال التقليدي والمعروف من المخرج مايكل مان : “هل ستشترك؟ الآن؟ نعم أم لا؟”.

يستمتع مان بمثل هذه المواجهات، حيث يتحتم على الشخصيات اتخاذ قرارات حاسمة في نفس اللحظة، معتمدين على بديهتهم وشعورهم الداخلي. إلا أن الحياة لا تسير دائماً على هذا النحو، وغالباً ما تحدث تلك المواقف التي تقلب الحياة ببطء شديد ومحسوس، بيد أن الدراما والشعر قد صمما بغية إبراز أسئلة أخلاقية على السطح ومن ثم مناقشتها. لاحظ أن الأفلام تسمح لنا عندما تكون جيدة الصنع أن نعيد التفكير بحياتنا وقيمنا ونطبقها على أنفسنا. عادةً ما تكون قصة الشرطي ضد اللص محور أفلام إثارة بحتة أو تبادل رصاص خاوي من أي معنى، أما هنا فنجد أنفسنا في موضع تساؤل: العمل أو العائلة، المخاطرة أم الحتميات، طلب المساعدة أم حماية الذات. الشخصيات في (الخطر) ليست ذوات بعد واحد وتفكير محدود لاختيار طريق ما أو آخر، بل يختاروا تحديداً الطريق الذي يريدونه. أما هانا فيصيح بوجه هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على الالتزام: “لا تضيعوا وقتي!”.

 

رابط المراجعة الأصلية:
 http://www.slantmagazine.com/film/film_review.asp?ID=1442.

 

أفاتار غير معروف

رأيان حول “Heat – 1995

اترك رداً على fahedإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading