مراجعة فيلم Project Hail Mary: الفضاء يتحول إلى اختبار للإنسان لا للعلم فقط

أتمنى لو كانت هناك أفلام أكثر مثل Project Hail Mary؛ أعمال تجمع بين تحفيز العقل ومخاطبة العاطفة. هذا الفيلم ينتمي إلى نوع من الخيال العلمي يركّز على الأسئلة الوجودية بدل الاستعراضات الفضائية المعتادة، ويقدّم تصورًا أكثر واقعية للسفر عبر الفضاء مقارنة بالأفلام التجارية التقليدية. لا يحاول تبسيط كل فكرة علمية للمشاهد، بل يثق بقدرته على الفهم، ويترك منطق المهمة يقود الدراما بدل أن يعيقها. ورغم احتوائه على مؤثرات بصرية ومشاهد توتر عالية، فإنه يتجنب الكثير من كليشيهات هذا النوع ليبدو مختلفًا ومنعشًا، دون أن يتحول إلى خيال مبالغ فيه.
كأي قصة بقاء، يضع الفيلم الإنسان في مواجهة الطبيعة، لكن الطبيعة هنا هي الكون نفسه، ببروده ولا مبالاته. لا يوجد أشرار، ولا خصوم تقليديون. القصة تدور حول استكشاف المجهول، ومحاولة تحقيق هدف يبدو مستحيلًا. إنها رحلة عن إيجاد طريق عندما لا يوجد أي أمل، وعن التعامل مع الوحدة، واكتشاف الصداقة في أكثر الأماكن غير المتوقعة، وفهم معنى التضحية عندما تكون آخر ممثل للبشرية.
الأرض تحتضر، ليس بسبب البشر، بل نتيجة ظاهرة غامضة تمتص طاقة الشمس وتؤدي إلى تبريدها تدريجيًا. هذه الظاهرة لا تقتصر على نظامنا الشمسي، بل تمتد إلى النجوم القريبة، باستثناء نجم واحد فقط. التوقعات كارثية، وقد يموت نصف سكان الأرض خلال عقود إن لم يُعثر على حل. ومن هنا تنطلق فكرة “Project Hail Mary”، مهمة ترسل رواد فضاء إلى ذلك النجم البعيد لاكتشاف سر مقاومته وإرسال الحل إلى الأرض. إنها مهمة انتحارية بفرص نجاح ضعيفة.
هكذا يجد رايلاند غريس، مدرس العلوم الذي يؤديه Ryan Gosling، نفسه في الفضاء، بعد أن يستيقظ من سبات طويل ليكتشف أنه وحيد، وأن المساعدة الوحيدة التي قد يحصل عليها تأتي من كائن فضائي غريب يسميه “Rocky”.
إذا كانت المهمة هي هيكل الفيلم، فإن العلاقة بين غريس وروكي هي قلبه. الفيلم ليس مجرد نسخة فضائية من Cast Away، لكنه يشاركها فكرة الوحدة والبحث عن رفيق. بناء لغة مشتركة بين الإنسان والكائن الفضائي يتحول إلى تجربة مشوقة بقدر أي مشهد إنقاذ أو إصلاح تقني. في الوقت الذي تركز فيه أفلام الخيال العلمي الجادة على العزلة، يقدّم هذا الفيلم فرصة للتواصل، ويجعل من الصداقة عنصرًا أساسيًا في النجاة.
رغم ذلك، يعاني الفيلم من مشكلة هيكلية بسيطة، إذ يبدو وكأنه فيلمان في واحد: قصة الاتصال الأول مع كائن فضائي، وقصة إنقاذ العالم. كلاهما مهم، لكن الجمع بينهما يؤدي أحيانًا إلى تسريع بعض الأحداث التي كانت تستحق مساحة أكبر. تحقيق التوازن بين كارثة عالمية وعلاقة إنسانية حميمة ليس أمرًا سهلًا.
يُقدَّم السرد بشكل غير خطي، حيث يبدأ باستيقاظ غريس في الفضاء، ثم يعود إلى الماضي ليكشف كيف وصل إلى هناك. هذا الأسلوب يساعد على كسر العزلة ويمنح القصة تنوعًا في الإيقاع.
Ryan Gosling هو محور الفيلم بالكامل. كما حمل Ryan Reynolds فيلم Buried، وSam Rockwell فيلم Moon، وTom Hanks فيلم Cast Away، يعتمد Project Hail Mary بشكل كبير على حضور Gosling، وهو ينجح في ذلك. أداؤه يجمع بين الطرافة والتوتر والإنسانية، ويجعل الشخصية قريبة من المشاهد. هو شخص عادي يجد نفسه في موقف استثنائي، ويتحوّل من معلم بسيط إلى منقذ محتمل للبشرية.
العلاقة بينه وبين روكي تذكّر بعلاقة Luke وYoda في The Empire Strikes Back، حيث ينجح الفيلم في جعل التفاعل بين إنسان وكائن غير بشري مقنعًا ومؤثرًا، بعيدًا عن السطحية التي قد توحي بها الإعلانات.
الفيلم في جوهره عن اكتشاف المجهول ومتعة بناء علاقات جديدة. لا توجد معارك فضائية ضخمة، لكن مشهدًا واحدًا مركزيًا مليئًا بالتوتر يكفي ليمنح الفيلم إثارة تفوق كثيرًا من أفلام الأكشن. ورغم أن الإيقاع العام هادئ نسبيًا، فإن الشعور بالخطر حاضر دائمًا.
Project Hail Mary ليس مجرد فيلم خيال علمي، بل تجربة إنسانية كاملة، تذكّرنا بأن أعظم القصص في الفضاء ليست عن النجوم… بل عن البشر الذين يحاولون فهمها.