Out of the Past – 1947

“Nothing in the world is any good unless you can share it.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

تبدأ أحداث معظم أفلام الجريمة في الحاضر وتسير إلى المستقبل، لكن فيلم النوار يلتف عائداً إلى الماضي، ومصير بطلها هالك حتى قبل بداية القصة – إما بالقدر أو بالحظ العاثر أو بشخصيته المعيوبة. تعرض أفلام الجريمة أحياناً رجالاً طيبين يتحولون لعكس ذلك، بيد أن بطل النوار ليس طيباً أبداً، بل يوهم نفسه بذلك، بالعيش جاهلاً بجانبه المظلم إلى أن تودي به الأحداث إلى تلك الظلمة.

 إن فيلم (من الماضي) لعام 1947 من أفضل أفلام النوار على الإطلاق، يحكي قصة رجل يحاول التخلص من ماضيه وضعفه والبدء من الصفر في بلدة ما، بوظيفة جديدة ومع فتاة جديدة. يلعب روبيرت ميتشم دور البطولة، المميز بعينين حزينتين وصوت صارم وحضور الرجل العنيف المغلف باللامبالاة، مما جعله الممثل الأمثل لأفلام النوار. تبدأ أحداث الفيلم قبل حتى أن نراه، فالمتاعب تأتي إلى بلدته بحثاً عنه. رجل من ماضيه يلمحه يملأ البنزين، فتعود حياته القديمة وتجرّه إليها.    

 يؤدي ميتشم شخصية جيف بايلي الذي كان اسمه جيف ماركام حين عمل كمحقق خاص في نيويورك. في تلك الأيام، استعان به رجل عصابات اسمه ويت ستيرلنيغ (كيرك دوغلاس، مبهر في دور من أدواره الأولى) ليتعقب أثر امرأة تدعى كاثي موفت (جاين غرير، تجمع بين الإثارة والغدر بطريقة لا تقاوم). أطلقت كاثي النار على ستيرلينغ أربع مرات، وأصابته مرة واحدة، ولاذت بـ40 ألف دولار من ماله. ستيرلينغ يريد من جيف أن يعيدها، ويقول أنه لا يريد الانتقام: “أريدها أن تعود فقط، حين تراها، ستفهم أكثر.”

 هذه القصة بأكملها، وغيرها الكثير، تروى لنا بالفلاشباك. عندما نقابل جيف في بداية الفيلم، نشاهد موقعاً مبهجاً على بحيرة في سييرا، حيث يحتضن حبيبته آن (فيرجينيا هاستن) بين ذراعيه. وحين ينحني لتقبيلها، يقاطعهما جيمي (ديكي مور) الفتى الأصم والأبكم الذي يعمل له المحطة. يستعمل جيمي لغة الإشارة ليقول له أن هناك رجلاً غريباً في المحطة يسأل عنه، وهو قاتل مأجور يعمل لحساب ستيرلينغ واسمه جو ستيفانوز (بول فالنتين)، الذي يخبره أن ستيرلينغ يريد ملاقاته في عزبته الواقعة على بحيرة تاهو.

 يصطحب جيف صديقته معه برحلة ليلية في السيارة إلى تاهو، مستغلاً الطريق ليروي لها قصته – اسمه وماضيه الحقيقيين، كيف تعقب كاثي موفت إلى المكسيك ووقع في حبها. (“شاهدتها تخرج من الشمس، حينها عرفت لماذا لم يأبه ويت بالـ40 ألف”). ويخبرها أيضاً: كيف كذب على ستيرلينغ بأنه لم يجد كاثي، وعن هروبه معها إلى سان فرانسيسكو وكيف ظن أن بإمكانه العيش حراً من ماضيه، وكيف شاهدهما فيشر (ستيف برودي) شريك جيف السابق، الذي لحق بهما إلى كوخ منعزل، وهناك أطلقت كاثي النار عليه وتركت جيف وحيداً مع الجثة مع كشف حساب يثبت أنها سرقت المال فعلاً.  

 تأخذ القصة من جيف الليلة كله، و40 دقيقة من مجريات الفيلم. نعود بعدها إلى الوقت الحاضر مجدداً، على بوابة عزبة ستيرلينغ. ترحل آن بالسيارة ويبدأ جيف مساواة حسابه مع ماضيه. وهناك لا يتفاجئ جيف بعودة كاثي إلى ستيرلينغ مرة أخرى. فهذا الشخص فريد من نوعه. ليس فقط أنه أرجع كاثي بعد محاولتها قتله، بل يريد الاستعانة بجيف مرة ثانية بعد أن خانه. يريد منه هذه المرة تصفية الأمور مع لينارد إيلز، محاسب في سان فرانسيسكو يحتفظ بكشف حساب ستيرلينغ، ويبتزه بتهديدات حول دائرة الإيرادات الضريبية الداخلية.

 يستهل الاجتماع بين ميتشم ودوغلاس بملاحظة طريفة هادئة جداً لدرجة قد لا ينتبه إليها المشاهد. يقدم دوغلاس: “سيجارة؟” ويرد ميتشم: “إني أدخن”، رافعاً يده حاملاً سيجارة. ثمة شيء لطالما أثار استغرابي حول هذه اللحظة، وكأنها من خارج الفيلم، فسألت ميتشم عنها بعد عرض الفيلم في مهرجان فيرجينيا السينمائي. 

 سألته: “هل كان لديكما فكرة للقيام بخدعة مستمرة عن تدخين السجائر؟”

 “كلا، كلا.”

 “لأن الفيلم يحوي تدخيناً للسجائر أكثر من أي فيلم شاهدته بحياتي.”

 “لم نفكر بهذا الأمر أبداً. كنا ندخن فقط، وأنا لست معجباً بهذا. لا أعرف حقاً إن كنت قد شاهدت الفيلم أساساً.”

 “لم تشاهده أبداً؟”

 “لا بد أني شاهدته، لكن ذلك كان منذ مدة طويلة فلست متأكداً.”

 هذا هو ميتشم، ممثل رائع لا يبالي بعمله.

 التدخين حاضر بكثرة في فيلم (من الماضي)، وهو كذلك في كل أفلام النوار، حتى المعاصرة منها، لأنها جزء لا يتجزأ من هذا العالم. فالصحة الجيدة عند شخصيات النوار متمثلة بألا يقتلوا وحسب. غير أن أفلاماً قليلة تستخدم التدخين بنجاعة هذا الفيلم؛ من المنصف القول أن ميتشم ودوغلاس ينفخان دخان السجائر في وجه بعضهما خلال المشاهد التي تجمع بينهما، وكأنها طريقة مهذبة في الجدال. مخرج العمل هو جاك تورنير، أستاذ بالدراما المظلمة مع أستوديو RKO، معروف بفيلمي Cat People للعام 1942 وI Walked with a Zombie للعام 1943. يعمل هنا للمرة الثالثة مع المصور السينمائي نيكولاس موسروكا، خبير العتمة والضوء، الذي يرمي بوميضه في المساحات الفاصلة بين الممثلين، بحيث عندما يستنشقان السجائر، نشاهد الدخان واضحاً وكأنه سحب بيضاء ساطعة.

 ميتشم ودوغلاس يعتقدان أن في القصة نزاع بالإرادة بينهما، بيد أن الرجلين في الواقع أدوات تستخدمها امرأة فاسدة. فكاثي تخون الرجلين أكثر من مرة، وهناك أيضاً ميتا كارسن (روندا فليمنغ)، سكرتيرة المحاسب إيلز المغرية. الرائع هي الطريقة التي يمضي بها جيف قدماً رغم معرفته بما سيقع فيه، كيف يتورط مع ستيرلينغ وكاثي من جديد رغم ماضيهم، وكيف يوافق حين تقترح ميتا اجتماعه مع إيلز مع أنه يعرف وحتى يقول: “أظن أني متورط،” ويشير أنه أعطي شراباً كي تظل بصماته على الكأس.

 المشاهد في سان فرانسيسكو التي تعرض قتل إيلز ومكان سجل الضرائب ولعب ميتا كارسون على الحبلين تمتاز بالتعقيد الشديد، من المدهش كيف يمكن للشخصيات نفسها أن تكتشف من يخون من ولماذا. التفاصيل غير مهمة، المهم هي الطريقة التي يطورت بها جيف القوي وابن الشارع رغم إدراكه بخطئه، فهو يشعر بوجود كمين ويعتقد أنه قادر على تخطيه، ومع ذلك يظل مسحوراً بكاثي موفت.

 يفصح جيف عن هوسه بها لأول مرة في المكسيك، حين تدعي كاثي أنها لم تسرق الـ40 ألف.

 “لكنني لم أسرق شيئاً، لم أفعل يا جيف، أتصدقني؟”

 “لا يهمني ذلك، حبيبتي.”

 ومع أنه لاحقا يقول لها: “أنت مثل ورقة شجرة يطير بها الهواء من مزراب إلى آخر،” فهو منجذب لها، مغري كحال الرجال المتعلقين بما هو خاطئ وخطير أحياناً.

 فيلم النوار معروف بحوار رجال العصابات، لكن سيناريو (من الماضي) يُعرض لنا كمجموعة من الجمل الذكية السريعة. يستند على رواية صدرت في العام 1946 بعنوان Build My Gallows High للكاتب جيفري هومز، وهو اسم أدبي لدانيال مينويرنغ المدرج على اللائحة السوداء، والذي كتبه سيناريو الفيلم أيضاً، ويُقال أن جيمس إم. كين قام بإضافات أخرى للحوار.

 غير أن الناقد جيف شواغر قرأ كل النسخ من السيناريو لمقالة نشرها العام 1990 في مجلة File Comment، ويكتب لي: “السيناريو الذي خطه مينويرنغ لم يكن جيداً، بل ضم في إحدى المسودات تعليقاً فظيعاً من الفتى الأخرس. وسيناريو كين كان مختلفاً كلياً وأسوء منه؛ فاستغني عنه تماماً. الحوار الرائع كان في الحقيقة بقلم فرانك فينتون، كاتب أفلام من الدرجة الثانية اشتهر أكثر شيء في فيلم Wings of Eagles للمخرج جون فورد.

 استمع إلى الاحتقار الذي يسكت به ستيرلينغ قاتله المأجور ستيفانوز: “أشعل سيجارة يا جو.” و”فكر في رقم يا جو.” واسمع لجو وهو يقول لجيف كيف وجد محطة البنزين التي يعمل فيها: “إنه عالم صغير.” جيف: “صحيح، أو أن لافتة المحطة كبيرة.” وقول كاثي: “إني أكرهه، أنا آسفة لأنه لم يمت.” جيف: “أمهليه بعض الوقت حتى يموت.” وجيف إلى كاثي: “هلا خرجتِ؟ علي أن أنام في هذه الغرفة.” وكاثي إلى جيف: “أنت لست طيباً، وأنا كذلك، ولهذا نحن مناسبان لبعضنا.” وأشهر حوار في الفيلم، تقول له كاثي: “لا أريد أن أموت.” جيف: “ولا أنا يا حبيبتي، لكن إن كنت سأموت، فسأكون آخر شخص يموت”.

 المشهد الختامي للفيلم بين فتاة البلدة آن وجيمي موظف جيف في المحطة، يعكس ظلمة الفيلم بغموضه الهادئ، لن أذكر التفاصيل، لكن حين يجيب جيمي على سؤال آن، هل يخبرها بما يصدقه هو، أو بما يظن أنها تصدقه، أو ما يظنه في مصلحتها كي تصدقه؟ 

IMDb | RT

أفاتار غير معروف

رأيان حول “Out of the Past – 1947

  1. ألف ألف شُكر أخي ألعزيز مهند الجندي على هذه ألمُــراجعة القوية
    فيــلم اتطوق بالفعل لــمُشاهدتهِ وبلا شك هو من أفضل أفلام النوّار
    على امل أن اجد لهُ ترجمة عربية…
    شكرا مره اخرى وبإنتظار مراجعات نوّارية أُخرى…
    تحياتي لك

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading