Touch of Evil – 1958

“This is Where you gonna die.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

–  هيا، اقرئي لي مستقبلي.

– ليس لك مستقبل.

– ماذا تعنين؟

– مستقبلك انتهى.

هذا ما قرأته العرافة (مارلين ديتريتش) لمأمور البلدة الحدودية المخمور (أورسين ويلز) في فيلم (لمسة الشر).

إن لكلماتها معنىً ووقعٌ حزين، لأن ويلز لم يتمكن أبداً من إخراج أي فيلم في هوليوود بعد تقدميه لقصة الجريمة والفساد هذه بكآبتها وأجوائها الخاصة.

اُختير (لمسة الشيطان) في عام 1958 كأفضل فيلم في مهرجان بروكسيل السينمائي (جودارد وتوفو كانا عضوين في لجنة التحكيم)، غير أنه عُرض وتم الترويج له في أمريكا كأحد الأفلام التجارية ولم يعرف النجاح، فذهب مع الريح طموح ويلز في العمل داخل نظام الأستوديو مجدداً. العزاء هو شعبية الفيلم لدى محبي المتاهات البصرية والدرامية “لقد شاهدت الفيلم أربع أو خمس مرات قبل أن أضع عيني على القصة” صارح المخرج بيتر بوغدانوفيتتش صديقه أورسين ذات مرة. “هذا الكلام لا يمدح القصة كثيراً” دمدم ويلز ساخراً، لكن بوغدانوفيتتش أجابه “لا، لا—أقصد أني كنت هائماً في الإخراج”.

قد تكون هذه أفضل طريقة تفكير لأي شخص يدنو لمشاهدة الفيلم للمرة الأولى: أن يضع الحبكة المعقدة جانباً ويتمتع فقط بما يراه على الشاشة. يفتتح الفيلم بواحدة من أشهر اللقطات على الإطلاق، حيث نتتبع سيارة في صندوقها قنبلة لثلاثة دقائق وعشرين ثانية، وهو مشهد مفعم بحركات نابغة أخرى من الكاميرا، من بينها تحقيق متواصل في غرفة ضيقة، وآخر يبدأ في الطريق ويسير مع الشخصيات عند دخولهم لردهة ما حتى وصولهم إلى المصعد. يصف الناقد البريطاني دايمان كانون هذا المشهد بأنه “رقصة مكانية” ويفسر فكرته بالقول “إن كل زاوية وحركة في الفيلم تعول على الأخرى للخروج بنتيجة منطقية”.

لم تكن غاية ويلز ومصوره السينمائي راسيل ميتي من هذا كله التباهي ببراعتهما الفنية، بل ولأن نصيب وقدر كل الشخصيات الرئيسة متشابك فيما بينهم من البداية حتى النهاية، فالتصوير يؤكد هذه النقطة بحبسهم في نفس اللقطة أو توضيح العلاقة التي تجمعهم بمشاهد صغيرة متناسقة. كما أن أحداث الفيلم لا تسير وفق خط مستقيم بقدر ما هي على شكل حلقة دائرية مترابطة.

تم تغيير بعض من هذه الحلقات الدائرية عندما استولت استوديوهات يونيفيرسال على الفيلم من ويلز، حيث أعادت تحريره وأضافت عليه لقطات قريبة وحذفت منه بعض المشاهد، ولهذا بقي الفيلم ولسنوات طويلة بنسخة محيرة طولها 95 دقيقة، ومن ثم صدرت نسخة طولها 108 دقائق تعكس مرة أخرى وجهة نظر الأستوديو وتدخلاته في الفيلم. مؤخراً، صدرت نسخة تعكس رغبات ويلز الأصلية (والتي شرحها للأستوديو في مذكرة بـ58 صفحة) وهي نسخة أطول بثلاثة دقائق وتحتوي على 50 تغييراً منها البسيط وغيرها الكبير. أنتج هذه النسخة ريك شمدلين وحررها وولتر مارش الحائز على جائزة الأوسكار، وقد استلهمت هذه النسخة فكرتها من مقال مهم نُشر عام 1992 في مجلة Film Quarterly بقلم الناقد جوناثان روزينبام من شيكاغو.

تجري أحداث الفيلم في لوس روبليس، وهي بلدة دنسه تقع بين الحدود المكسيكية والأمريكية “البلدات الحدودية تكشف النقاب عن أسوء ما في الدولة”. إنها بيئة رثة بالحانات ونوادي التعري وبيوت الماخور والموسيقى التي ترشقها هذه الأماكن كالخمور على ناصية الطريق. نرى في المشهد الافتتاحي كيف تُزرع القنبلة داخل السيارة، ومن ثم تصعد الكاميرا وتلاحقها وهي تمر أمام سلسلة من واجهات المحلات الوضيعة، قبل أن تخفف سرعتها وتُحمّل زوجين يتمشيان، وهما مايك فارغاس وسوزان (تشارلون هيستون وجانيت لي) العريسان الجديدان؛ سوزان أمريكية ومايك شرطي مكسيكي في قسم مكافحة المخدرات.

يجتمعان في النهاية مع السيارة المفخخة بإحدى نقاط التفتيش وقد أطال وصول السيارة أزمة السير وقطيع من الماعز. وأثناء إكمال مايك وسوزان إجراءات التفتيش نسمع صوت انفجار لا يظهر على الشاشة، ويُختتم المشهد بالانتقال لرؤية دخان السيارة وهو يتطاير في الهواء (لطالما شعرت أن هذا الانتقال كان سابقاً لأوانه؛ كان من الأفضل أن نسمع الانفجار ونبقى مع مايك وسوزان وثم نهرع نحو السيارة المحترقة وبعدها ننتقل لدخان السيارة).

ينتظر الجميع وصول المأمور هانك كوينلان (أورسين ويلز) بجثته المهيبة وبنيته الهرمة المتعرقة، والذي بالكاد تستطيع الشاشة أن تستوعب حضوره (ويلز لم يكن بهذه الضخامة عندما صور الفيلم، فاستعان ببعض الحشوات وزوايا الكاميرا لتضخيم هامته). يتولى هانك زمام الأمور ويدله “حدسه” على أن الديناميت هو السبب وراء الانفجار. يتابع فارغاس ما يحدث ويجد نفسه مهتماً في مجريات التحقيق، ولأنه لاحظ استياء هانك من تدخلاته؛ يتحول الفيلم عندها إلى صراع شخصي بين الرجلين، فيحاول المأمور إدانة فارغاس وزوجته بتهمتي القتل والمخدرات.

قد لا يشعر من شاهد النسخة الأولى بأنه هنا أمام نسخة جديدة مختلفة من الفيلم، لكنه ربما سيتمكن من فهم الحبكة بشكل أسهل. وتكمن أهم التغييرات التي طرأت على الفيلم في الدقائق الافتتاحية، فهناك تداخل بين مشهدي هيستون ولي (كان الأستوديو قد وضع مشهد مجازفة الزوجة في الحديث مع رجل العصابة المحلي بعد مشهد حديث زوجها مع كوينلان). تغيير كبير آخر يمكن في حذف أسماء الطاقم الفني من اللقطة الأولى للفيلم (تم نقلها إلى النهاية)، ونسمع كذلك الموسيقى من السيارات والنوادي بدلاً من المعزوفة الرئيسة التي ألفها هنري مانشني (رأى ويلز أن الموسيقى والمؤثرات الصوتية الحقيقية من مكان القصة ستدخل المشاهدين في أجواء الفيلم بشكل أنسب).

ينير ويلز الشاشة باختيارات فطنة من الممثلين للعب الأدوار الثانوية، من بينها مينزيس (جوزيف كاليا) صديق كوينلان الحميم والوفي، وغراندي (أكيم تاميروف) زعيم عصابة محلية خبيث، والعرافة (ديتريتش)، وزعيم العصابة المسترجل (ميرسيديس ماكبريدج)، ومدعي عام لا حول له ولا قوة (راي كولينز من فيلم “المواطن كين”)، وموظف استقبال ليلي مهووس بالجنس (دينيس ويفر) بأداء يمتاز بحماس غريب يبدو أنه ألهم الممثل أنثوني بيركينز ببعض الأفكار للعب شخصيته المشابهة في فيلم (نفوس معقدة) بعد سنتين من إنتاج هذا الفيلم.

تسير هذه الشخصيات عبر الحدود جيئةً وذهاباً وتتقاطع مع بعضها في مجموعة من الأصقاع الممقتة والوضيعة. وبالرغم من أن سير الحبكة لا يبدو صعباً لنتتبعه، إلا أن النقطة الرئيسة فيه هي الطريقة التي يناور بها كوينلان التحقيق كي يصل لمنفعته الشخصية. فهانك يمقت المكسيكيين بشكل كبير ويأنف من فارغاس لانتهاكه مكان عمله ويدعم “حدسه” هذا بتلفيقه للأدلة. وعندما يواجهه فارغاس بهذه التهم، يقسم كوينلان على تدميره.

وبينما يناور كل من فارغاس وكوينلان بعضهما للحصول على مكان في التحقيق، تتعرض سوزان للخطر في مشاهد مريبة تناقض ما سبق من أحداث درامية. حيث يتخذ فارغاس قراراً مخطئاً بإدخال زوجته في فندق يديره غراندي زعيم العصابة المحلي ومجموعة من قطاع الطرق الشبان “دون علمه بذلك”؛ فتزرع هذه العصابة الخوف في قلبها. لكن ما يُعيب طرق التهديد التي تستخدمها العصابة القليل من السخافة أحياناً، خاصةً في المشهد الذي يسلطون فيه مصباح يد على غرفتها. نفهم لاحقاً من مشهد آخر أن العصابة قامت باغتصاب سوزان جماعياً، إلا أن الفيلم يتجاهل أو يتناسى – بطريقة غريبة – تداعيات وتهالك هذا الفعل على سوزان.

لطالما كان مينزيس مساعداً مخلصاً لكوينلان لأن المأمور كان قد تلقى عنه رصاصة قاتلة وأنقذ حياته ذات مرة. يصور الفيلم في النهاية اكتشاف مينزيس التدريجي لحقيقة هانك، حيث يُثبت فارغاس أن كوينلان وضع ولفق دليلاً وأدان أشخاصاً أبرياء. لماذا يقلل كوينلان من مقامه بهذه الطريقة؟ كانت زوجته قد قُتلت قبل 35 سنة وهرب قاتلها؛ الآن بات يتفاخر بالقول “كان هذا آخرَ قاتلٍ يلوذ من بين يداي”.

يوافق مينزيس المساعد المخدوع كذلك على حمل مايكروفون تحت سترته ليستدرج كوينلان على الاعتراف بأفعاله. يلاحقهما فارغاس كظلهما وبيده جهاز الإرسال وآلة التسجيل. يعتري هذا المشهد تأثيراً بصرياً واضحاً، حيث نرى المأمور ومساعده وهما يتجادلان على جسر يعلو قناة لرمي النفايات، إلا أنه أيضاً يفتقر للمنطق؛ لأن فارغاس يضطر للغوص في الماء وتسلق جبال من الحطام كي يتمكن من تسجيل حديث الرجلين على جهاز الإرسال، بيد أنه كان يستطيع ببساطة أن يخفي آلة التسجيل مع ميزنيس، بالإضافة إلى أنه ترك صوت جهاز الإرسال مرتفعاً دون سبب واضح، فيتمكن كوينلان من سماع صدى صوته. ينجح هذا المشهد كلقطة استعراضية لبراعة المخرج على الرغم أنه يفشل كخطة إستراتيجية من فارغاس.

يسهل على المرء أن يكتشف المواضيع الرئيسة في فيلم (لمسة الشر)، حيث أن صليل التصادم بين الثقافتين الأمريكية والمكسيكية يحظى على وجهتين تهكميتين: فارغاس يعكس الصورة النمطية للأجنبي ذو الأصول اللاتينية وكوينلان يجسد النظرة المبتذلة تجاه رجال القانون المكسيكيين. لكن من المرجح أن يكون هناك موضوع آخر مدفون تحت باطن الفيلم.

إن الكثير من أعمال ويلز كانت بمثابة تصوير لحياته وسيرته الذاتية، والشخصيات التي لعبها في مسيرته مثل (كين وماكبيث وعطيل) كانت أدوار لرجال غير عاديين دُمروا لاكتوائهم بالغطرسة وحب الذات. تمعن الآن في شخصية كوينلان، إنه رجل يداوي جراحه القديمة ويحاول أن يحيك السيناريو لخططه كما يفعل المخرج في الأفلام وهو يوزع الحوار والأدوار على الممثلين. تشعر وأنت تشاهد الفيلم بأن كوينلان نفسه يرغب بأن يحظى على نسخته الخاصة من حبكة الفيلم، لكنه يُحرم منها؛ وكأنه يهرب من السنوات التي قضاها مسرفاً بالشهوات ممزقاً حياته إلى أشلاء، حتى ألقاه غروره إلى التهلكة.

هل هناك علاقة بين دور ويلز في الفيلم والشخصية التي تحول إليها ويلز لاحقاً؟ قصة مسيرة ويلز الفنية بعد هذا الفيلم هي عبارة عن مشاريع غير مكتملة وأفلام عُدلت بعد أن هجرها. إن الشخصيات التي لعبها تعكس ما يشعر به – لدرجة ما – تجاه نفسه ومشاريعه، ومن المحتمل أن ينطوي (لمسة الشر) على حياة أورسين ويلز بقدر ما هو عن شخصية هانك كوينلان. لقد فتن أورسين ويلز الأفلام بأسلوبه العبقري الخاص؛ معتنقاً الغلواء في حياته وفي أعماله وكأنها جزاء (وجائزة) استقلاليته.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading