The 400 Blows – 1959
“التمثيل ليس ترجمةً لما هو مكتوب في السيناريو، بل يوفّر للممثل المادة التي ينطلق منها ليؤسس علاقته بالشخصية وليخلق لها حياة كاملة. فالسيناريو يخلق في ذهنه، في مخيلته، كل التفاصيل المفقودة، المتصلة بحياة الشخصية: تاريخها، ماضيها، خلفيتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ما تلبسه، ما يمكن أن تفعله في ظروف أو حالات معينة وفق علاقتها بمحيطها أو بعائلتها.”
– فرانسوا تروفو
“Sometimes I’d tell them the truth and they still wouldn’t believe me, so I prefer to lie.”
بقلم مهند الجندي.
– سجين: “ما تهمتك؟”
– أنتوان: “هربت من المنزل.”
السينما هي المشكلة… وهي الحل أيضاً.
تتخبط أنفاسه، يجري ويجري بلا كلل وصولاً لانشقاق شاطئ البحر وأمواجه ترحب وتحضن به. ثمة أنين مضاعف في قلب المشاهد البيضاء والسوداء التي يلتقطها المصور هنري دياكي في فيلم (المغامر الصغير) للمخرج فرانسوا تروفو وهي تتبع صبي باريسي تنساب منه روحه لطيش طفولي معهود نحو قاع اجتماعي عميق من فقدان البراءة. يُعامل تروفو بطل حكايته وينقله لنا كما فعلت معه السينما والحياة يوماً من الأيام؛ يعيش أنتوان دوانيل صباه كغامرة تقليدية يكتشف بها ذاته عبر المشاغبة المدرسية والبلاهة الاستهتارية بين الشرب والدخان واللهو لوالدين مهملين من أم خائنة وأب أرعن؛ وبينما يحوم برج إيفيل فوق المكان، يتردد أنتوان إلى السينما كمأوى يغلف ويلهم مخيلته صوب عالم يحرره من أي قيود، والنتيجة هي واحدة من الأكثر الأفلام والشخصيات الفرنسية شهرة ومحبة على الإطلاق.
لقد جلب تروفو معه أفكاره الشخصية إلى سينما الموجة الفرنسية الجديدة قادماً من العمل كأحد النقاد الواعدين المغيرين في الحركة والخطاب السينمائي التحليلي للأفلام، مشدداً بأسلوبه على خلافة الروح الإنسانية التعبيرية الصادقة التي بدئها المخرج جو غينواغ من قبله. ويعمد تروفو هنا، كما يفعل في بقية أفلام شخصية أنتوان دوانيل مثل (حب في العشرين) و(قبلات مسروقة) و(سرير ومائدة)، على التقاط الفترات العمرية لحياة المرء والعوامل المشكلة لها بالمصداقية والتجربة ذاتية التعبير التي تشترك بجوهرها مع منهج الواقعية الإيطالية الجديدة، مخاطباً بذلك عمق عقل المشاهد عبر عمق الصورة السينمائية دون استجداء سطحية المشاعر البشرية أو الاكتفاء بتحركيها في صدر الجمهور وحسب.
ويؤكد العمل ككل أيضاً – الذي يعرض قصة أنتوان دوانيل (جان بيير ليو) وألاعيبه المدرسية مع أساتذته وفشله التعليمي جراء تفكك أسري بنفس الفشل التعليمي كذلك وعلاقة شحيحة العاطفة والحميمة بينه وبين والديه – بتقنياته ومساعيه التصويرية على إصرار تروفو بإزالة ذلك الخط الفاصل بين الحياة والسينما والرغبة القوية بالتحام العلاقة بينهما لتحقيق وصف سردي مجرد من الزيف الشكلي للعديد من الأفلام غير المتصلة بالمشاعر الحقيقية لنا جميعاً. اليوم يبدو بأن تأثير الفيلم قد خفت وطأته بعض الشيء ومعالجة تروفو كصورة درامية لا تتثبت بأسنانها بسياج ثقته الإخراجية التي سيكشف عن نقابها لاحقاً في أعمال عرج بها خصوصاً إلى الحديث عن السينما نفسها عن سواها كرائعته المبهرة (النهار مكان الليل)، علما أنه كان قد أخرج (المغامر الصغير) في سن الـ27 من عمره فقط.
وبالرغم من الإشارات التي يلقيها الفيلم نحو سوء فهم التعامل ما بين المعلمين والطلبة ونظام إصلاح القاصرين الفرنسي آنذاك، يولي المخرج اهتماماً وحرصاً شديدين بأن لا يسمح ليد لوم معينة أن تطول واحدة من جهات العمل وشخصياته لوحدها، البحث هنا ليس عن طرفي الخير والشر وضحيتهما بقدر ما هو استعراض لحيوية هذا الصبي وانتمائه لبيئة تائهة المناخ لا تصلح لإصلاحه أساساً. الجرم الأكبر الذي ارتكبه أنتوان بسرقته للآلة الكاتبة مع صديقة الأوفى والأعز له في هذا الكون (من أقوى مشاهد الفيلم هو حين يُمنع صديقه من زيارته في الإصلاحية دون اكتراث فعلي من أنتوان لحضور والدته بدلاً منه) لا يُغزى فقط لحاجته للمال الذي لا يمتلكه والده، بل هو ارتداد عكسي طبيعي لشهده خيانة والدته وعجز والده وقلة إيمانهما بمقدراته الذهنية وإحباطه المدرسي المعتاد؛ ونظراً لافتقاد أنتوان لبوصلة ذاتية يحتذي بها، يلجأ مسرعاً إلى السينما لتكون مرشده والعالم العجيب الحر الذي ينتمي إليه بعيداً عن بيته الذي يوظفه كخادم ينام بين أوساخه.
ولأن تروفو مهتم للغاية بتناول طفولته الخالصة عبر هذا الفيلم بطريقة أو بأخرى وربطها بعين ومخيلة الجمهور وفكره، فهو يصور شخصية أنتوان باعتيادية السذاجة والعفوية المفهومة لدينا جميعاً لكن كدراسة لروح الطفل في نفس كل مشاهد؛ كمغترب صغير بين برج مدينته وجهل والديه وقمامة منزله. وتلك اللحظة التي يُنقل بها إلى الإصلاحية في عربة الشرطة، وتنزل بها دمعته لأول مرة مستفسرةً على الجرم الرهيب الذي يستحق تلك العقوبة، ما هو إلا تجسيد مؤلم حيال شعور بالمرارة لا يقف عند سبب تخلي ذويه عنه وتعبير تروفو السينمائي الخاص عن أنانيتهما المجحفة، إنما رمزية بصرية آسرة شكلاً ومضموناً حول تقييد لُب صبي لا يزال في مرحلة تكوين وتشكيل هذا اللب الهش الهارب من صدفته المحطمة.
وحين يجلس أنتوان في النهاية للحديث مع طبيبة نفسيه حول سبب مشاكله ووجوده في هذا المكان – بعد تعرفه على أكثر الأطفال انتماءاً لهذا المكان المناقضين لحاله – وإقراره بسرقة المال من جدته وكذبه على والديه، نلحظ الطريقة التي يقدم بها تروفو المشهد ولغة جسد أنتوان (خاصة حركة ذراعيه الهائمة كروحه) التي تحكي صُلب ما يعتريه من صدق وبراءة وافتقار كامل لهوية تحدد كيانه في عالم ومجتمع يُعانيان من ذات المعضلة؛ بينما يحلق برج ايفل عالياً بشموخ جامد في الهواء، يترنح هذا الباريسي الصغير بمأساته على الأرض شاكياً أمره للكاميرا، في فيلم يساند ويزاوج مغامرة الحياة بتجاربها كما هي في سينما الموجة الفرنسة الجديدة: كلاهما يسيران كمغامرة واحدة تبدأ بعرض مشاكلنا وحلها حتى انتهاء مدة العرض، وهلم جرة، هكذا هي طفولة فرانسوا تروفو وسينماه المؤثرة المغيرة بطبيعة الحال: السينما ولا شيء سواها.
ملاحظة: عنوان الفيلم لا يعني “أربعمائة ضربة – هفوة” حتماً!


