Annie Hall – 1977
قلم الأستاذ فراس محمد هو القلم الذي يحتاجه المشاهد حالياً. ما هو منبع هذا الحبر الفريد؟ الجواب في قلب النص وليس أطرافه. شكراً على تفضله بقبول المشاركة في هذه المدونة.
– مهند الجندي.
“A relationship, I think, is like a shark. You know? It has to constantly move forward or it dies. And I think what we got on our hands is a dead shark.”
بقلم قراس محمد.
هكذا هي العلاقات العاطفية، غير منطقية، سخيفة، ومجنونة، ومع ذلك نستمر فيها…
“وربما هذا هو الجزء الأكثر غرابة في العلاقات العاطفية”
وودي ألن مخرج متميز، ككاتب سيناريو، “ما هي الكلمة المناسبة التي تصف وودي ألن ككاتب سيناريو؟” رشيق، يتناوب على الأفكار برشاقة بالغة، يربط ببساطة الشرق بالغرب، ورغم أن العلاقة قد لا تكون منطقية في اغلب الأحيان، لكن بسهولة نجد أنفسنا راضين عن هذا الربط بل ومقتنعين به.
هناك نموذج تقليدي لكل مخرج، ولكل ممثل، وعلى عاشق السينما المبتدأ، أن يُحسن اختيار الفلم الأول لأي شخصية سينمائية هامة كي يستطيع تحديد أسلوب هذا الكاريكاتير السينمائي، ويستطيع من خلال هذا الاختيار الإحاطة واستيعاب أعماله الأخرى، كنوع من المرجعية الفنية إن صح التعبير، وفلم Annie Hall، يُعتبر مرجعية فنية فلسفية سينمائية فكرية لوودي ألن، وسيستحكم ذلك الجانب لزاما بصيغة أفلامه جميعا والتي ستُصبغ بذات النكهة، نكهة Annie Hall الفلسفية.
أو هذا ما سيشعر به المشاهد أو من انتقى فلمه المذكور آنفا كافتتاحيته مع وودي آلن، Annie Hall فلم خالي من الثغرات، ليس لأن المشاهد لم يلحظها، بل لأن وودي ألن لم يسمح له بتتبعها بشكل علني، يقذفه من فكرة إلى أخرى، وبسلاسة غير معهودة، ولمشاهد فضول قد يكون نمط إخراجي قصصي جديد شاهده في Annie Hall.
الشيء الذي أستطيع تأكيده، أنه لن تشعر بالساعة والنصف التي شاهد بها الفلم، وللملاحظة، ان كنتَ تشاهد الفلم بوجود ترجمة، فستجد نفسك غافلا عن ملاحظة ملامح ووجوه الشخصيات، قد تشعر ان الأمر يتطلب منك القليل من التركيز، ولكن على العكس، ستشعر انه لا يهتم كثيرا برسم المشاعر والأحداث على تعابير ووجوه الشخصيات بقدر أهمية النقاش الدائر وأفكاره والغرض منه، عليك ان تتبعه، ككرة تنس تـُـقذف بين لاعبين، ليس من المهم ان تـُشاهد جسد اللاعب وتميز تحركاته بقدر أهمية معرفة اتجاه الكرة، وبذلك يـُعتبر أسلوب فريد من نوعه، الشيء الذي قد يجعل من Annie Hall، فلماً إذاعياً، تشاهده دون صورة، هذا هو رأي آخر، يجزم المشاهد بصوابيته، بحكم التجربة الجديدة.
وودي ألن ,, كاريكتر كوميدي بسيط، نحيل، قصير، حاجباه مرتفعان، صاحب نظارة سميكة، وعينان جاحظتان، وهابطتان، يلقي النكتة وهو الوحيد الذي لا يتأثر بها، وهي عادة الكوميديان، ألا يضحك على نِكته، وألا ستعطي شعورا انها سخيفة وتعطي انطباعا خاطئا لدى مـُلقي النكتة.
وودي ألن منذ بداية الفلم، وجّـه المشاهد نحو لب الموضوع، عبر الحوار المباشر بينه وبين مشاهده …
أولا، مفهومه عن الحياة، وأنها مليئة بالبؤس والشقاء والعزلة، ولكنها ومع ذلك تبقى حياة قصيرة، ثانيا، مفهومه عن العلاقات العاطفية، وانه لا يريد الانتماء الى أي من النوادي التي تقبل به عضوا.
ومن خلال سير أحداث الفلم الغير مترابطة والعشوائية نوعا ما، سنجد ان هاتين الجملتان في الأعلى هما محور الفلم، ونتائج فلسفته الشخصية عن الحياة والعلاقات العاطفية، وستظهر بجلاء، قد تتوقعها كمشاهد، بسهولة، ولكن لن تتوقع المتعة التي ظهرت بها تلك النتائج.
هناك شخصيات لن تستوعب سبب وجودها، لم يعطيها المخرج أي أرضية او بناء درامي او مبررا لتواجدها، عليك كمشاهد ان تتقبلها كما هي، رغم انك لا تملك وقتا للاستفسار عنها وعن سبب وجودها لتخاطف الأحداث وتوالدها السريع، ولكنها في اغلب الأحيان تُستخدم كعامل مساعد في ايصال أفكار وودي ألن للمشاهد، وهنا تكمن أيضا المتعة في مشاهدة هذا الفلم بالذات وبأسلوبية وودي ألن المستحدثة.
طريقة الحوار مع المشاهد ,, قد تستهجنها في البداية، ولكن ستشعر مع مرور دقائق الفلم، انها أشبه بتفسيرات منطقية، من الصعب ان تـُـقدمها احدى الشخصيات الرئيسية، سواء عن طريق حوار كلاسيكي بين شخصيتين او على طريقة المونولوج كخلفية لإحدى المشاهد، لانها ستكون ساذجة نوعا ما، بينما في حال التحاور مع الكاميرا او مع المشاهد، ستقدم تفسيرا افضل، بقالب كوميدي محبب، وبحكم بساطة الفلم وقربه من المشاهد، ستكون تلك الحوارات المباشرة بمثابة اقحام المشاهد في سير الأحداث ودمجه معها بشكل قصري، لن يشعر معها المشاهد بأي استياء رغم احساسه بغرابتها.
وودي ألن ممثل قدير، كثير الكلام، وقد يكون اكثر من تكلم وثرثر في الفلم بنسبة 80% من زمنه، أي انه من اصل الساعة والنصف للفلم، ساعة وربع كان فيها وودي ألن ” ألفين “، يتحدث ويثرثر ويقدم تبريريات وتفسيرات لكل ما قد يخطر بباله، سواءا بروابط مباشرة مع احداث الفلم، او خارج هذا الاطار كليا، وفي كلتا الحالتين ستكون هذه الافكار خلفية بطريقة او بأخرى لحدث من احداث قصته وتفاصيلها، ليتحول الفلم في بعض لحظاته الى مجرد مونولوج كبير، يجيره وودي ألن، بصور كلاسيكية، مع مختلف شخصيات الفلم، التي تتحول لادوات ثانوية، مهمتها ان تتلقف افكار ألن، وتوازي افكاره وتطرحها من زوايا اخرى.
دايان كيتن، “هل تتصوروا ان دايان كيتن هذه هي نفسها التي وظفها كوبولا في العراب؟” اختلاف شاسع وتناقض حاد بين الشخصيتان، ستـُحب هذه الممثلة ,, لبساطتها وعفويتها ,, بسحرها وقوة تأثيرها على المشاهد وبكاريزما قوية قد لا تستوعبها الشاشة، ومن المُلاحظ ان لوودي ألن ذوق خاص في اختيار نساء أفلامه، مثل ميا فارو والان سكارليت جوهانسون، وربما بينيلوبي كروز.
نساء الفلم اغلبهن متشابهات الشكل، يطغى عليهن الطابع الكلاسيكي لفتيات السبعينيات، أي بالمجمل قبيحات عمليات، ولكنهن رومانسيات عاطفيات، ولكن دايان كيتن كانت اجملهن، رغم انها لم تخرج من اطار تلك الصفات، للمرأة الاميريكية في سبعينيات القرن الماضي، والتي تعمل وتملأ فراغها في البحث عن شريك في الحب، في النوادي الرياضية وسهرات الغناء الليلية، تطلق لخيالها العنان، وتـُفلت مكابح جنونها في سبيل ان تحظى بالشخص الذي يشعرها بأنوثتها، اكثر حتى من احساسها برجولته، ومن هذا الباب كانت علاقة “وودي الن مع دايان كيتن” في الفلم، على غرابتها، علاقة موضوعية للغاية، وناتجة بشكل رهيب عن المبررات المـُقدمة أنفا، لرجل يعيش عالمه الخاص، لا يبحث عن الحب بقدر بحثه عن اثارة “يوم جديد”، مع امرأة تفتقد الاحساس بانوثتها في عالم مادي بحت تساوت فيه حقوق المرأة مع واجباتها، وبالطرف الاخر، مع الرجل، لدرجة استحال التفريق عمليا ما بينهما، ليس نظريا، بل من ناحية القدرة على الانتاج، والبحث عن استقلالية ذاتية، مما جعلها كامرأة، قد لا تشعر بأنوثتها، سوى عضويا، جنسيا، وهذا سبب اخر يجعل تلك العلاقة “الغير مفهومة من حيث الشكل، ممكنة جدا مضمونا وفكريا”.
وعلى الرغم من تلك الظروف التي احاطت بتلك العلاقة، وبتوصيفها السابق، وبكامل اجواءها ومسبباتها، يعود بنا وودي ألن الى افتتاحيته ويضعها كعنوان عريض لكل مشهد من مشاهد فلمه، بتقديمه لتلك العلاقة المتنافرة شكلا، من ناحية اجتماعية، ألا انها متطابقة فكريا وبشكل غريب جدا، فآني وألفين يفكران بالطريقة نفسها ويسيران على المبدأ نفسه، “افتتاحية وودي ألن” فكلاهما لا يرغب في الدخول لاي من النوادي التي تقبل بهما عضوا، ألفين يبحث عن فتاة لا ترغب به ولكنه يريدها بشدة كنوع من انواع التحدي الذاتي، وآني لا ترغب في أن تعطيه عاطفيا ما يرغب فيه على الرغم من انه يُشعرها بأنوثتها حتى مع فقدان شعورها برجولته، كلاهما نظريا، يـُظهر ما لا يريد وعمليا كلاهما يـُريد ما لا يُظهر، والنتيجة في النهاية، انها حياة مليئة بالبؤس والكأبة، ومع ذلك هي قصيرة.
كذلك المطعم الذي يقدم طعاما سيء المذاق، ولكن بكميات قليلة، وهنا يضعنا وودي ألن على ابواب مفارقة من النوع الغريب، يدعو من خلالها لتلقائية اكثر في العلاقات الاجتماعية لنشعر بقليل من التأقلم حتى في النوادي التي تقبل بنا عضوا رغم انها ليست على مقاس الطموحات او المتطلبات، كي نشعر بتلك الحياة القصيرة على اقل تقدير بقليل من الرضا أو ربما على العكس تماما، تلك هي الليونة الغريبة التي قدمها وودي الن ككاتب سيناريو وكمخرج في Annie Hall.
ولهذا السبب، نجد انها فعلا “اي العلاقات العاطفية” بدأت تخضع لقوانين جبرية، بسيطة، ولكنها غير منطقية 1+1= 25

