The Adventure – 1960

“جميع الشخوص في أفلامي يجابهون مشاكلهم ويبحثون عن خلاصهم ويحاولون أن يجدوا وسيلة تحررهم منها، لكنهم يخفقون بإزاحة الضمير عن أكتافهم والشعور بالذنب حولها.”

– ميكلانجلو أنتونيني.

“…mine…mine…mine…”

بقلم مهند الجندي.

الحب ليس امتلاكاً.

لم تعرف السينما منذ صدور (المواطن كين) لأورسين ويلز و(الساموراي السبعة) لأكيرا كروساوا – ولاحقاً أفلاماً مثل (القناع) لإنغمار برغمن و(المرشد) لأندريه تراكوفسكي و(سائق التاكسي) و(الثور الهائج) لمارتن سكورسيزي – فيلماً بأهمية رمزية مماثلة لمحتوى (المغامرة)، وربما لن تعرف بوزنه نظيراً على الإطلاق.

تُمثِل فيلم (المغامرة) للمخرج الإيطالي ميكلانجلو أنتونيني شخصياتٍ سعيدة بتعاستها وتعيسة بسعادتها، يبحثون ظاهرياً عن امرأة فُقدت بغموض، بينما هم حقيقةً يبحثون عن أنفسهم، بذات الغموض، وبدون جدوى، لأن الباحث هنا هو شخص ضال يحتاج لمن يبحث عنه أساساً. يلجأ أنتونيني إلى وضع شخوص العمل وسط صورٍ تبرز اضمحلال حجمها مقارنة بالمكان، وهامشية حضورها على مسطرة هذا الزمان، لا بل أن معالم البيئة التي تعيش فيها من بحر وصخر وآثار وجدران تكاد ترأف على حالهم وتنصهر بذات الثبور والضجر والسهو، وحين تقترب كاميراته من وجوههم، النساء منهم على وجه الخصوص، فهي تعمل كتضاريس حائرة محايدة خاوية من أية أحاسيس، كأرواحهم بالضبط، التي حتى حين تلتقي لمؤازرة بعضها البعض في نهاية الفيلم، فهي تصطدم مجدداً بجدار بصري رمزي هائل، تماماً كذلك الجدار الذي يمنعنا من فهم واختراق ما يشعرون به حقاً، لأنهم لا يفهمون أنفسهم.

في فيلم يعالج الشهوة الجنسية القاحلة ضمن الطبقة البرجوازية الإيطالية التي تخلت عن أعرافها الاجتماعية وقيّم حضارتها، ويتطلب معايشة حسية تتخطى المشاهدة العينية – وهو الأول من ثلاثية فكرية يستقل كل عمل منها بذاته: (الليل) لعام 1961 و(الكسوف) لعام 1962 – ما يقوم به أنتونيني هنا فعلياً هو عبث مبتكر بالزمن وبالتقنيات السردية التقليدية وبنا كمشاهدين؛ رمية نرد يعرف تماماً الرقم الناتج عنها. بدءًا من عنونة فيلمه باسم “المغامرة” كمرادف لما نشاهده في القسم الأول من الفيلم ومضاد لكل شيء بعده، والطريقتين المتباعدتين المقارنتين اللتين يفتتح وبنهي بهما العمل: البداية مع حضور مباشر للمرأة التي ستفقد لاحقاً، والنهاية مع حضور روحين مفقودين توكلا بالبحث عنها مع تشديد أنتونيني كذلك على عدم اكتراثه لاكتشاف مآل اختفاء المرأة التي استهل بها هذه المغامرة. ونقر نحن بأننا قد نسينا أمرها – دون إذعان واضح حول ذلك – كما فعلت شخصيات الفيلم بطبيعة الحال، لانغماسها واستسلامها البرجوازي للفراغ واللاشيء، كمرآة عن قريرةٍ فقيرة مطابقة. لقد عرفنا عن غربة البلاد، وغربة الأوطان، بينما أنتونيني يشير إلى غربة النفس عن النفس، وتوقها إلى تعريف يعيد توجيهها ولو حتى باللمس أو الجنس.

وتعرض حبكة اللاحبكة هذه رحلة بحرية فوق المتوسط يقوم بها ثلاثة ثنائيات وامرأة، ونتتبع الثالوث الرئيسي منهم المكون من آنا (لي ماساري) وصديقها ساندرو (غابرييل فيرزيتي) وصديقتها كلاوديا (مونيكا فيتي). لا تشعر آنا بأية حرارة من علاقتها مع ساندرو رغم أنها لا تراه عادة إلا بين فترات متقطعة وأشهر عدة، وتشرح لصديقتها أن وجوده وعدمه سيان، كلاهما جسد يطارح أحدهما الآخر دون معنى محدد. آنا تبدو غير مهتمة حتى بالتحية والأسئلة المعهودة عن الكيف والحال، بل تبدأ نزع ملابسها فور لقائها له لأول مرة منذ أشهر، وكأنها حبة مخدر تزيل ذلك الشعور القاتم القائم عن صدرها ولو لحين بسيط. وحين ننتقل إلى متن القارب لبدء رحلتهم “الوداعية” كما تتفهم كلاوديا من كلام صديقتها الحبيبة، تفتعل آنا موقفاً درامياً عن وجود سمكة قرش تلاحقها أثناء سباحتها، وتدخل في جدال بعض ساندرو حول زواجهما المنتظر وأنه “لن يعني شيئاً في هذه الظروف” وأن اهتمام وحب ساندرو بها ليس كافياً لها، ورغم أن فكرة خسارتها له قد تعني موتها، إلا بنفس الوقت لم تشعر بشيء تجاهه.

يستخدم أنتونيني بعدها حبكة احتفاء آنا المفاجئ للتركيز على طبيعية العلاقات بين بقية الشخصيات وتشابكاتها المعقدة بالحياة والمجتمع وجدوى الوجود ورغبتها بامتلاك الحب والعشرة والرضا بأي سبيل ممكن. غير أن المخرج يحرص على وضع أبوابٍ من فولاذ وحراسٍ من حديد حول أفراد عمله لإيحاء مكابدة الفراغ والملل التي يمر بها هؤلاء الأشخاص البرجوازيين شكلاً والتائهين مضموناً، ليس كتحدي عتيد يقهر به طموح وصبر المشاهد، إنما اعتماد مقصود منه على بصيرة كاميراته للالتقاط فراغ الغرف والقصور والردهات والقلوب –  وقلة حيلة الروح فيها إجمالاً – ووحدة أبطاله بتسليمه الأمر لتعابير الجفاء التي تسود ملامح ممثليه، أو عدمية معاني الكثير من مشاهد القسم الثاني فيه (مثال سريع: السجال الذي جرت بين ساندرو والرسام الشاب وسبب إلقائه بالحبر على لوحته غير المكتملة). تشعر بمقدرة أنتونيني – وبرغبته تقريباً – أن يقبض بخناق الواحدة من شخصياته، وجميعهن من فاتنات الجمال والقوام والحسب والنسب، ويجتر بها أرضه دون توقف. بيد أنه يفضل مصيباً أن يُلقي بهم بلا كيان فوق الأسرّة وأمام المرايا وبين الممرات وتحت رحمة الطبيعة وجبروتها كعقاب لا حول لهم فيه ولا قوة.

ميكلانجلو أنتونيني هو فنان بالمعنى الفعلي للكلمة وليس السينمائي المتمرس أو حامل الهم الاجتماعي السياسي وحسب، وبمعنى أكثر توضيحاً: فإن كوانتن ترانتينو مثلاً بتقديري فنان أيضاً، بما يسعى نحو تنفيذه وينجزه كما لا يفعل أحد سواه في الوقت الراهن، لكن هنا تضع النقطة بقصر مجاله. بينما أنتونيني حاله من حال المخرج الفرنسي إغيك غوميغ “حسب لفظ بلده، ومن أفضل أفلامه هو (هاوي التجميع) عام 1967″؛ كناقد لسان همه عدسته يوجه آرائه ويحققها دون أن يُطلق أحكاماً على البؤرة التي أتى منها، بل يكتشف ويبحث وينفض الغبار ويولف لغةً بديعة من إطارات الكاميرا والشخصيات التي يعرفها حسن المعرفة كي توحي بالقضايا التي تؤرقه إن اخترنا معايشتها كما تفعل وفعلت أبطاله. إنها علامة فنية تخصه وتخص غوميغ رغم أن الأخير كان حوارات أفلامه حاضرة بوفرة كثيفة عن تلك التي قدمها أنتونيني، بينما يشتركان بلا ريب بتركيبة سردية غيرت حال السينما إلى الأبد لعلو غاياتها البصرية والتقنية وحريتها السردية كعلو الجبال والجدران الشاهقة الحاضنة لمجريات حكايته العسيرة هذه؛ فانتبه للأصوات الطبيعية الآسرة لشخصيات على الجزيرة، تشعر وكأن الرياح تنادي أسمائهم بمواساة.

باستثناء الأفلام التسجيلية القصيرة أو الطويلة التي قدمها، أخرج أنتونيني 18 فيلماً روائياً، أولها كان (قصة علاقة حب) العام 1950، الذي استخدم فيه تقنيته المفضلة بتوفير الحبكة “وهنا حول خطة قتل امرأة لزوجها” دون الاهتمام بالنتيجة، المهم هو الدوافع والعيون ووحشية الإنسان. بينما من أشهرها إضافة لهذا العمل هي (الكسوف) العام 1962 و(الصحراء الحمراء) العام 1964 “أول أعماله الملونة الذي يصف به مشاعر الضعف والهذيان والألم المزمنين” و(صورة فوتوغرافية مكبرة) العام 1966 “استخدام مبالغ منه للجنس والمخدرات في لندن المتآكلة بحب الأضواء” و(المسافر) العام 1975 مع جاك نيكلسون. ما يجدر التنويه به حيال أفلام المخرج، هي السمعة الطاغية حول مجموعة منها بأنها عن “لا شيء” ويستحيل تمضية وقت بين جوانبها الفارغة من الأحداث الدرامية والحوار الجاف، لكن ربما لو نظرت لها من زاوية مختلفة لاقتربت أكثر من مغزى هذه الأفلام التي أمضى أنتونيني عمره بتصويرها: فهو لم يصنع فيلماً يملئه الفراغ، إنما مجتمعه العلوي الطبقي وأفراده هما العنصران اللذان وفرا له تلك المادة، فقد أخذ على عاقته أمانة نقل أنقاض حضارته كما وجدها بعينه السينمائية الاستثنائية التي لا تزال حاضرةً حتى الآن، بعد 50 سنة من إنتاجه، وكأنها البارحة، على نقيض من حضارته المندثرة باعتقادها الخاطئ أن الحب شيء يمكن امتلاكه دون أن تكون أهلاً له كي تعطيه.

IMDB


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة