Once Upon Time in the West – 1968

“Keep your lovin’ brother happy.”

ترجمة مهند الجندي عن نيك سكاجر.

المخرج سيرجيو لوني صنع حفنة من الأفلام العظيمة، لكن ليس فيها فيلم أفضل من قصيدة عام 1968، التي يخاطب بها حدود الولايات المتحدة الأمريكية: (حدث ذات مرة في الغرب). فيلم عن أربعة أرواح متجهة نحو طريق يتصادم في بلدة فاسدة على وشك أن تنهار في غرب قبيح ومتعفن بتلاشي قيم حضارته. تدور قصته كخلفية لانتهاك حرمة قطاع سكك الحديد، والتي كانت قد وعدت بأن تعيد الحضارة إلى هذه البلاد المنفلتة والموحشة. وبتقدم الأحداث، يأتي المتفحم المفترس الهادئ الرزين، المتنقل باستقلالية خاصة، يحضر معه الموت، الموت لجمال الغرب الأمريكي الملوث، الموت من أجل القضاء على السيطرة الفردية القاسية والغير مُسائلة، وموت إلى راعي البقر، الذي ليس له مكان في العالم الغربي الحديث، المولع بالجريمة وتجارة الشركات غير الشرعية.

صنع ليوني (وهو إيطالي صاحب أسلوب خاص) مسيرته من خلال تحويل أفلام من نوع ميلودرامي إلى تصريحات عنيفة، ملتهبة هائجة عن الدولة التي ألهمت أحلامه السينمائية – الولايات المتحدة الأمريكية – يستخدم الغرب كواجهة مسرحية أصيبت بالشؤم عندما قام قطاع الطرق وحملة السلاح في الغرب القديم باقتحام الغرب الجديد وأسسوا قاعدتهم العملاقة للطمع والفساد. لكن كما يشير عنوان فيلمه الذي يلائم حكايات ألف ليلة وليلة والجمال والخيال، فهو مهتم بطرح نقطة التحول التاريخية هذه على أنها حكاية رمزية ذات معنى أخلاقي عن موت الغرب نفسه، تقريباً مثل فيلم الزمرة الهائجة (ما عدا الجمال في التصوير)، فليوني لا يريد من خرافته ذات المعاني المتشعبة أن تصنع التاريخ وحسب، لكن الأسطورة أيضاً.

اختراع هذه الأسطورة كانت نقطة تحول متوقعة بالنسبة لليوني- آفاقه وبقعته السينمائية نمت وتوسعت وباتت أكثر جرأة من الفترة التي قضاها مع كلينت إبيستوود في ثلاثية الرجل بدون اسم. من الناحية الأخرى، فإن وفاء (حدث ذات مرة في الغرب) لرمزية الغرب ولأسلوبه الكلاسيكي قد يفسر أنه مغادرة مذهلة ومدروسة عن الأسلوب الثوري الذي اشتهر فيه في أفلامه الغربية السابقة. ثلاثية الرجل بدون اسم (حفنة من الدولارات، من أجل حفنة أكثر الدولارات، والطيب، والشرير والقبيح) لم تشتهر باستخدام أية تقاليد سينمائية غربية، الواضح فيها كانت فكرة راعي البقر النبيل، وهيمنة قوة الأمانة والصدق.

يقوم ليوني في هذا الفيلم بتأكيد تشابه بعض العوامل الأساسية الظاهرة لشخصياته مع فيلم (الطيب، السيء والقبيح). شخصية الهارمونيكا (تشارلز بروسنن) الواثق الوحيد يمكن مساواته مع شخصية كلينت إيستوود “الطيب” في الفيلم الأخير. فرانك (هنري فوندا) الشرير هو سينتينزا “الشرير” فرانك لي كليف، وشايان (جيسون روباردس) قاطع الطريق هو توكو “القبيح” إليا وولش. لكن على خلاف أعماله السابقة، ليوني يتجنب استخدام سمعة شخصياته واسعة الانتشار التي أعطت أفلامه القديمة حيويتها المثيرة، يختار أن لا يدخل في تكرار غربي معتاد، بل يقوم بدمجها داخل مشاهده الشهيرة، المكونة من لقطات عريضة التصوير المتمهلة ومفاجأة، مما يجعل الجمهور يتأمل كل شخصية على حدا ويكتشف تاريخها وسماتها بنفسه.

يمكن أن تتضح طريقة عمل ليوني أكثر من خلال المشهد الافتتاحي “المريب” لهذا الفيلم، حيث فيه نشاهد ثلاثي من القتلة ينتظرون بهدوء واسترخاء في العراء وصول قطار في محطة محلية قديمة. إن الرجال يقفون بتروي تحت شمس منتصف الظهر مع عرقهم المتبخر وتعطش لسفك الدماء، مجموعة مألوفة من عشرات الشخصيات للأفلام الغربية. على أية حال، الطريقة التي ينظم بها ليوني لعبة انتظارهم تشبه الطريقة التي يرتب بها بيتهوفن سمفونياته. يستعمل خليط من مشاهد قريبة صغيرة وموترة (توقيع ليوني المعروف)، ولقطات تصويرية طويلة، ويختار ابقاء المشهد في صمت كامل تقريباً (مع التقاط أصوات البيئة من حوله)، ليوني يغرس هذا الإعداد الروتيني مع اقتراب قدوم ساعة الموت، على أنه الهدوء قبل العاصفة.

محاولة أحد هؤلاء القتلة من نصح ذبابة أن لا تستريح على أنفه تصبح ذكرى طاعنة لأسلوب ليوني المقرب والضيق في التصوير، كاميرا المخرج الصبورة تبقى على تلك الوجوه الجادة الشريرة لطول محكم حتى يغرس فيهم وفينا إحساس من الدناءة الفطرية. عندما يصل القطار أخيراً وبروسنن ينجلي منه، يقوم ليوني بمزاوجة نغمات قيثارة المخضرم إنيو موركيوني الحزينة مع لقطة ذات بؤرة عميقة تميل إلى الصعود قرب أحذية الثلاثي الشرير، وبروسنن صغير جداً من هذه المسافة لكن يبقى بارز بشكل كافي. إن التأثير المطلوب خلف هذا العناء كله، هي الوصول إلى مثالية الطرفين وحذلقته، حالة الموت المحتملة في كل الأفلام الغربية تحدث قبل ومضة من ضغطة زناد خاطفة.

وصلت شخصية بروسنن، هارمونيكا (بدون اسم رسمي، نراه فقط كمتمرد خفي) إلى البلدة للاجتماع بهنري، فوندا الشرير، الجشع بالقوة والسلطة. بعد تخلصه من أتباع فرانك في المحطة، يجد هارومونيكا نفسه مسحوباً إلى قصة تتضمن جيل ماكبين (كلوديا كاردنيل)، الأرملة الحسناء البائسة من ذبح زوجها، رجل الأعمال المحلي، وإلى شايان، مجرم قذر تلفق به جريمة قتل السيد ماكبين وأطفاله الثلاثة. بما أن ليوني قد أرانا الطريقة التي أعدموا بها، نعرف أن فرانك قتل عائلة ماكبين، لكننا نكتشف الدافع وراء قتلهم بتعقل رائع.

مراراً وتكراراً، يتضمن (حدث ذات مرة في الغرب) لحظات منفذة بدون عيوب إما لتقديم شخصية أو مفاجأتنا بشيء ما. وجه كل شخصية يكشف لأول مرة من خلال الأعين والملامح أو من خلال حركة دائرية رشيقة للكاميرا حول جسمه، وليوني يستخدم طريقته الناعمة الرائعة لإثارتنا باستمرار عن أشياء ستأتي فيما بعد. السيدة ماكبين، وهي عاهرة سابقة، تصل من نيو أورلينز إلى بيتها الجديد لتجد موكب جنازئي، وليوني يشير إلى المشهد ونظر ماكبين على جثث الملقى في الخارج على الطاولة، فقط عند انتهاء هذه اللقطة الحساسة المتتبعة، يضع لنا هذه المأساة من منظور السد ماكبين. بنفس الطريقة، هوية الرجل الذي يراه الهارمونيكا في مخيلته تبقى غامضة ومغطية في سراب غير مركز، يفتن ليوني جمهوره ويثير اهتمامهم بدون أن يبوح له بأي معلومة رئيسية.

لقد تم الحديث الكثير عن التأثير الذي أحدثه صانعي الأفلام الإيطاليين داريو أرجينو وبيرناردو بيرلوتشي- اللذين تم شكرهم في مساعدة ليوني بكتابة القصة (كتبت في الأصل من قبل ليوني وسيرجيو دوناتي) وتنفيذها كسيناريو في الفيلم. مع هذا وبالرغم من أن (حدث ذات مرة في الغرب) يحوي على ميزات بيرلوتشي الجدية، المأساوية وحتى الخيالية الممتازة، وروح بصرية وفيره لأرجينو، عملية التفاعل المغرية التي يطبقها الفيلم ما بين الصوت والصورة- طريقة وصلت ذروتها في فيلم ليوني الأخير (حدث ذات مرة في أمريكا)، هي علامة نادرة تعود إلى سيرجيو ليوني فقط. يربط المخرج أصوات وصور متباينة بانسجام: أزيز ذبابة أو طلق ناري رنان إلى الصافرة العالية لقطار وصرير حشرة وأنين الهارمونيكا الماكر. وأيضاً بنفس الأسلوب ليوني يستعمل أصوات الطبيعة كوحي لتوصيل معلومة- عندما تتوقف الصراصير عن الزقزقة بينما السيد ماكبين وأطفاله يعدون وليمة ترحيب لقدوم السيد ماكبين، من الواضح أنها إشارة لحدوث خطر ما، والحركة تبدأ مع موسيقى موريكوني العاطفية المحزنة.

يستخدم ليوني أسلوبه الإخراجي المعقد هذا ليعبر عن نغمة وموضوع أكبر للتعرف على وصول البارون. بالرغم من أن سيد مورتن “البارون”، تاجر سكك الحديد الضعيف الذي يريد الحصول على أرض السيدة ماكبين الموجودة في بقعة إستراتجية مناسبة، يدفع لفرانك الدنيء للقيام بأعماله القذرة، ليوني يحفظ لهذه الشخصية نوع من الشفقة بسبب وضعه الصحي الصعب ولحلمه برؤية المحيط الهادي قبل أن يموت من مرض السل. مورتن – الذي لا يتفق كلياً مع مبادئ فرانك، يموت كنتيجة لبساطته وحظه السيئ – إنه ليس شرير بل ببساطة مثير للشفقة، ومسعاه أن يعيش في الغرب لا يصور أنه ذو دوافع عنف وسيطرة بل كأمر حتمي عندما يرافقه شخص مثل فرانك. الفيلم يقر أن مورتن لن يكون سوى الشخص الأول من صف طويل من الصناعيين الذي سيسلبون تلك الأرض، وما سيجلبه المستقبل قد يكون أكثر قبحاً وفساداً من العالم الذي يحكمه فرانك حالياً.

داخل عربته القطارية المرفهة والتي تدل على غناه، مورتن يسأل فرانك (الجالس في كرسي مورتن المشابه لكرسي عرش)، “ما هو شعورك وأنت جالس خلف هذا المكتب، فرانك؟” يجيبه فرانك محساً بطعم الثراء “تقريباً مثل أن تحمل مسدس، ماعدا أنه شعور أقوى بكثير”. فرانك يرغب بشدة بالحصول على القوة والنفوذ التي تسيطر عليها نقود مورتن وذلك التأثير التي تحدثه على كل شيء من حوله، والفيلم يصبح – في جزء منه – صورة تعرض فشله بتواصل بين العالم القديم (تقتل أولاً، ولا تسأل أية أسئلة) والعالم الجديد (تستخدم المال كسلاح). “لقد تعلمت بعض الطرق الجديدة” هارمونيكا يقول لفرانك قبل مواجهتهم الأخيرة، “حتى إن كنت لم تترك الطرق القديمة”. في النهاية، فرانك يموت لا بسبب قلة براعته مع مسدسه، لكن بسبب عدم قدرته على الموازنة بين رفضه لطرق المسدس ومصالحه في دفتر الشيكات.

إذا كان موت فرانك يعطي خاتمة ملائمة لأحداث الفيلم، تقليدية ” الخير ضد الشر ” وصراعه، فهو يمثل خاتمة صغيرة لكل من الهارمونيكا أو شايان. كما هو حال فرانك، الرجلان يعيشان ومتأثران في عالم سابق، عالم منقرض لا تستطيع العثور عليه في العالم الحديث السريع والمتطور. هارمونيكا يخبر فرانك أنهم “جنس قديم. أشخاص آخرين من شكيلة مورتن سيأتون، وسيقتلونهم”. فرانك يعلم أنها هذا صحيح، يعترف أن رغبته بقتل هارمونيكا لا تجعل منه رجل أعمال فطن بل “فقط رجل” يعلم أن “المستقبل لا يهمنا”. عبر ثقوب سترهم الطويلة المغبرة، جزمهم الجلدية، وقبعاتهم المهرتئة، يقبل هذان المحاربان البدويان قدرهما الأخير والحاسم، مع خليط من الحزن والترقب. قد لا تكون هذه المواجهة هي قصيدة المدح الأخيرة التي يبدعها مخرج أفلام الغرب (حتى أن ليوني سيعود بعده مع فيلم غربي عن الثورة المكسيكية خلال ثلاث سنوات)، لكن بتصويره الرائع المخادع لنهاية عصر هذا الغرب، (حدث ذات مرة في الغرب) بات ما كان يحلم به ليوني طوال حياته: آخر تحفة وأكبر انتصار لهذا النوع العتيق من الأفلام.

IMDB

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading