The Third Man: كيف صنع أورسن ويلز أحد أعظم مداخل الشر في تاريخ السينما؟

من بين كل الصور الأيقونية في فيلم The Third Man لكارول ريد، لا توجد صورة أشهر من ظهور هاري لايم، الذي يؤديه أورسن ويلز، واقفًا في مدخل أحد المباني في فيينا، مغمورًا بالظل. ومع موسيقى Anton Karas الشهيرة على آلة الزيثر، يصبح هذا الظهور واحدًا من أعظم مداخل الشخصيات في تاريخ السينما، وهذا يليق تمامًا بشخصية لا تُنسى مثل هاري لايم.

ورغم أن لايم لا يظهر إلا في جزء محدود من زمن الفيلم، فإنه يظل واحدًا من أكثر التجسيدات السينمائية رعبًا لفكرة الشر العادي، أو الشر حين يبدو باردًا ومألوفًا وغير صاخب. كما أنه يمثل بدقة رؤية الفيلم لانهيار الأخلاق في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

عندما يصل الكاتب الأميركي هولي مارتنز، الذي يؤديه جوزيف كوتن، إلى فيينا، يكون هدفه الإقامة مع صديقه القديم هاري لايم. لكنه يكتشف فور وصوله أن لايم مات بعدما صدمته سيارة أجرة. يحضر مارتنز جنازته، وهناك يلتقي بآنا شميت، التي تؤديها ألدا فالي، وكانت تحب لايم. كما يلتقي بالرائد كالاوي، الذي يؤديه تريفور هوارد، والذي يخبره بحقيقة أعمال لايم في السوق السوداء: كان يبيع كميات مخففة من البنسلين للمرضى، ما أدى إلى حالات جنون وموت.

أثناء تحقيقه في موت لايم، يصل مارتنز إلى قناعة بأن صديقه قُتل على يد شركائه المجرمين، فيبدأ البحث عن دليل يثبت نظريته. لكنه يكتشف في النهاية أن لايم لم يمت أصلًا.

المشهد الذي يواجه فيه مارتنز هاري لايم داخل مدينة الملاهي يُعد واحدًا من أعظم المشاهد في تاريخ السينما. في لحظة منه، يطلق لايم مونولوغًا مذهلًا عن ضرورة العنف في العالم، يقول فيه ما معناه: في إيطاليا، وتحت حكم عائلة بورجيا، عاش الناس ثلاثين عامًا من الحروب والرعب والقتل وسفك الدماء، لكنهم أنتجوا مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وعصر النهضة. أما في سويسرا، فقد عاشوا 500 عام من الحب الأخوي والديمقراطية والسلام، وماذا أنتجوا؟ ساعة الوقواق.

تقول الشائعة إن أورسن ويلز، لا كاتب السيناريو غراهام غرين، هو من كتب هذا المونولوغ. لكن صاحب الفكرة لا يهم كثيرًا هنا. بين يدي ويلز وكارول ريد، الذي يصور المشهد على عجلة دوارة عالية فوق الأرض، يتحول الحوار إلى معركة بين الخير والشر، بينما يمر البشر في الأسفل غير مدركين لما يدور فوقهم.

يقول لايم لمارتنز: انظر إلى الأسفل. هل ستشعر حقًا بالشفقة لو توقفت إحدى تلك النقاط عن الحركة إلى الأبد؟ لو عرضت عليك 20 ألف جنيه مقابل كل نقطة تتوقف، هل ستطلب مني حقًا أن أحتفظ بمالي، أم ستحسب كم نقطة يمكنك الاستغناء عنها؟

هذا هو السؤال الذي يحرك The Third Man. مثل كثير من أفلام النوار المهمة في تلك المرحلة، يتأمل الفيلم بيئة حديثة بعد الحرب، حيث تُعامل حياة البشر كوسيلة للربح المالي لا أكثر. ويمكن تذكر فيلم Double Indemnity لبيلي وايلدر، حيث تتحول حياة رجل حرفيًا إلى رقم مالي داخل مؤامرة قتل.

ومن خلال استخدام تقنيات بصرية متأثرة بالسينما الألمانية، مثل اللقطات الواسعة، والزوايا المائلة، والعمارة الحادة، والإضاءة التعبيرية القائمة على التباين القاسي بين النور والظل، خلق مخرجون مثل ريد ووايلدر عالمًا من الارتباك المكاني والأخلاقي. داخل هذا العالم، تستطيع الحكايات البوليسية الشعبية أن تكتسب ثقلًا أخلاقيًا يشبه الأمثال الدينية.

وعندما يحاول لايم الهروب من الشرطة عبر مجاري فيينا، يمد يده بيأس من خلال فتحة في الأرض نحو ضوء لا يستطيع الوصول إليه. يبدو المشهد كأن شريرًا يُمنع من دخول الجنة. وفي The Third Man، لا تبدو هذه الصورة سخيفة على الإطلاق. على العكس، تبدو مدمرة وضرورية، اليوم كما كانت عند صنع الفيلم.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة