Basic Instinct: فيلم يستفزك أكثر مما يغريك

في Basic Instinct، لا يقدّم بول فيرهوفن فيلم إثارة عاديًا. إنه يصنع لعبة قاسية عن السيطرة، حيث تتحول الرغبة إلى سلاح، وتصبح كاثرين تراميل واحدة من أكثر الشخصيات النسائية حضورًا وخطورة في سينما التسعينات.
Basic Instinct: حين تصبح الرغبة لعبة سيطرة
كما توحي سمعته، يأتي فيلم Basic Instinct لبول فيرهوفن صريحًا، فجًا، ومشحونًا بصور نمطية عن الرجال والنساء. لكن هذه العناصر وحدها لا تفسّر مكانته بين أفلام الإثارة الإيروتيكية في التسعينات. ما يميّزه حقًا هو جرأته المكشوفة، وثقته في استفزاز المشاهد، وقدرته على الوقوف عند حافة السخرية من نفسه من دون أن يفقد سيطرته.
الفيلم لا يختبئ خلف قناع أخلاقي، ولا يبدو مهتمًا بإرضاء المتفرج أو تهذيبه. يريد أن يربكه، وأن يدفعه إلى الانفعال، وأن يجعله جزءًا من لعبة يعرف تمامًا أنها ملوثة بالقوة والرغبة والعنف.
فيلم يبدأ من أقصى درجات الصدمة
يمكن تلخيص فكرة Basic Instinct على نحو ساخر: ماذا لو رأينا ما كان يحدث في Vertigo خلف الأبواب المغلقة بين جيمس ستيوارت وكيم نوفاك؟
من اللحظة الأولى، يذهب فيرهوفن إلى أقصى حد. تدخل الكاميرا غرفة نوم واسعة وفاخرة لنجم روك في منتصف العمر، مع امرأة جميلة يخفي شعرها الأشقر وجهها. في السقف مرآة مزخرفة تعكس لقاءً جسديًا جامحًا. تصعد المرأة فوق الرجل، وتربط يديه بإطار سرير مصمم كقفص متقن، ثم تُخرج مخرز ثلج وتطعنه مرارًا.
المشهد دموي وصادم ومقصود في مبالغته. وكما يقول أحد المحققين لاحقًا ببرود قاسٍ، فإن الرجل بلغ ذروته قبل أن يلفظ أنفاسه.
هذه الافتتاحية ليست مجرد صدمة مجانية. إنها إعلان مبكر عن طبيعة الفيلم. فيرهوفن يخبرنا منذ البداية أن قواعد الإيحاء القديمة انتهت، وأن Basic Instinct لن يكتفي بتلميحات خجولة أو لقطات مواربة.
كتب جو إسترهاس السيناريو، لكنه لم يكتب فيلمًا ينتظر طويلًا قبل أن يمنح المشاهد لحظة إثارة. هنا تُعرض الرغبة بوضوح، وتُقدَّم الجريمة بدموية صريحة تحت إشراف خبير المؤثرات روب بوتين. حتى براين دي بالما، الذي اشتهر بمزج الإثارة بالعنف في أفلام مثل Dressed to Kill، لم يصل غالبًا إلى هذا القدر من المباشرة في الجمع بين الجسد والدم.
مفارقة الفيلم: الصدمة بلا خوف
رغم كل ما في الافتتاحية من عري وعنف، فإنها لا تبدو مثيرة بالمعنى التقليدي، كما أن العنف فيها لا يخلق رعبًا صافيًا. المشهد يثير الانتباه، يزعج، يستفز، ويترك أثرًا باردًا أكثر من كونه مشهدًا شهوانيًا أو مرعبًا.
هنا تظهر مفارقة Basic Instinct. فيرهوفن لا يصنع عالمًا حميميًا أو نفسيًا بالكامل. لمسته تبدو باردة، محسوبة، ومتعالية على شخصياتها. هو أقرب إلى مخرج مفتون بفكرة السيطرة نفسها: السيطرة على الجسد، على الصورة، على المتفرج، وعلى النوع السينمائي الذي يعمل داخله.
لذلك يبدو فيرهوفن قريبًا من بطلة فيلمه كاثرين تراميل. كلاهما يعرف كيف يستعرض القوة. وكلاهما يعرف أن الجاذبية تصبح أخطر حين تكون باردة وواثقة من نفسها.
كاثرين تراميل: المرأة التي تدير المشهد
كاثرين تراميل، التي تؤديها شارون ستون، ليست مجرد شخصية فاتنة وخطرة. إنها مركز قوة داخل الفيلم. فيرهوفن يتعامل معها كشريكة في اللعبة، وكأن سلطتها هي ما يثيره ويخيفه في الوقت نفسه.
من هنا يتولد المزج المستمر بين الرغبة والموت في Basic Instinct. كل علاقة جسدية في الفيلم تبدو امتدادًا لمعركة. لا يوجد فصل واضح بين الإغواء والسيطرة، ولا بين اللذة والتهديد. كاثرين لا تدخل المشاهد لتكون موضوعًا للنظر فقط، بل لتعيد ترتيب القوة داخلها.
نادرًا ما أُعجبت الكاميرا بشخصية امرأة قاتلة بهذا القدر من الوضوح. ونادرًا ما بدت شخصية من هذا النوع واعية تمامًا بالقوة التي تمتلكها كما تبدو كاثرين.
مشهد التحقيق: النكتة على الرجال
أشهر مشاهد Basic Instinct هو مشهد غرفة التحقيق، حين تجلس كاثرين أمام مجموعة من الرجال وتستخدم جسدها ولغة حضورها لتحويلهم إلى كائنات مرتبكة وفاقدة للسيطرة.
هذا المشهد قُرئ طويلًا بوصفه لحظة إثارة صريحة، لكنه داخل الفيلم يعمل أيضًا كإهانة للسلطة الذكورية. الرجال يظنون أنهم يملكون الغرفة لأنهم محققون، يطرحون الأسئلة، ويمسكون بملفات القضية. لكن كاثرين، بمجرد جلوسها، تسحب مركز القوة منهم. هي لا تبدو محرجة، ولا خائفة، ولا واقعة تحت ضغطهم. على العكس، هي التي تجعلهم تحت الضغط.
فيرهوفن وإسترهاس لا يقدمان كاثرين بوصفها شخصية “قوية” بطريقة تعليمية أو خطابية. إنهما مأخوذان بثقتها، بكاريزمتها، وبشرّها المتطرف. وشارون ستون تمنح الشخصية حضورًا لا يلين. لا تحاول جعل كاثرين أكثر لطفًا أو أكثر قابلية للتبرير. قوتها في أنها لا تطلب السماح من أحد.
نيك كوران وخيال السيطرة الذكورية
في المقابل، يبدو المحقق نيك كوران، الذي يؤديه مايكل دوغلاس، رجلًا يظن أنه يملك السيطرة، بينما الفيلم يثبت عكس ذلك في كل مرة. أوهامه بأنه قادر على فهم كاثرين أو ضبطها تتحول تدريجيًا إلى مادة للسخرية.
الخيال المركزي في Basic Instinct يقوم على رجل يريد من امرأة أن تستولي على حياته، أن تديرها وتخربها وتعيد تشكيلها، حتى إن كان عاجزًا عن الاعتراف بذلك بسبب تصوره التقليدي عن الرجولة.
بهذا المعنى، تصبح سيطرة كاثرين على نيك، وسيطرة شارون ستون على مايكل دوغلاس داخل الفيلم، جزءًا من متعة العمل الأساسية. الفيلم لا يشرح هذه الفكرة بخطب اجتماعية أو سياسية، لكنه يجعلها محسوسة في كل نظرة، في كل مواجهة، وفي كل لحظة توازن مختل بينهما.
الجنس بوصفه شكلًا من أشكال العنف
قد تبدو مشاهد الجنس في Basic Instinct مبالغًا فيها أو أقرب إلى الاستعراض، لكنها تملك وظيفة درامية واضحة. العلاقة بين نيك وكاثرين تشبه سلسلة من مواجهات القوة. هي تختبره، تستدرجه، وتدربه تدريجيًا على الانصياع لإرادتها.
أما علاقته بطبيبته النفسية السابقة بيث غارنر، التي تؤديها جين تريبل هورن، فتكشف جانبًا أكثر اضطرابًا. في أحد المشاهد، يحاول نيك استعادة صورته كرجل مسيطر من خلال علاقة تبدأ بموافقة متبادلة، ثم تتحول سريعًا إلى لحظة مزعجة توحي بالانتهاك.
فيرهوفن يتعامل مع هذا الانتهاك بجدية، من دون أن يقدّم للمشاهد تفسيرًا جاهزًا. يترك الأثر معلقًا في الهواء. علاقة بيث ونيك تبدو أكثر توترًا وصدقًا من علاقته بكاثرين، لأنها علاقة تحمل تاريخًا وجرحًا وارتباكًا حقيقيًا.
إذا كانت كاثرين نسخة مفرطة وقاتلة من خيال الإغواء، فإن بيث تمثل المرأة القريبة التي يأخذها الرجل كأمر مضمون، ثم يتركها تدفع ثمن انجذابه إلى وهم أكثر خطورة.
فيرهوفن وسياسة القوة
يحمل Basic Instinct طبقات كثيرة عن علاقة الرجال بالنساء، وعن السلطة والرغبة ووهم الرجولة المسيطرة. لكنها لا تظهر في صورة محاضرة. وهذا ما يجعل أعمال فيرهوفن مثيرة للجدل دائمًا.
يمكن قول الشيء نفسه عن RoboCop، الذي يُقرأ غالبًا كسخرية من أميركا في عهد ريغان، أو Showgirls، الذي صار يُناقش كحكاية عن تسليع جسد المرأة في صناعة الترفيه، أو Starship Troopers، الذي قُرئ بوصفه هجاءً للعسكرة والنزعة الاستعمارية.
هذه المعاني موجودة، لكنها ليست منفصلة عن متعة فيرهوفن في استخدام القوة السينمائية نفسها. أفلامه الأميركية خصوصًا تدور حول مخرج يمتلك مهارة هائلة في دفع النوع السينمائي إلى أقصى حدوده. عنده، الحرفة القاسية والمثيرة ليست مجرد أسلوب، إنها موقف.
سحر الفيلم في برودته
قد يكون ما يقوله Basic Instinct عن الرجال والنساء أقل أهمية من طريقته في صناعة الإحساس بالخطر. موسيقى جيري غولدسميث ناعمة ومهددة في الوقت نفسه، وتكاد تتحول إلى شخصية داخل الفيلم. صورة شارون ستون في الفستان الأبيض صارت جزءًا من ذاكرة السينما. أما مدير التصوير يان دي بونت فيمنح الفيلم برودة بصرية أنيقة تمزج بين الفخامة والابتذال.
هذا التناقض هو سر الجاذبية. فيلم شديد الأناقة، لكنه ينتمي إلى القاع. فيلم مصمم بعناية، لكنه يستمتع بالفجاجة. فيلم يعرف أنه صادم، ويبدو غير مهتم باعتذار طويل عن ذلك.
Basic Instinct لا يطلب منك أن تحبه. لا يطلب حتى أن توافق عليه. قوته في أنه يعرف كيف يجذبك إلى لعبة غير مريحة، ثم يتركك داخلها، بين الإعجاب والانزعاج، بين المتعة والشك، وبين السينما الرفيعة وحكايات الإثارة الرخيصة.
وفي تلك المنطقة الملوثة تحديدًا، صنع فيرهوفن واحدًا من أكثر أفلام التسعينات شهرة وإثارة للجدل.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.