Goodfellas – 1990

Jimmy had never asked me to whack somebody before – but now he’s asking me to go down to Florida and do a hit with Anthony? That’s when I knew I would never have come back from Florida alive.”

ترجمة مهند الجندي عن جيمس بيراردينيلي.

سترتسم السعادة على وجه أي صانع أفلام سينمائي عند معرفته بأن أحد أعماله (أو أعمالها) قد وصل إلى قمة الكلاسيكية، وهي مرتبةٌ تجهد بقية الأفلام التي تعالج نفس مواضيع ذلك العمل أن تحذو حذوها. المخرج مارتن سكورسيزي الذي يعده الكثيرون كأفضل فنان سينمائي أمريكي يعمل في هذا المجال حالياً يستحق هذه المرتبة الكلاسيكية الفريدة، فهو المسؤول عن تقديم ثلاثة أفلام خالدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. في السبعينات كان فيلم (سائق التاكسي)، وفي الثمانينات (الثور الهائج)، وفي عقد التسعينات “رفقة طيبون” (وهو أكثر أفلامه استحساناً، على الأقل من نواحي الجوائز والترشيحات التي حظي عليها المخرج عن هذا العمل). لم يتمكن أي مخرج من تحقيق هذا الإنجاز حتى العمالقة منهم، ولا حتى إنغمار برغمن أو ستانلي كوبريك أو إريك رومير، فقد دق مارتن سكورسيزي مكانته الحصينة هذه في جذوع السينما بمسامير التأني والكنف والعناية الدقيقة بتفاصيل أعماله.

إن بطولة الممثل روبيرت دي نيرو لتحف مارتن سكورسيزي الثلاثة هذه لم تكن محض صدفة أيضاً. هذان الرجلان اللذان تعاونا مع بعضهما ثماني مرات، يستنبطان أفضل ما في جعبتهما من مزايا حين يجتمعان في عملٍ واحد. وحتى مشاريعهما “الأقل” بدرجة في مستواها عن تلك التحف مثل (كازينو) و(ملك الكوميديا) تتحلى بقوة وزخم توضح مدى وعمق التفاهم الذي يميز هذين الفنانين. سكورسيزي في أفضل حالاته عندما يقوم بإخراج دي نيرو، ودي نيرو في أوج عطائه وهو يُمثل أمام كاميرات سكورسيزي، فقد صنع هذا الثنائي علاقةً وثيقةً لا خصام فيها في أذهان الجمهور بسبب هذه التحف الثلاثة (سائق التاكسي) و(الثور الهائج) و(رفقة طيبون).

ثمة نوعان أساسيان لأفلام المافيا: نوع يعظم حياة العصابات وآخر يصور المعاناة الواقعية لتلك الحياة. أشهر وأفضل هذه الأفلام هو (العراب)، الذي ركز مكانته بقوة على رأس قائمة النوع الأول، بينما يقف (رفقة طيبون) على قمة النوع الثاني. الفيلمان يعرضان شخصيات بكافة أبعادها ومكتوبة بشمولية مركزة وتعيش في بيئة ملتهبة، جهود فرانسيس فورد كوبولا الإخراجية في (العراب) تجسد أسطورة رجل العصابات، في حين أن تجربة سكورسيزي ذرائعية الأفكار. العنف هو عنصر أساسي في خلجات الفيلمين، بيد أنه أكثر وحشيةً في (رفقة طيبون) عن ما يعرضه (العراب)، وبهذا يكون من السهل أن نلاحظ الطريقتين المختلفتين اللتين تبنياها المخرجين في تصوير فيلمين ربما يشتركان في النوعية السينمائية التي يقدمانهما، إلا أنهما مختلفين في الجو والأسلوب.

نعلم عند بداية الفيلم بأن القصة مستوحى بشكل أو بآخر عن وقائع حقيقية، فقد استخدم سكورسيزي أحداث قضية عرفتها فترة الثمانيات وتدور حول أحد أفراد المافيا المهمين بغرض بناء دراسة غنية بالأحداث عن ثلاثة شخصيات والمجتمع الذي عاشوا فيه وشكل حياتهم، سكورسيزي خط الهيكل العام للسيناريو مستنداً على حقائق ذكرت في رواية “رجل العصابات” التي كتبها نيكولاس بيليجي (ساعد في كتابة السيناريو أيضاً). والقصة تعد استعراضاً مذهلاً لأسلوب حياة كان قد أثار شهية وأغشى عيون الأمريكيين طوال أحوال القرن المنصرم كاملاً، سواء في الأفلام أو بين صفحات الروايات أو على شاشة التلفاز.

تبدأ الأحداث بتعرفنا على هنري هيل وهو بعمر الثالثة عشرة (يلعبه كريستوفر سيرون كفتى صغير وراي ليوتا عند نضوجه)، الذي يقص علينا الحكاية. نحن في نيويورك الخمسينات، والعمل كرجل عصابات يبدو أنه من أروع الوظائف المتاحة. يتذكر هنري بالقول “منذ نعومة أظافري لطالما أردت أن أصبح رجل عصابات”. ولا عجب أن هؤلاء الرجال في نظر هذا الصبي الذي يدخل عقده الثاني في الحياة فقط يملكون كل شيء: الأصدقاء والنساء والسيارات والمال، والأهم من ذلك هو احترام الجميع لهم. “أن أكون رجل عصابات كان أفضل من أكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية” يواصل هنري في تحقيق هدفه ويعمل لاحقاً كمساعد لشقيق بول سيسيرو (بول سورفينو) وهو زعيم الحي. تذوق هنري لطعم هذه الحياة لأول مرة كان تجربةً مثيرة بالنسبة له “كنت  أُعامل كالبالغين، كنت أعيش حلماً… وبعمر الثالثة عشرة كنت أجني أموالاً أكثر من معظم البالغين القاطنين في الحي”.

يحتل هنري مع حلول عقد السبعينات مرتبةً مهمة في منظمة المافيا، فيبدأ مع صديقيه المقربين وهما تومي ديفيتو (جو بيشي) حاد الطباع وجيمي كونواي (روبيرت دين يرو) المتعقل بالعمل في بعض المجالات التي يرفضها زملائه في المنظمة، وتحديداً في تجارة المخدرات. هنري المتزوج حالياً من فتاة يهودية لطيفة اسمها كارين (لورين براكو) يعيش حياةً طائشة تقوده لإنشاء علاقات سرية مع عدة نساء، والتورط في جريمة قام تومي فيها بقتل رجل عصابات “رسمي” عدا عن قضائه لفترة في السجن. وعند عودته إلى العالم الخارجي، يعلم أن حلفائه القدامى قد غيروا وجهتهم وأن حياته باتت مهددة بالخطر من أولئك الذين كانوا بالنسبة له أعز رفقائه في فترة من الفترات. يشق رجل العصابات طريقه على مبدأين: أن لا تشي بأصدقائك أبداً وأن تلتزم بالصمت دائماً، ويبدو أن هنري سيضطر لكسر هذين المبدأين للحفاظ على حياته.

يتمتع فيلم (رفقة طيبون) بقوة ومهارة في الاستحواذ على اهتمام المشاهد أكثر من أي فيلم جريمة درامية شاهدته في حياتي. والسيناريو فيه يعرض كافة أوجه الشخصيات؛ إنهم رجال متمكنين وقادرين على صنع أشرف الأمور وأكثرها شراً، ولا يكترثون بالغموض الأخلاقي الذي يسود نمط حياتهم. فالفيلم لا يتكلم عن أسياد رجال المافيا بل حول هؤلاء الذين يشغلون المناصب الأدنى، وعن الروابط التي تشكلت بين رفقاء الجريمة، وكيف أن الخيانة هي أشنع جريمة يمكن أن يتخيلها المرء. تأخذ صورة المافيا هنا منحناً يصفها وكأنها نادي للرجال يعتني فيه كل عضو بمصلحة الآخر.

القصة التي تمتد مجرياتها لربع قرن من زمن يقطرها شعور ملحمي مع أنها محكية بوجهة نظر خاصة جداً. كما أن الدقائق الأربعون الأولى التي تستعرض تفاصيل طفولة هنري وقبوله في حياة المافيا يقدمها المخرج وكأنها خرافة من الخرافات، مستخدماً ذات الطريقة المعظمة لحياة العصابات التي وظفها فيلم (العراب). إن الهدف من هذه المقدمة هو تكوين رابط بين الجمهور وبين الشخصية الرئيسة وهي ما تزال ننعم بالقليل من البراءة. صحيح أن هنري لم يكبر ليصبح رجلاً لطيفاً، بيد أن الطريقة التي قام بها سكورسيزي ببناء المراحل الأولى للفيلم تجعلنا نتعاطف معه قليلاً حتى نهاية رحلته هذه.

قلائل هم المخرجين الذين استطاعوا عبر السنوات الماضية مجاراة مهارة سكورسيزي في توظيف الموسيقى الشعبية بهدف الإعداد لمشهد ما أو توطيد الجو العام للقصة. فاختيار الأغاني القديمة في العديد من الأفلام يبدو وكأنه محاولة صريحة لبيع الألبوم الموسيقي الخاص بالفيلم ليس أكثر. غير أن اختيارات سكورسيزي في (رفقة طيبون) لأغاني مثل “Then He Kissed Me” و”Ain’t That a Kick in the Head” و”Gimme Shelter” و”Monkey Man” و”The Magic Bus” و”What Is Life” وعشرات الأغاني الأخرى تثبت أنها نفيسة للقصة؛ فهي تتواءم بمثالية مع الصور التي نراها، وتستبدل أي موسيقى أصلية مميزة بنجاح.

تبدأ حكاية الفيلم بشكل هادئ، لكننا لا نصل لنهاية القصة قبل أن نشهد سفكاً جارياً للدماء، وبعضٌ من هذا العنف يحل علينا بشكل مفاجئ أو مروع، وأحيانا يصل لأحشاء الضحية. ثمة ميتة بالتحديد تهبط فوق رؤوسنا من حيث لا ندري، وتترك المشاهد في حالة من الذهول والارتباك لوهلة من الزمن. ما يزال هذا المشهد يربكني على الرغم من مشاهدتي للفيلم عدة مرات، بالإضافة لوجود لحظات أخرى تحمل نفس التأثير وإن كانت أقل عنفاً. الفيلم لا يعتمد على مفاجآت الحبكة كي يحتفظ باهتمام المشاهدين، فقوة وحجم القصة والشخصيات التي تلعبها تتكفل بهذا الأمر؛ أهم سمات الفيلم هو شعور الخطر ومهب الريح الذي يتدلى فوق رأس كل لقطة، وأسلوب سكورسيزي في استخدام اثنين من الرواة للقصة يبقي احتمالية موت هنري نفسه متوفراً أيضاً (يستبدل صوت هنري بصوت كارين أحياناً).

وكما هي عادة المخرج في معظم أعماله، فإن (رفقة طيبون) عبارة عن تركيبة بصرية إبداعية، بتوظيفه لخدمات المصور السينمائي الألماني الأصل مايكل بولهاوس (تعاون مع سكورسيزي في أفلام “الساعات القادمة” و”الإغواء الأخير للمسيح” و”عصر البراءة”) يتجنب سكورسيزي استخدام خاصية ثبوت الكاميرا، بل يحافظ دائماً على رشاقة صور الفيلم. نرى حركات مسرحية طويلة وإبداعية للكاميرا بهدف تأكيد شمولية رؤيتها لما يعرض على الشاشة، وكلها مصممة لغمر المشاهد بجو الفيلم وأحداثه. تتجول الكاميرا خلال مشهد ما داخل أحد البارات ومن ثم تعود إلى الغرفة الخلفية وبعدها تمر على وجوه بعض رجال المافيا بينما يعرفنا هنري على كل واحد منهم. لاحقاً، نشاهد المشهد الشهير المريب الذي يجلس فيه هنري أمام جيمي على مائدة عشاء، إنهما في أعيننا يجلسان بنفس الوضعية بينما كل من هو موجود في الخلفية يتبخر بصرياً بشكل تدريجي (تم إنجاز هذا المشهد من خلال إبعاد الكاميرا عن الممثلين واستخدام عدستها لتقريب الصورة عليهما في نفس الوقت).

ومن أجل أن تعلو الأفلام الدرامية المبنية على حياة أحد الأشخاص كما هو حال (رفقة طيبون) بمستواها عن الأفلام الميلودرامية الجيدة (حيث يكون مستوى التعبير عن الأحاسيس مبالغاً فيه)، من الضروري أن يكون التمثيل في الأفلام الدرامية على أفضل حالاته، وهذا الفيلم يحتوي على عدد من الأدوار التي يصعب نسيانها بالإضافة لممثلين ثانويين مميزين للعب الأدوار الصغيرة. أهم تجسيد يقوم به الممثل جو بيشي بدور جيمي الذي يصعب كبح جماحه في معظم الأحيان، وقد حصل بيشي على جائزة أوسكار عن هذا الدور، بصياغته لشخصية يمكن أن تكون فاتنة أحياناً وعنيفة على غير المتوقع في أحيان أخرى (قام بيشي بتكرار هذا الدور بحذافيره في فيلم “كازينو” من إخراج سكورسيزي أيضاً). إن عبقرية الأداء تكمن في سهولة وسرعة تحول تومي من مزاج لآخر، يمكن لفعل ما أو كلمة أو أي شيء واحد صغير آخر أن يثير البركان الذي في داخله، وبيشي يجعل هذا التحول المفاجئ يبدو معقولاً ومصدقاً بدلاً أن يكون مزعجاً.

وعلى الرغم من أن دوري ليوتا ودي نيرو لا يسرقان الأضواء بتاتاً كما هو دور بيشي، فإنهما مع ذلك يعتبران حجري الأساس الذي يُبنى عليه الفيلم ككل. دي نيرو الذي بات معروفاً بلعبه مثل هذا الدور طوال مسيرته المهنية الطويلة والناجحة (بدايته كانت مع شخصية فيتو كورليوني الشاب في الجزء الثاني من العراب) يلبس دوره كالقفاز في شخصية جيمي المحببة والعنيفة بنفس الوقت، فهو رجلٌ يجمع بين اللطف والخطورة كمعظم أدوار رجال العصابات التي قدمتها الشاشة الكبيرة في السابق. إن مشاهدة ترجمة دي نيرو المثالية عن جيمي تعيد للأذهان نسخته لشخصية آل كابون في فيلم (المحميون) للمخرج براين ديبالما؛ فالشخصيتان يشتركان في عدد من الخصال، كطبيعتهما وشخصياتهما (مع أن جيمي يعد أقل مستوىً في سلم تصنيف رجال العصابات). بينما يلعب ليوتا الدور الأكثر اعتيادية والأقل تطلباً من بين كافة أدوار رجل العصابات، صحيح أنه ليس دوراً بارزاً لكنه مقنع بما فيه الكفاية ليكون نقطة عبورنا وتعرفينا على القصة؛ فهو مرشدنا في هذا العالم الموحل بالجريمة والصداقة والخيانة، وربما كنا سنضل طريقنا في هذا العالم القاتم دون هذا الأداء الرزين من راي ليوتا.

الممثلة لورين براكو أيضاً تستحق تخصيص بعض الوقت للإشادة بأدائها وهي التي تلقت عليه ترشيحاً لجائزتي الأوسكار والكرة الذهبية كأفضل ممثلة مساعدة، إن دورها في هذا الفيلم هو بلا أدنى شك أهم ما قدمته من أعمال خلال مسيرتها المتفاوتة في مستواها، برسمها مزيجاً من القوة والضعف الرقيق على شخصية كارين واستغلالها لوقتها المحدود على الشاشة أحسن استغلال. بول سيرفينو يناسب دور يول سيسيرو تماماً، فهو مثل دي نيرو يجد نفسه عادةً في أدوار رجال العصابات. وفي الأدوار الثانوية الأخرى، كاثرين سكورسيزي (والدة مارتن الراحلة، تلعب دور أم تومي) وفرانك فينسينت (بدور بيلي باتس، وهو مصدر حنق تومي وتلطخ يديه بالدماء) يلمعان في الدقائق القليلة التي يظهران بها.

سيظل نقاد الأفلام في جدال أزلي حول اختيار الفيلم الأهم في مسيرة سكورسيزي، هل هو (سائق التاكسي) أم (الثور الهائج) أم (رفقة الطيبون)، فثمة محام دفاع لكل واحد منهم، وعليه فإن اختيار واحد من هذه الأفلام على حساب الاثنين الآخرين يبدو أمراً كليلاً لا نفع فيه. سائق التاكسي والثور الهائج يتمحورا بشكل أساسي حول شخصية فردية أكثر من ما هو عليه فيلم رفقة طيبون الذي يناقش كيف يمكن لمحيط اجتماعي معين أن يشكل القيم واختيارات الحياة ونوعية العلاقات للأفراد الذين يعيشون فيه. وإذا نظرنا لهذه الأفلام الثلاثة كوحدة واحدة، سنجد أنها تستعرض المواضيع والأفكار المحببة جداً لوجدان سكورسيزي، في حين أن كل فيلم منهم على حدا يعد إنجازاً سينمائياً مذهلاً، و(رفقة طيبون) يزاحم (العراب) على لقب أفضل أفلام العصابات على الإطلاق.

IMDB


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة