The Pledge: كيف حوّل شون بن قصة جريمة إلى دراسة عميقة عن الهوس وإثبات الذات؟

يبدأ فيلم The Pledge لشون بن في اللحظة التي يبدو فيها أن مسيرة بطله المهنية توشك على الانتهاء. يؤدي جاك نيكلسون دور جيري بلاك، محقق شرطة في نيفادا، تُقطع حفلة تقاعده بخبر مقتل طفلة بطريقة وحشية. وسط ضجيج القاعة، يشعر جيري بتغير في نبرة الحديث، فيقترب من حوار يجري بين رئيسه والرجل الذي سيتولى منصبه بعده. ثم يذهب إلى مسرح الجريمة، ربما بدافع العادة، أو لأنه لم يتقاعد رسميًا بعد. هناك، تظهر الطفلة الصغيرة بمعطفها الأحمر في مشهد مؤلم، ودمها يلطخ الثلج.

يغضب جيري من سوء الحفاظ على مسرح الجريمة، ومن تردد رجال الشرطة في إبلاغ والدي الطفلة. فيقرر أن يفعل ذلك بنفسه. نراه يقترب منهما ببطء عبر أرضية مغطاة بفراخ ديك رومي مضطربة. يبقي شون بن كاميرته على مسافة وهو ينقل جيري الخبر إلى الوالدين، بينما يظهر حزنهما بوضوح. لاحقًا، داخل منزلهما، يطمئنهما بأن القاتل سيُعثر عليه. ترفع الأم، التي تؤديها باتريشيا كلاركسون، صليبًا صنعته ابنتها، وتطلب منه وعدًا مقدسًا. يمنحها ذلك الوعد. لن يرتاح حتى يجد القاتل.

المشهد يحدث بهذه البساطة. لكن عندما نعود إليه لاحقًا في الذاكرة، قد نشعر بأن هناك مستوى أعمق. جيري بلاك مطلق مرتين، بلا أطفال، وشرطي أمضى حياته في العمل، ويُفترض أنه يتطلع الآن إلى قضاء بقية عمره في صيد السمك. لكنه انجذب إلى خبر الجريمة، ثم إلى مسرحها، ثم إلى أن يكون هو من يخبر الوالدين، ثم تعهد بحل القضية. ماذا حدث لرحلة الصيد؟ هذا رجل يتمسك بهويته بقوة اليائس.

هذا الإصرار هو جوهر The Pledge. يبدو الفيلم في البداية كأنه يتبع شكل التحقيقات البوليسية التقليدية، لكنه يغوص تدريجيًا في أسئلة أعمق عن البراءة، والشر، وحاجة الإنسان إلى إثبات قيمته لنفسه. في لحظة ما ندرك أن التقاعد، بالنسبة إلى جيري، ليس راحة بل شكل من أشكال الهزيمة والموت. عندما تقول أم الطفلة: «لا يمكن أن توجد شياطين كهذه في الخارج»، انظر إلى عينيه وهو يرد: «توجد شياطين كهذه». لقد أمضى حياته يحاربها، والآن عليه أن يجد هذا الشيطان تحديدًا كي ينقذ نفسه.

يراقب جيري من خلف زجاج أحادي الاتجاه استجواب المشتبه به الرئيسي، وهو رجل أميركي أصلي يعاني من إعاقة ذهنية يُدعى توبي، يؤديه بينيسيو ديل تورو بشعر طويل منكوش. يتولى الاستجواب كرولاك، الذي يؤديه آرون إيكهارت، وهو الرجل الذي سيحل مكان جيري في العمل. يقترب من توبي بلطف مصطنع، يهمس في أذنه، ويستدرجه إلى اعتراف، وحين يحصل عليه يرفع يديه بانتصار كما يفعل مدرب كرة قدم بعد هدف. جيري يشعر بالفزع. من الواضح أن توبي لا يفهم ما يقوله. وبعد ثوانٍ قليلة، ينتحر توبي، وتبدو القضية وكأنها أُغلقت.

قد يكون The Pledge أفضل أداء في مسيرة جاك نيكلسون. لا نجد هنا الإشارات المألوفة في أدواره الأكثر شعبية، ولا استمتاعه المعتاد بتفاصيل الشخصية، ولا المسافة الساخرة التي كثيرًا ما لعب عليها. نرى رجلًا وحيدًا، يتقدم في العمر، ويفشل في التظاهر بأنه قادر على التقاعد. يبقى عالقًا في القضية. وبعد أن يغادر الشرطة، يستخدم خريطة ليربط بين ثلاثة مواقع جرائم قُتلت فيها فتيات صغيرات خلال سنوات مختلفة، وكن جميعًا يرتدين اللون الأحمر. عند تقاطع طرق، يجد متجرًا ريفيًا صغيرًا ومحطة وقود، وفوقهما شقة. يدخل المكان ويقدم لصاحبه، الذي يؤديه هاري دين ستانتون، عرضًا لا يمكن رفضه.

إذا كان الرجل نفسه قد ارتكب الجرائم الثلاث، فلا بد أنه يمر من هنا. ومن صديقة الطفلة المقتولة، يحصل جيري على رسم لرجل قابلته، رجل «عملاق»، أعطاها «قنافذ» وكان يقود سيارة سوداء كبيرة. يشتد توتره كلما توقفت سيارة سوداء أمام المحطة. في حانة محلية، يتعرف إلى لوري، عاملة الحانة التي تؤديها روبن رايت بن، وعندما تظهر يومًا وهي مضروبة، يستضيفها في بيته. يمكنها أن تعيش معه مع ابنتها الصغيرة. من دون شروط.

نخاف من الوصول إلى الاستنتاج الواضح. هل سيستخدم جيري الطفلة كطُعم؟ هل سيعرّض طفلة للخطر كي ينتقم لطفلة أخرى؟ شون بن لا يوضح ذلك بشكل مباشر ولا يضع تحته خطًا. بل إن فيلمه منغمس جدًا في تفاصيل الحياة اليومية، إلى درجة أن هناك فترة طويلة لا نفكر فيها بهذه الطريقة. ندخل في إيقاع الحياة الريفية في نيفادا، خارج رينو. ندخل في روتين البيت الجديد الذي تشكل. جيري، الذي لم يكن له طفل قط، يكشف عن نفسه كأب جيد: يقرأ قصص ما قبل النوم، ويراقب الفتاة بحذر واهتمام. لا يخبر لوري أبدًا بقضية القتل، لكنه يستخدم خلفيته كشرطي ليبرر قلقه العميق على سلامة ابنتها.

يُظهر شون بن في هذا الفيلم أنه مخرج واثق، يملك تعاطفًا كبيرًا مع الأداء التمثيلي. يملأ الفيلم بممثلين كبار: هيلين ميرين، فانيسا ريدغريف، توم نونان، مايكل أوكيف، ميكي رورك، لويس سميث، سام شيبرد، ديل تورو، ستانتون، كلاركسون، وإيكهارت. قدرة بن ونيكلسون على جذب كل هذه الأسماء إلى أدوار صغيرة تقول الكثير. لكن بن لا يستخدمهم بسبب شهرتهم فقط، بل لأنه يعرف ما يستطيعون تقديمه. وجود ممثلين بهذا الثقل يمنح أهمية لأدوار مساعدة، لكنها ليست هامشية. روبن رايت، زوجة بن آنذاك، مثالية تمامًا في دور امرأة عاملة مرهقة تبحث عن الأمان والحنان لنفسها ولطفلتها.

يملأ شون بن ومدير تصويره كريس مينغز الكادر بتفاصيل محلية كثيرة، حتى لا يبدو الفيلم كأنه يفرض فكرة جاهزة على القصة. المعنى يخرج من الموقف نفسه. هناك مشهد في معرض حرفي محلي، مثلًا، يضم أشخاصًا نعرفهم وآخرين لا نعرفهم، ثم تأتي لقطة تذكّرنا بهيتشكوك: بالون وردي واحد يتحرر ويطفو فوق الحشد. وفي مشهد لاحق، خلال كمين للشرطة في الغابة، يُصمَّم المشهد ويؤدى بدقة باردة، رغم أننا بالكاد نصدق ما نراه.

يضيق شون بن تركيزه بلا رحمة حول شخصية جيري بلاك. أطراف الكادر تضيق عليه شيئًا فشيئًا. ندرك أن الفيلم لم يكن عن جريمة قتل بقدر ما كان عن حاجة داخلية. كل ما رآه جيري وكل ما فعله كان مدفوعًا بحاجته إلى أن يثبت أنه ما زال محققًا جيدًا. وما زال رجلًا.

كان The Pledge ثالث أفلام شون بن كمخرج. فيلمه الأول The Indian Runner عام 1991 قام ببطولته ديفيد مورس وفيغو مورتنسن في دور شقيقين، أحدهما نائب مأمور، والآخر شاب مضطرب وسريع الغضب. أما فيلمه الثاني The Crossing Guard عام 1995، فقام ببطولته جاك نيكلسون في دور رجل قُتلت ابنته على يد سائق مخمور. يواجه زوجته السابقة، التي تؤديها أنجيليكا هيوستن، وزوجها الجديد، ويتعهد بأنه بعدما خرج السائق من السجن، سيجده ويقتله. يصرخ في وجه زوج ماري الجديد: «رجلًا لرجل، عندما تفتح الصحيفة وتقرأ أنه مات، انظر إلى وجهها وقل لي إنك لا ترى الفخر والراحة. الفخر. والراحة». دافع فريدي هنا ليس الانتقام فقط، بل حاجته إلى أن يثير إعجاب زوجته السابقة.

هذه الأفلام الثلاثة لا تدور في حقيقتها حول أحداث الحبكة. إنها تدور حول حاجة شخصية مركزية إلى الاستمرار في مهمة وضعتها لنفسها، حتى لو قادها ذلك إلى الفشل أو الجنون.

والآن تأمل فيلم بن الرابع Into the Wild عام 2007، الذي اختاره معهد الفيلم الأميركي فيلم العام. قدم إميل هيرش أداءً قويًا أثار فينا خوفًا متزايدًا. لعب دور شاب في العشرين يتمرد على والديه وعلى حياته، وينطلق غربًا ثم شمالًا حتى يختفي في برية ألاسكا. لم يكن يبحث عن الموت. كان يريد أن يثبت أنه يستطيع العيش من الأرض والنجاة.

هذا الفيلم أيضًا يضع بطله وسط مجموعة من النجوم في أدوار صغيرة: فينس فون، كاثرين كينر، هال هولبروك، مارسيا غاي هاردن، ويليام هيرت، جينا مالون، وكريستن ستيوارت. هذه ليست ظهورات شرفية، بل أدوار تتطلب من الممثلين تقديم أفضل ما لديهم في وقت قصير.

كل هذه الأفلام تعرض رجلًا مصممًا على إثبات شيء ما، مهما كان الثمن. وهو لا يثبته للآخرين. يثبته لنفسه. كتب بن سيناريوهات كل هذه الأفلام باستثناء The Pledge، أما Into the Wild فاستند فيه إلى كتاب حقيقي لجون كراكاور. ماذا يعني هذا الموضوع بالنسبة إلى بن؟ لا أجرؤ على الجزم. لكنه ليس فقط واحدًا من أفضل الممثلين الأحياء، بل أصبح أيضًا، بثبات، مخرجًا كبيرًا للممثلين. ومن أسباب أهمية The Pledge أن شون بن طلب من صديقه جاك نيكلسون أن يتبعه إلى البرية، وهناك أثبتا شيئًا.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة