Seeking A Friend For The End Of The World – 2012
رغم أن كلاً منهما هو شخص “لذيذ” مبهج بمجرد النظر إليه بمفرده, جاء الفيلم على عكس ما كنتُ أتوقع .. فـ(كيرا نايتلي) و(ستيف كاريل) هنا يقدمان فيلماً لا يرتقي إلى المستوى المأمول, وربما يكونان من حيث النجاح من أقل الثنائيات الرومانسية التي حملها حتى الآن العام 2012 خاصة في التأثير بنا أو الإنغراس في الذاكرة.. مع هذا لن أنكر أن هذا الفيلم دراما مطعمة بكوميديا خفيفة لا تحتاج أي كمية من التفكير, ومريحة للأعصاب مع أقل قدر من الكلمات القذرة التي تعودنا على وجودها في أعمال الكوميديا السطحية. مع سؤال كبير جداً (مع من تود أن تنتهي حياتك؟).
“فتاة الكاريبي” الجميلة و”آنا كارنينا” الألفية تبدو لي في أغلب المشاهد خارج المود.. ولا أعرف مدى تأقلم “كيرا” مع (لورين سكافاريا) في تجربتها الإخراجية الأولى.. لكن خيراً أن “كيرا” ظهرت هذا العام منذ وقت قصير مع (جو رايت) في فيلم آخر مثير وكبير جاذب من ناحية الإبهار البصري, فـ”جو” دائماً يعرف كيف يقرأها ككتاب مفتوح ويعرف كيف يستغل جمالها وأنوثتها ليظهرها فاتنة حقاً, ويخلق لها مساحات إضافية لتتحرك ناشرة هالة وضّاءة حولها.. الأمر الذي يبدو أن “سكافاريا” قد فشلت للأسف فيه, إضافة إلى فشلها في صناعة عوامل تشويق ضمن فيلمها الذي تشعر مسبقاً بما سيحدث فيه, ولا يخالف توقعاتك, وإذا كان من العسير أن نعطي حكماً على “سكافاريا” منذ أول محاولة إخراجية فلا شك أن هذا لا يعطيها عذراً لو أقررنا أن العام 2012 يحمل على ما يبدو أعمالاً قوية بتوقيع مخرجين جدد مثل الفيلم الحاصل على الكثير من الحديث والاستحسان Beasts of the Southern Wild-.. فالمتابعة الـ”أرماغادونـ”ـية -غير الناجحة هذه المرة في التخلص من الكويكب المصطدم بالأرض- على طريقة (صديق لنهاية العالم) كانت سطحية في مواقفها, وأحسبُ أن التصاعد الدرامي الواضح بين بداية العمل وآخره كان مآله إلى مجهود “كيرا” و”ستيف” نفسيهما حين قدم لهما الفيلم في نصفه الأخير فرصة أكبر للتحرّك وطبع المَشاهد بروحهما. وكم كنت أُفضّل لو أن “سكافاريا” التي كانت تمتلك مفاتيح أقوى للنفاذ إلى قلوب المشاهدين إذا طورت في الفكرة وأجادت السرد القصصي؛ قد أوجدت للنجمين مواقف متمايزة تتيح لهما بشكل أوضح تلك المساحات اللازمة لإظهار موهبتيهما التي لا جدال حولها, بدلاً من أسلوب الاستخفاف والهزل ثم العودة فجأة إلى نداء العقل والروح في فكرة “مذنّبيّة” مطروقة في الأصل, وإبهات العمل في سيناريو متأرجح ذي حوارات مقتضبة قليل الشخوص لا يحمل جاذبية ولا أي تعقيد, والاعتماد فقط على جمالية “كاريل” في تمثيل حالات الهدوء وإبداع “كيرا” في تمثيل لحظات الارتباك.. وأعتقد أن جل الناس مثلي يعتبرون هذه الفكرة -فيما لو حدثت بتلك الصورة لا قدر الله- هي مأساة مرعبة ذات منحى استسلامي مشابهة كثيراً للحالة الـ”ميلانكوليّـ”ـة التي إن بدأ (صديق لنهاية العالم) مع بون شاسع عنها فقد عاد إليها في النهاية.
قصة الفيلم بشكل مختصر ودون حرق أو خوض في تفاصيل, تبدأ مع إعلان محطة إذاعية عن فشل المكوك الفضائي المُرسَل لتحطيم الكويكب (ماتيلدا) الذي يُذكر أنه من المقرر إصدامه بالأرض بعد 3 أسابيع مسبباً نهاية العالم, الأمر الذي ينتج عنه هروب زوجة (دودج) “ستيف كاريل”, وبدء الكثير من أحداث الشغب بسبب معرفة الناس بعدم وجود بقية في العمر, وفقدان معنى الحياة ذاتها ما دام الموت قادماً خلال 3 أسابيع. صدفة غريبة تجمع “دودج” بـ(بيني) “كيرا نايتلي” قبل أسبوعين من النهاية ليتعارفا لأول مرة رغم أنها يسكنان ذات العمارة, ومع تبادل الحديث نجد تقارباً معيناً فيما بين أفكارهما من ناحية أن كلاً منهما لم يقبل الإنحلال الأخلاقي أو الاجتماعي الذي يعاني منه غالبية المجتمع مع فقدان أي رادع أو وازع أو قانون في ظل استمرار العد العكسي لنهاية الأرض, ونرى أن الفكرة المسيطرة على كل منهما هي أين سيقضي ساعاته الأخيرة ومع من.. ومع اقتراب أحداث الشغب من حيّهما وبغية الوصول إلى من يريدان الموت معه؛ يهرب “دودج” مع “بيني” برفقة (سوري) الكلب الذي تخلّى عنه صاحبه المجهول ووجده “دودج” في حديقة عامة في إحدى لحظات اليأس, وخلال هذه الرحلة الأخيرة نكتشف مجموعة من الشخصيات التي عايَشَها كل من “دودج” و”بيني” في فترات حياتهما ونكتشف الكثير من الأخطاء في علاقاتهما مع هؤلاء الناس؛ يتحملان هما بعضها ويتحمّل الآحرون البعض الآخر. ومع تكشّف بعض الحقائق لكل منهما عن الآخر وإحساسهما بالتشابه فيما بينهما وامتداد بساط الراحة والأريحية لبعضهما البعض, تبدأ المشاعر بالتشكل بينهما, ويبقى احترامهما لبعضهمها يجعل كلاً منهما يرغب للآخر في أن يتابع رحلته للوصول إلى من سبق واختاره ليعيش آخر اللحظات معه, لكن مشاعر التقارب تسيطر في النهاية.
مجموعة النقاط التي أود التحدث عنها والتي تعود بكم قرائي الأحبة إلى النظر إلى (الحياة كقيمة وقِيَم) هي مجموعة التصرفات والمعاني الإنسانية التي تضمنها العمل وتستحق التوقف عندها, والتي هي في أكثرها مطروقة من قبل, وكان أغلبها يحتمل التطوير ليظهر أكثر عمقاً بدل من وجودها بصورة تقليدية في نص فقير:
– بداية تلك النقاط هي حالة الفوضى والاضطراب والانحلال التي استشرت في المجتمع في صراعه الأخير ضد الزمن, والرغبة الماسة في القيام بأي ممنوع قبل الموت, وهي فكرة غير جديدة كما هو معروف. ولو دخلنا في مناقشتها فسنجدها على الغالب أقرب إلى الحقيقة للأسف, فغالبية من يعرف أنه ميتٌ لا محالة يفقد أي إحساس بالخوف من أي شيء. ففضلاً عن الاعترافات بأمور كبتناها كثيراً خشية على مشاعر الآخرين وأحياناً احتراماً لسنّهم, لا يعود هناك ما يردع عن الانتقام أو الجنس أو حتى الهرب ممن نحن مضطرون على إيهامهم بمحبتنا لهم. الحوارات الخاصة بهذه النقطة كانت باهتة, وكان بالإمكان الاستفادة منها في إظهار كوميديا أكثر تعبيراً تأثيراً. وكانت مثل هذه الحالة قد ظهرت كذلك العام الفائت في التصرفات الغريبة لبطلة تراجيديا (ميلانكوليا) للمخرج الدنماركي “لارس فون ترير”.
– النقطة الثانية هي النقيض, وأعني الحالة الأخلاقية والإيمانية. فدور “بيني” كان لفتاة ليست صالحة جداً إلا أن تغيراً كبيراً طرأ في نفسيتها حتى أنها تذكرت الكنيسة. ووجدت السيكنة الروحية في شخص لم تعرفه إلا مؤخراً ليغدو اختياراً صائباً متأخراً تمنّت لو صادفته منذ زمن. كذلك كان موقف (إلسا) الخادمة في بيت “دودج” التي آثرت التوجه إلى عملها حتى اليوم الأخير متجاهلة (أو ربما غير آبهة ولعلها جاهلة لا متجاهلة) ما سيحدث من مصيبة مقبلة حتى أنها في ذلك اليوم, الذي يتصارع الناس على عد لحظاته قبل دنوّ الأجل وقضائه مع أحبتهم, كانت تعمل في المنزل عند “دودج” وودّعته على أمل أن تراه بعد أسبوع! لعله ذلك كذلك من مبدأ (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). كما أن شخصية “دودج” نفسها كانت في هدوئها ورفضها لتلك الفوضى اللابشرية وإيثارها أقرب إلى ذات الحالة. نقطة أراها جميلة جداً في العمل بل إنها في الأساس من يشجع على مشاهدته. هذه الحالة الأخلاقية كانت حاضرة جداً أيضاً العام الفائت في عمل أعتبره شديد العمق الإنساني هو (الإحساس المثالي) للمخرج “ديفيد ماكينزي” الذي فيه تندفع البشرية للتقارب والصفاء والتسامح مع اقتراب النهاية.
– النقطة الثالثة هي أمور مرت بشكل سريع وسطحي بشكل ملفت للنظر.. أهمها عدم شعورنا بالإحساس العام بالمصيبة. فلم نجد الإنطباعات السلبية أو الحزينة لدى الناس عند علمهم بانتهاء العالم, باستثناء صورتين عابرتين في أول الفيلم مع رفض الموظفين الحصول على ترقية أو مركز جديد, وصورة الموظفة التي كانت تنوح بشكل مفتعل مزعج, إضافة إلى صورة سائق السيارة الذي كان يمنّي النفس بالموت قبل أن يشهد نهاية العالم, ومذيع الأخبار الذي بقي متفانياً في العمل إلى اللحظات الأخيرة. وعليه فقد تم تقديم صورة سطحية ساذجة لأكثر البشر. أعلم أن المؤلفة كانت ترمي إلى كوميديا إنسانية, لكن هذه النقطة كانت ضرورية نسبياً لجعل المتابع يحس ويقتنع بالفعل بما هو قادم من مأساة. والشعور بالمصيبة حين حضر أخيراً قدم لنا أفضل المشاهد على الإطلاق؛ وأعني المشهد الدرامي الأخير الذي يحتسب بالفعل لـ”كيرا” و”ستيف” وأظهرهما بالفعل كممثلين كبيرين, ليصحو بنا فجأة الإحساس بقيمة الحياة من خلال من نحبّ ومن يجسدون لنا القِيَم الإنسانية والإيجابية.
تقنياً الفيلم لم يتحج الكثير من المجهود, فلا تظهر فيه مؤثرات خاصة نتوقع حضورها في أفلام مماثلة, حيث أننا لا نشاهد أي مذنب في السماء! أما الموسيقى فقد كانت ناعمة إجمالاً وقليلة, ولا إبهار في الصورة حتى في ماكياج “كيرا” الذي كان بسيطاً كفتاة في سباق مع الزمن ولا وقت لديها لهذه الأمور. وبسبب عدم اعتماد الفيلم على فلاش باك أو خيالات لم يكن هناك عمل كبير واضح على المونتاجات.
(البحث عن صديق لنهاية العالم) وجبة خفيفة سهلة المتابعة لا تتطلب متابعات في التفكير, لذا إن كنت ترى أنك بحاجة لترفيه لذيذ ارمِ كل ما قرأت مني ومن أي نقاد, وتجاهل تقييمات موقع imdb والطماطم الفاسدة, وتوجه لمتابعته. وحاول أن تشاهد فقط لتستمتع وتبتسم لا لتقيّم أو أن تبحث في هفوات ولا حتى جماليات, فالأغلب أن الترفيه والمتعة هما الهدف من هذا الفيلم لا أكثر.


