مراجعة Wasteman: النجاة لا تعني أنك أصبحت حرًا

فيلم Wasteman للمخرج كال مكماو هو فيلم سجون عن رجل لم يُخلق أصلًا لتحمّل تجربة السجن: تايلور، الذي يؤدي دوره ديفيد جونسون، شاب نحيل، قلق، ومنعزل.

قبل ثلاثة عشر عامًا، كان يبيع الحبوب المخدرة في حفلات الرقص ليدعم ابنه الرضيع ووالدة الطفل، وهي علاقة عابرة تحولت لاحقًا إلى ارتباط حقيقي. من دون أن يدرك، باع حبوبًا فاسدة لمراهقين اثنين توفيا بعد تناولها، فحُكم عليه بتهمة القتل غير العمد.

ومنذ ذلك الحين، حاول تجنب الصدامات، وخدّر ألمه بالمخدرات، وكسب بعض المال من العمل في مطبخ السجن، ومن قصّ شعر السجناء، ومن نقل المخدرات لصالح تاجر داخل السجن يُدعى بول، الذي يؤدي دوره أليكس هاسيل، ومعه زميله في الزنزانة وذراعه القوية غاز، الذي يؤدي دوره كورين سيلفا.

وفي أحد الأيام، يفاجأ تايلور بخبر إطلاق سراحه الوشيك، ليس لأنه أصبح سجينًا نموذجيًا، بل لأن السجون تعاني من الاكتظاظ. إذا استطاع فقط أن يبقى بعيدًا عن المشاكل لفترة قصيرة أخرى، فسيستعيد حريته.

ثم يصل زميل جديد إلى زنزانته يدعى دي، يؤدي دوره توم بلايث. وهو سجين منقول من مكان آخر، يتاجر بالمخدرات والممنوعات. يفرض دي على تايلور أن يعمل مساعدًا له، ولا يترك له مساحة حقيقية للرفض.

ومن هنا تبدأ سلسلة متصاعدة من المواجهات بين سجناء ينتمون إلى جماعات ومصالح متنافسة داخل السجن وخارجه. ويشمل ذلك أصدقاء دي في الخارج، الذين يتم التلويح بهم كتهديد قادر على الوصول إلى ابن تايلور ووالدته في أي لحظة، وكذلك بول وغاز، اللذان يشبهان في عالم السجن أصحاب مقهى محلي صغير ينهار عملهم حين يفتح “ستاربكس” في الجهة المقابلة، فيصبّون غضبهم على الموظف الذي كان يعمل لديهم.

التصعيد المستمر ومحاولات كل طرف التفوق على الآخر يحافظان على اهتمام المشاهد، لكن هذا ليس سر الجاذبية الحقيقية للفيلم. ما يمنحه قوته هو العلاقة المتغيرة بين تايلور ودي.

دي رجل يعرف كيف يؤثر في الآخرين. يبهر تايلور بوقاحته تجاه موظفي السجن، ويغريه بالمخدرات، ثم يعيره هاتفه الشخصي كي يتصل بابنه الذي أصبح في الرابعة عشرة من عمره.

ومع اقتراب الفيلم من نهايته، الذي يمتد لنحو 90 دقيقة بإيقاع سريع لكنه يبدو أطول بصورة إيجابية، يتضح أن تايلور هو الطرف الأكثر وعيًا بنفسه في العلاقة. هو يدرك أنه سجين للنظام ولسيطرة زميله في الزنزانة في الوقت نفسه، لكنه يجبر نفسه على تقبل ذلك لأنه لا يريد سوى الخروج والبدء من جديد.

أما دي فيدخل السجن بثقة متعجرفة، كأنه نجم روك منحط. يضع شروطه، يطالب بما يريد، يستخدم رجاله في الخارج كأداة انتقام، ويتصرف كما لو كان يملك المكان بأكمله. وثقته العمياء تكاد تكون محزنة لولا أنها مضحكة أحيانًا. وكما قال مايك تايسون ذات مرة: الجميع لديه خطة، إلى أن يتلقى لكمة في وجهه.

الثنائي ديفيد جونسون وتوم بلايث اختيار موفق للغاية. فهما يمتلكان حسًا قويًا بالصدق في الأداء، ولا يهتمان بأن يبدوا رائعين أو حتى محتفظين بكرامتهما طوال الوقت. وهذا أمر نادر في أفلام السجون؛ فحتى الرجال الأقوياء هنا يئنّون ويتوسلون بعد الضرب.

جونسون، الممثل الشاب اللافت الذي عرفناه من Industry على HBO ومن Alien: Romulus، مثالي في دور تايلور. شخصيته تكتم أفكارها، لكن وجهه يكشف كل شيء. نشعر بكل ما يمر به من خلال ملامحه المعبرة، وعيناه تحملان الخوف والألم والحزن حتى في اللحظات التي يتحدث فيها مع ابنه عبر الهاتف.

ويجاريه بلايث بقوة، وإن كان من الصعب في البداية إدراك حجم ما يقدمه، لأن شخصية دي محاطة بقشرة سميكة من الثقة وعدم القابلية للكسر.

دي ماكر أكثر مما هو ذكي. وفي مكان ما داخله، يبدو أنه يعرف أن وضعه هش، وأنه يمكن أن ينهار على يد سجين متهور أو مخبر يسعى للانتقام. لكنه لا يحوّل هذا القلق إلى احتياط حقيقي، لأنه يخلط بين دهائه الغريزي وبين الذكاء الفعلي.

وعلى أي قائمة مستقبلية لأفضل العلاقات بين شخصيتين في أفلام السجون، يجب أن تجد علاقة تايلور ودي مكانها.

Wasteman من تلك الجواهر المتواضعة التي تُصنع بعيدًا عن المسارات المعتادة، ومن المرجح أن تجد طريقها عاجلًا أو آجلًا إلى جمهور عشاق السينما، حتى لو لم يحدث ذلك فورًا.

هناك بالطبع بعض العيوب. يعتمد الفيلم أكثر مما ينبغي على المونتاجات المصحوبة بالموسيقى لدفع الأحداث إلى الأمام. كما أن التصوير بالكاميرا المحمولة ينجح في منح المشاهد إحساسًا بالفورية والواقعية، لكنه أحيانًا يتجاوز الحد ويصبح استعراضًا أو فوضى بصرية. وبعض مشاهد الضرب والاشتباكات داخل المساحات الضيقة تفقد قوتها لأن التصوير والمونتاج يصبحان عشوائيين إلى درجة تجعل ما يحدث صعب المتابعة.

لكن في المجمل، يبقى الفيلم انطلاقة قوية لصنّاع يبدو أنهم يفهمون الطبيعة البشرية، ويفضلون أن يضيئوا على الشخصيات بدل أن يعتمدوا فقط على الاستفزاز.

هل يقدم الفيلم صورة واقعية عن السجون الحديثة؟ لا يستطيع الإجابة عن ذلك بدقة إلا من يعرف النظام العقابي البريطاني من الداخل، وهذا الناقد لا يدّعي امتلاك تلك المعرفة.

لكن لا شيء في الفيلم يبدو سخيفًا تمامًا. وحتى التفاصيل التي قد تبدو مبالغًا فيها، مثل تحويل دي وتايلور زنزانتهما الخرسانية الصغيرة إلى مساحة مليئة ببضائع ومقتنيات يعرضانها بلا اكتراث تقريبًا أمام الإدارة والحراس، تصبح مقبولة ضمن عالم مؤسسة يظهر عليها التآكل والفساد بما يكفي لجعل المشاهد يعلّق شكوكه.

والنتيجة هي مزج ناجح بين نوعين يبدوان متعارضين من أفلام السجون.

من جهة، Wasteman دراما نفسية قاسية مليئة بتفاصيل دقيقة الملاحظة، مثل الطائرات المسيّرة التي توصل الممنوعات إلى نوافذ السجناء، ومقاطع الفيديو العمودية المصورة بالهواتف لأعمال العنف التي يرتكبها السجناء أو المجرمون في الشوارع، ثم تُنشر على الإنترنت لإذلال الضحايا وترهيب الخصوم.

ومن جهة أخرى، هو ميلودراما ذكورية خشنة، هدفها الأساسي أن تجعلك تتساءل أيّ هؤلاء الرجال سيصل إلى النهاية.

إنه فيلم نوعي واضح الملامح، لكنه يحمل في داخله ثقلًا مأساويًا حقيقيًا.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة