New York, New York: حين يتحول الحب والألم إلى فن

مع New York, New York عام 1977، أخذ مارتن سكورسيزي شكل الأفلام الموسيقية الأميركية الكلاسيكية في الأربعينيات والخمسينيات، ثم أعاد تشكيله وفق هواجسه الفنية الخاصة. لذلك يبدو الفيلم مزيجًا غريبًا وجذابًا بين هوليوود القديمة وسينما السبعينيات الحديثة.

الديكورات مصطنعة عمدًا؛ الشوارع أوسع من الواقع وكأنها خشبات مسرح، والمدينة تبدو أحيانًا كلوحة مرسومة بعناية شديدة. حتى حركة الحشود مصممة بدقة، بينما تتحرك كاميرا سكورسيزي بينها بانسيابية واستعراض يجعل التصوير نفسه أحد أبطال الفيلم.

يبدأ الفيلم في يوم الاحتفال بانتهاء الحرب العالمية الثانية، وسط احتفالات ضخمة في نيويورك. تنتقل الكاميرا من الشوارع إلى قاعة رقص هائلة تعزف فيها فرقة تومي دورسي، وللحظات يبدو أن سكورسيزي سيقدم تحية مباشرة للأفلام الموسيقية القديمة التي أحبها، ويغمر المشاهد بأجواء هوليوود الكلاسيكية.

لكن هناك شيء يكسر هذا الحلم منذ البداية: جيمي دويل.

يؤدي روبرت دي نيرو الشخصية بالطاقة العصبية نفسها التي ميزت عددًا من شخصياته مع سكورسيزي في السبعينيات. جيمي سريع، مندفع، متطلب، ومهووس بأن يلاحظه الآخرون. لذلك يبدو وجوده غريبًا داخل هذا العالم الجميل والمصقول؛ كأن سكورسيزي وضع شخصية تنتمي إلى سينما السبعينيات القاسية داخل فيلم موسيقي من الخمسينيات.

وهذا التناقض مقصود.

صحيح أن أبطال الأفلام الموسيقية القديمة كانوا أحيانًا مندفعين ومراوغين في علاقاتهم العاطفية، لكنهم كانوا عادة يمتلكون سحرًا يجعل الجمهور يتقبل تصرفاتهم. أما دي نيرو فلا يمنح جيمي هذا النوع من الجاذبية بسهولة. حين يحاول التقرب من فرانسين، التي تؤديها ليزا مينيلي، ندرك أنها ترى فيه رجلًا مزعجًا ومتطفلًا، ومع ذلك يواصل الضغط حتى تنجذب إليه تدريجيًا.

وهذا يجعل قصة الحب في النصف الأول غير مريحة عمدًا. لا نشاهد علاقة رومانسية حالمة، بل علاقة يتسلل إليها العنف النفسي والغيرة والأنانية منذ بدايتها.

ومن أجمل المشاهد التي تشرح علاقتهما مشهد النادي الليلي. يعزف جيمي بطريقة صاخبة وعدوانية، محاولًا إثبات نفسه أمام صاحب المكان، لكنه لا ينجح في إقناعه. ثم تبدأ فرانسين بالغناء معه، فيهدأ عزفه ويتغير.

المشهد بسيط، لكنه يقول الكثير: فرانسين تستطيع إخراج شيء أجمل من جيمي مما يستطيع هو إخراجه من نفسه. وربما لهذا تنجذب إليه أصلًا؛ لأنها ترى شخصًا يمكن إنقاذه، حتى لو كان هو نفسه لا يعرف كيف ينقذ نفسه.

وهنا نفهم لماذا اشتهر New York, New York طويلًا باعتباره تجربة غريبة وغير متوازنة. سكورسيزي يصنع فيلمًا موسيقيًا براقًا عن علاقة عاطفية شديدة الاضطراب. الصورة تنتمي إلى هوليوود القديمة، لكن المشاعر تنتمي إلى سينما السبعينيات الأكثر قسوة وواقعية.

ومع حمل فرانسين، واستمرار جيمي في الشرب والمخدرات والخيانة، تصبح المسافة بين الشكل الجميل والحقيقة المؤلمة أكبر.

لكن الفيلم يتغير جذريًا عندما تبدأ مسيرة جيمي الفنية بالتراجع، بينما تصعد فرانسين نحو النجومية.

عندها يتضح ما كان سكورسيزي يسعى إليه منذ البداية: صنع نسخته الخاصة من A Star Is Born، وهي مقارنة تحمل معنى إضافيًا لأن والدة ليزا مينيلي، جودي غارلاند، كانت بطلة أشهر نسخ ذلك الفيلم.

في البداية تبدو فرانسين الشخصية الأكثر هشاشة أمام جيمي، لكن الأدوار تنقلب تدريجيًا. هي تنضج وتنجح وتجد صوتها، بينما يعجز هو عن تحمل صعودها.

وتبلغ الفكرة ذروتها في فقرة Happy Endings الطويلة، التي تتحول تقريبًا إلى فيلم داخل الفيلم. تلعب فرانسين فيها دور امرأة تصعد من بدايات متواضعة إلى النجومية، بينما تعاني بسبب رجل لا يستطيع التعايش مع نجاحها.

وهنا تصبح الحدود بين فرانسين وليزا مينيلي نفسها أقل وضوحًا.

الفيلم لم يعد فقط عن امرأة تتفوق على الرجل الذي أحبته، بل أصبح أيضًا عن سكورسيزي وهو يحاول منح ليزا مينيلي فيلمًا يليق بإرثها السينمائي، وبإرث والديها: جودي غارلاند والمخرج فينسنت مينيلي، أحد أعظم مخرجي الأفلام الموسيقية في هوليوود.

وهذا يضيف بعدًا شخصيًا إلى الفيلم. جيمي يخشى أن تكون فرانسين فنانة أكبر منه، وفي الوقت نفسه يبدو سكورسيزي نفسه منشغلًا بسؤال مشابه: هل يستطيع صنع فيلم موسيقي يرقى إلى مستوى الأفلام التي صنعها الجيل السابق؟

لهذا تصبح رحلة فرانسين أكثر أهمية من رحلة جيمي.

حين تصل إلى أغنية New York, New York، لم تعد المرأة التي كانت تحاول احتواء رجل مضطرب. أصبحت فنانة تقف وحدها وتغني بصوتها، واثقة من موهبتها ومن حقها في أن تكون في مركز المشهد.

لكن المفارقة أن جيمي شارك في كتابة الأغنية.

وهنا تظهر واحدة من أجمل أفكار الفيلم: ربما فشل جيمي وفرانسين في بناء حياة مشتركة، لكنهما نجحا في صنع شيء معًا سيبقى بعد انتهاء علاقتهما.

الأغنية هي أفضل ما بقي من حبهما.

ولهذا يمكن النظر إلى New York, New York كله باعتباره قصة ولادة أغنية واحدة، وما تطلبه صنعها من حب وغيرة وطموح وفشل وألم.

وفي النهاية، يصبح الفيلم مثل كثير من أفلام سكورسيزي الأخرى: ليس مجرد قصة حب أو فيلم موسيقي، وإنما فيلم عن الثمن الذي يدفعه الإنسان من أجل الفن، وعن الألم الذي قد يتحول في النهاية إلى شيء جميل يبقى بعد رحيل أصحابه.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة