مراجعة Digger: هجاء يصرخ في وجه العالم ولا يجرح أحدًا

مقال مترجم

يحاول أليخاندرو غونزاليس إنياريتو تقديم هجاء سياسي عن جشع الأثرياء وانهيار العالم، لكنه يغرق في الصراخ والاستعراض، ويمنح توم كروز مساحة للتباهي أكثر مما يمنح أفكاره فرصة للتأثير.

يأتي فيلم “Digger” للمخرج أليخاندرو غونزاليس إنياريتو محمّلًا بالأفكار، ويجمع عددًا من الممثلين الموهوبين الذين يقدم كثير منهم بعض أسوأ ما قدموه في مسيرتهم. يتناول الفيلم قضايا شائكة، ويسعى مخرجه إلى التأمل في أحوال الحياة والكون وكل ما يقع بينهما. لكن من تابع حملته الترويجية قد يتوقع عملًا مختلفًا تمامًا؛ مهزلة ساخرة على طريقة “Dr. Strangelove“، تتناول مليارديرًا يقود العالم إلى كارثة بيئية شاملة.

توم كروز في دور ملياردير يكره العالم

يؤدي توم كروز شخصية ديغر روكويل، الرجل عديم الرحمة الذي يحمل الفيلم اسمه. وقد اختفى الممثل تقريبًا تحت طبقات من المكياج والأطراف الاصطناعية التي تغطي جسده من رأسه إلى أخمص قدميه. يتحدث بلكنة جنوبية أميركية حادة وصاخبة، ويتحرك باستعراض مبالغ فيه، كأنه باك، الشخصية المشاكسة من مسرحية شكسبير “A Midsummer Night’s Dream”، وقد فقد عقله تمامًا. وديغر، بطبيعة الحال، أبعد ما يكون عن الرجل الطيب. يعيش منعزلًا داخل مجمع فخم تغطي مظاهر الثراء كل زاوية فيه، ويدير منه مشاريعه الإجرامية المختلفة كما لو كان يحرك دمى بخيوط خفية. أما الكائن الوحيد الذي يحبه بصدق، فهو قط مريض، تجسده دمية آلية، ويحتاج إلى رعاية بيطرية يومية حتى لا ينتهي به الأمر إلى تقيؤ أحشائه.

أما البشر، فيعتقد بطلنا الشرير، الذي يستحضر شخصية إيلون ماسك، أن أفضل طريقة للتعامل معهم هي تجاهلهم أو إهانتهم، وربما الأمران معًا. ولهذا، عندما يتلقى اتصالًا من أحد مرؤوسيه المشرفين على منصة نفطية يملكها في غرينلاند، لا يرى في المكالمة أكثر من إزعاج يستحق الرد عليه باستطراد فاحش عن أحجام الأعضاء الذكرية، دون أي اهتمام آخر. لكن الأمور تتغير عندما تنفجر المنصة، وتتحرر كتلة جليدية هائلة إلى المحيط، يبلغ حجمها ما يكفي لإغراق مئة سفينة بحجم تيتانيك.

هذه بداية لا تخلو من الإمكانات، لكن إنياريتو يفرض على ممثليه مستوى ثابتًا من التوتر والصراخ، حتى يتحول انفعالهم المستمر إلى ضجيج يصعب احتماله. ويبرز جون غودمان خصوصًا في دور الرئيس كومبسون، رجل محدود الذكاء لكنه يمتلك صوتًا جهوريًا، فيواصل الصياح وإلقاء الخطب دون غاية يمكن تمييزها، كأنه الملك لير في نوبات احتضاره الأخيرة. ويختصر أداؤه المرهق، الذي يبذل فيه مجهودًا هائلًا بلا جدوى، طبيعة الثلث الأول من الفيلم؛ فهو يفتقر إلى حدة الهجاء السياسي وقدرة الكوميديا على الإضحاك، ويبقى عالقًا بين اتجاهات مختلفة دون أن يجد هويته الخاصة.

إخراج إنياريتو: طموح فكري يغرق في المبالغة

ثم يحدث تحول جذري في بناء الفيلم، يبدأ بنكتة بصرية ثقيلة عن شجرة تسقط داخل ممتلكات ديغر دون أن تُحدث صوتًا. أليست هذه فلسفة عميقة؟ لقد طُلب من النقاد عدم الكشف عن هذه المفاجأة، لذا يكفي القول إن الفيلم تربطه صلة بأحد أعمال إنياريتو السابقة التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على تداخل العرض المسرحي والوعي بطبيعة العمل الفني نفسه. وتستمر حكاية الكارثة العالمية بعد هذا الكشف، وقد اكتسبت سياقًا جديدًا، لكنه لا يقدم أي مبرر للأساليب المزعجة التي يصر الفيلم على استخدامها في حكايته الرمزية عن أمراض العصر.

ويستمر الممثلون في الصراخ والمبالغة. يقدم ريز أحمد، في دور غانيش، الرجل المقرب من ديغر الذي يتعرض لإساءاته باستمرار، مشهد سُكر طويلًا إلى حد محرج، وأكثر ما يعلق منه في الذاكرة صوته الذي يشبه الضفدع كيرميت وقد أصيب باضطراب عقلي حاد. أما روبرت جون بيرك، الممثل المعروف بأدواره الخشنة، فيؤدي شخصية القائد العسكري فيتزجيرالد بمبالغة تطال كل حركة وإيماءة، مجسدًا صورة متبجحة للرجولة العسكرية الأميركية التي تطلق النار أولًا ولا تكلف نفسها عناء طرح الأسئلة أصلًا. وتلفت الديكورات شديدة الأسلبة، التي صممها دينيس غاسنر، الأنظار في كثير من الأحيان. لكن المثير للاستغراب أن مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي يصور هذه الديكورات والشخصيات المبالغ في أدائها بصورة منفرة، مستخدمًا ألوانًا شاحبة وعدسة عين السمكة التي تشوه ملامح الوجوه، وكأنه يقدم تحية مشوهة على نحو غير مألوف لأسلوب يورغوس لانثيموس.

هل تنجح سخرية Digger من السلطة والثروة؟

من المفترض أن يكون “Digger” صرخة إنياريتو الغاضبة في وجه النخب التي تلتهم الثروات والموارد بلا حدود، لكنه ينجح بطريقة ما في التحول إلى استعراض فج لغرور توم كروز. يصرخ الممثل ويتباهى ويتخذ وضعيات استعراضية، ويقذف كل من يقع أمامه بعبارات حاقدة، خصوصًا خلال مونولوج مطول ومثقل بالكلام الفارغ عن اعتماد البشرية على الوقود الأحفوري. وكما هي الحال مع ديغر والممثل الذي يجسده، تبدو المشكلة دائمًا في الآخرين، أما هو فلا يرى في نفسه ما يستحق اللوم.

ويذهب النقد إلى أن كروز، بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بجماعة دينية يصفها الكاتب بأنها مسيئة لأتباعها، لم يعد يستحق كل هذا التساهل مع صورته العامة. ويقدم الممثل أفضل أداء له عادة عندما ينجح المخرجون في تقويض صورته المتضخمة عن نفسه وابتسامته الواثقة إلى حد الاستفزاز، كما حدث في “Eyes Wide Shut” و”War of the Worlds“. وتزداد المفارقة غرابة إذا تذكرنا أنه كان من أبرز الداعين إلى اندماج اثنين من استوديوهات هوليوود، أحدهما يتولى توزيع هذا الفيلم نفسه. وهي عملية يرى الكاتب أنها تنطوي على آثار مدمرة، ويشرف عليها ملياردير تنتمي عائلته إلى الجهات العديدة التي يحاول “Digger” مهاجمتها بصورة عشوائية. يا لها من مفارقة.

لطالما عرفت هوليوود تاريخًا طويلًا من الأعمال التي تعض اليد التي تطعمها، لكن أنياب “Digger” لا تبدو أكثر حدة من طقم أسنان اصطناعية أكل عليه الدهر وشرب، ولذلك لا تنجح في إحداث أي جرح. وفي أحد المشاهد، تتوقف الأحداث تمامًا لتلقي إحدى الشخصيات خطابًا متعاليًا ومطولًا عن ضرورة السخرية وأهميتها، فيبدو أن الفيلم قرر توجيه ما تبقى من أنيابه إلى جمهوره، وبقدر واضح من الاحتقار. ولا شك أن هذا سيجعل المشاهدين يتهافتون على شباك التذاكر! في النهاية، تكمن المتعة الوحيدة التي يمكن استخلاصها من هذه الكارثة السينمائية في مشاهدة فيلم يحفر قبره بيديه، بوضوح تام، ودون أدنى إدراك لما يفعله.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة