Kauwboy – 2012

Kauwboy

“في البداية, لم يكن هناك شيء… أي شيء على الإطلاق. وبعد ذلك تأتي الحياة.. ثم لا شيء مجدداً, لا شيء على الإطلاق“. بهذه الفلسفة الطفولية للحياة بين الولادة والموت, والتي يبدو أن الوالد قد زرعها في ذهن وحيده البالغ من العمر عشرة سنوات. يبحر المخرج الهولندي “بودوين كوله” في دواخلنا سابراً أغوار شخصية طفل حزين, يبدو غريب الأطوار نوعاً ما, عنيداً وصلباً.. لكنه في النهاية طفل يعيش في منزل والده حالة كآبة معينة, وتجتاحه نوبة من الثقة أن أمه الراحلة ما هي غائبة إلا كونها في جولة مع الفرقة الموسيقية التي تغني معها تأخذها بعيداً إلى أمريكا. يبدو الطفل وحيداً بعيداً نسبياً عن بقية الأطفال فلا نرى له أية صداقات تذكر… ونرى نوعاً من التجافي والتنافر بين الوالد (الذي قام بدوره لويك بيترز) والابن “يويو” (أداه الصغير الشقي ريك لينس).. ذاك التجافي الذي نعلم أنه سطحي وهامشي, فلا الوالد يتقصد أن يقسو على الولد, ولا الولد جاهل بمحبة والده له. إنما هو ظلام المأساة التي حولت الأسرة إلى حطام مظلم كئيب, بين زوج وحيد عمله لا يبدو كبيراً أو قادراً على تحقيق مستقبل واعد له ولولده, وولد انطوائي يمتلك الكثير من المشاعر والخصال الحميدة لكنه يرزح تحت تأثير هاتيك المأساة التي عكّرت له صفو طفولته.

نحتاج إلى أن نشاهد الموت حتى نفهمه” درسٌ يقدمه المخرج “كوله” لكل العائلة في عمل عائلي متميز بحق, دون إرهاق المشاهد بتفاصيل كثيرة محترماً أن العمل سيشاهده الصغار أيضاً. “كوله” الذي لم يقدّم حتى الآن في ثانية تجاربه الإخراجية المخصصة للسينما أي فيلم يمكن اعتباره بالطويل, يحقق في حوالي الساعة والثلث فقط هذه المرة الكثير من عبارات الثناء والمديح بدءاً من مهرجان برلين وحتى خروجه من القائمة قبل الأخيرة لمرشحي الأوسكار. ومن الواضح أن كسب الفيلم لجميع الجوائز التي ترشح لها حتى الآن يعد إنجازاً كبيراً له, مهما تفاوتت أهمية هاتيك الجوائز.

لا يمكن فهم علاقة الطفل الأشقر ذو الشعر الطويل “يويو” بفرخ الغراب الذي يجده ساقطاً من العش في الحديقة إلا من اتجاه حاجة الولد للحنان. ذلك الحنان الذي لم يكن يكفيه منه ما يظهره الأب المشغول قليل الكلام, والذي كان يتطلب دخول بعض الوجوه الجديدة -غير المتوفرة أساساً غي المحيط- إلى حياة الأسرة التي تقطن على ضفاف إحدى الغابات بعيداً عن صخب المدينة والجيران. وعليه فنجد أن ردة فعل الطفل حيال الطائر كانت محض عاطفية, فصبَّ “يويو” حنانه على الغراب المسكين الصغير, وأسمعه من موسيقاه وأغنيات أمه, وحدثه كصديق حميم مفقود من قبل في حياة الطفل. بل بحث له عن كل أسباب الحياة معه, فأطعمه من طعامه داخل منقاره الصغير… ودربه على الطيران, وأفهمه أن يخاف من الكلاب.. وراقب زغبه الصغير يكبر تلقائياً ليتحول إلى ريش مخملي داكن. ووصل إلى درجة أنه دخل إلى المكتبة ليبحث ويتوسع في سبل عيش الغربان ونوعية أطعمتها, وأصنافها وحجومها… وكان هاجسه المخيف الوحيد هو أن يعثر الوالد على الطائر الصغير فيرغمه على طرده من المنزل ويفقد بالتالي صديقه الوحيد. فـ”يويو” يدرك تمام الإدراك أن قناعة والده تقول أن “النباتات والحيوانات تنتمي إلى خارج المنزل” وهذا يعني دون أي مجال للحوار أن مكان طائره الأسود -سره الصغير- ليس معه في المنزل حيث يحب وحيث أحب الطائر لاحقاً أن يكون. .فقرر إخفاء صديقه “جاك”.. وهو الاسم الذي أطلقه “يويو” على صاحبه أسود الريش.

تعرّف “يويو” خلال الفيلم إلى بعض الأصدقاء من خلال فريق السباحة الذي هو منضمّ له, وبالأخص تلك الفتاة “ينته” التي لا تقل عنه في غرابة الأطوار, صاحبة العلكة المستمرة في نفخ بالونات منها. وخلال علاقة الطفل بباقي الصغار نجد أن لدى الطفل نزعة عدوانية نسبياً. من جهة أخرى نلاحظ أن الوالد كان يحاول امتصاص حالة الاحتقان العاطفي التي تجعل الطفل على هذا النحو, وذلك من خلال بعض التدريبات على القتال.

“يويو” لم يكن في داخل نفسه يقسو على أبيه, بل إنه خلال محادثاته الهاتفية الوهمية اليومية مع والدته, كان يحدثها بالكثير من الأكاذيب عن والده, فهو يصف لها جمال علاقتهما, ويمدح في حنان والده ومعاملته له, وقدرته على الطبخ لهما, وتدبر أمورهما المعيشية… كأنه يعرف أيما جرح يكلم به الوالد كما يكلم به هو الآخر, أو لعله يفضل الهروب من حقيقة مؤلفة خلف زيف طفولي بريء. لكن من ذا الذي يمكن أن يغير في قناعات الوالد الآن بخصوص الغراب الصغير الذي وعد أمه في أجد إتصالاته معها أن هدية يوم مولدها؟. صدام الوالد مع الولد كان صداماً سطيحاً نسبياً, لكنه كان قادراً على طغيان الحالة السوداوية التوحّدية على الولد من جديد. إلى أن قرر “يويو” أن يستعيد طائره دون إخبار أبيه بذلك. فاستمرت المغامرة حتى مأساة الطائر التي جعلت من الطفل يفهم حينها ما معنى الموت, ويعرف أن والدته الراحلة التي أصر من قبل على الاحتفال بيوم ميلادها لن تعود. بل إنه فهم تماماً دواخل الوالد الجريحة عند فقد الأعزاء, وذلك الحزن العميق والإحباط الدفين الذي ينغصّ عليهما متعة أي حديث مشترك, وعذره بعدما كان قد حقد عليه.

يحسن “كوله” فهم شخوص فيلمه وظروف حياتهم, فيخرج به إلى الطبيعة كأستوديو ضخم ذو إضاءات طبيعية؛ إذ تبدو المشاهد الداخلية محدودة في حين تجتاح الألوان الخضراء والمناظر الخلابة العمل من خلال كاميرا محمولة نشعر باليد تحملها وتنقلها. الغنائية الجميلة التي طُعّم فيها الفيلم عبر أغنيات ذات إيقاعات جميلة وكلمات بسيطة تبدو مناسبة جداً لفيلم موجه لجميع أفراد الأسرة؛ وأذكر بشكل خاص أغنية (You are the One) . ورغم بساطة السيناريو فـ”كوله” يحس بـ”يويو” بشكل مذهل فينفذ إلى تفصيلات الصغار الشقية, وأسرارهم الصغيرة الجميلة التي تشكل لهم ينابيع أمل في الحياة. ويظهر ذلك جلياً في تصرفات الفتى الطفولية والغريبة, مثلاُ في مضغه لعلكة صديقته “ينته” بعد أن ألصقتها تحت المقعد في نادي السباحة, وفي طريقته العنيفة في تنظيف أسنانه.. في رسوماته على الحيطان.. في قياسه طوله تدريجياً.. هي لحظات سعيدة عن الأطفال نفتقدها نحن من طفولتنا, ولكننا قد لا نرتضي أن نرى بعضها عند أطفالنا, ونعتبرها نوعاً من الشقاوة. وكان ذلك بالاستفادة من عفوية الطفل “ريك لينس” إذ أخرج “كوله” منه حركة الفيلم الأساسية. من جهة أخرى فبعض عناصر الفيلم تجعلني أتذكر كثيراً عناصر الموجة الجديدة ولا سيما في أسلوب التعاطي المباشر مع الأحداث, وطريقة المونتاج, واستخدام الطبيعة والإضاءة الطبيعية. ولستُ أدري هل تقصّد “كوله” ذلك أم أنه حدث تلقائياً وفق سير القصة.

في الفيلم مشهدان معبران جداً في رأيي الخاص.. الأول مشهد تحضيرات الطفل للاحتفال بيوم ميلاد أمه, حين يدخل والده بعنف منزعجاً من ذلك, فنرى “يويو”يغني باكياً “عيد ميلاد سعيد يا أمي” رافعاً صوته على صوت والده الذي يخبره أن أمه قد رحلت إلى الأبد. والمشهد الثاني هو المشهد الذي يكون فيه “يويو” فوق دراجته الهوائية سعيداً برفيقه الغراب “جاك” يرفرف وينعب حوله, فيحدث ذلك الحادث المؤلم الذي يوقف السعادة في المشهد فجأةً, ويجعل الطفل يستيقظ إلى حقيقة الموت, وأؤكد هنا أن غياب الموسيقى في هذا المشهد بالذات كان شيئاً رائعاً, فلا شك أن لا موسيقى عندها أفضل من حزننا الذاتي على ما جرى, وأصداء ألمنا ودموعنا على الطفل الذي فقد فرحة حياته.

Kauwboy ميلودراما صغيرة, محزنة ومبهجة معاً, عن الحب والخُسران والموت, تفيض شقاوة وإمتاعاً رغم بساطة القصة, لها نظرة فريدة عميقة تستحق الإعجاب بها.

IMDb | RT

أفاتار نزار عز الدين

نزار عز الدين

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading