The Man Who Will Come -2009
جلسَتْ على جذع شجرة في حديقتهم المنزلية, تحمل أخاها الرضيع المتبقي الوحيد لها من كل دنياها.. تنشد بصوت شجيّ أنشودة الطفولة المعذبة المشرّبة بكل ما في الحياة من بؤس وشقاء وضياع.. تشطح عيناها العسليتان إلى البعيد.. البعيد, ذلك المجهول المرعب الذي لا تعرف من أين سيأتي, وهل سيكون وردياً كأحلامها التي تلاشت أو أوشكت, أم سيطبع بقية حياتها بذات السواد الذي اعتاشت عليه. حقاً يا له من حظ سعيد أن تبقى على قيد الحياة..! صحيح هي نجت من الموت من مذبحة أهلها.. ولكن ألم تنجُ من الموت إلى الموت؟!.. وما هو الشيء القادر على أن يمحو من عقلية أطفال الحروب ونفوسهم ذلك العنف والدماء التي شاهدوها في صغرهم. فمن هو ذلك الرجل الذي سيأتي؟! هل هو “يسوع” المخلص الذي ينشر الرحمة على الأرض؟ أم أنه “عزرائيل” الذي يقبض الأرواح فيريح أصحابها من همومهم الدنيوية؟ أم أنه قاطع طريق يقتل ما تبقى من معانٍ للحياة في تلك العيون الحائرة.. أو لعله شخص طيب يعيد جزءاً من الألق المفقود ويبدل القلق سكينةً.
ذلك هو مشهد النهاية الذي أبدع به المخرج الإيطالي المعاصر Giorgio Diritti في إيصاله من فيلمه الذي يتحدث عن مدينته بولونيا, واصفاً مرارة مجزرة Marzabotto المريعة التي عاشتها المدينة عام 1944 على يد النازية. متخيراً أفضل مواقع التصوير في الريف الإيطالي لتعبر عن مآسي الحروب.. واضعاً أمامنا بشكل مرهف الحس حالة سينمائية متمايزة, ومؤكد أنه لاعبٌ متمرسٌ في السينما الإيطالية المعاصرة التي لطالما عملت أن تكون خليفةً يُحسب لها حساب لجنّة عشاق الفن السابع في عصرها الذهبي مع الأساطير السينمائية كفيليني وبازوليني, مشبعةً بواقعيتها أمام سينمات التجارة والمال والحاسوب والبرمجيات. ليخرج من فيلمه بمعزوفة ناي شجي تحرق الأفئدة وتبكي المشاعر.
Martina طفلة في الثامنة توفي أخوها بين ذراعيها لسبب مجهول, فانعقد لسانها وفقدت القدرة على الكلام. وعاقبت نفسُها نفسَها فأفقدتها الكثير من أوصاف الطفولة. حتى باتت موضع سخرية أقرانها من أطفال البلدة. تعيش في منزل جدها المُقعد على فراش الموت, وجدّتها العجوز المتصلبة الرأي, وArmando والدها المزارع الثائر, وLena والدتها الرؤوم الكادحة. حياة هذه الأسرة الريفية هي محور العمل الذي بُنيت عليه أساسات الفيلم. فالعمة عادت من المدينة المكتوية بنار الحرب بعقليةٍ ونفسيةٍ لم تعد تليق بالحالة “الفلاحية”, والأم كانت تشعر بثقل حملها الجديد في فترة عصيبة من حياة بلدها وحاجتها الماسّة للعمل إلى جانب زوجها, والأب الذي أصبح أقل قدرة على تأمين حاجيات منزله مع ازدياد جشع الإقطاعي مالك الأرض من جهة؛ والدعوات المتكررة له للإنضمام إلى الثوّار على حكم الفاشية. تلك التعقيدات أصبحت غير ذات معنى عند قدوم الألمان بعد ولادة الطفل.. فغدا الهمّ اليومي هو التهرب من الموت.. فمن يكسب في الحرب كما يرد على لسان أحد (هو من يبقى على قيد الحياة إلى نهايتها). لكن الهروب لن يدوم طويلاً مع ازدياد الجشع النازي, وازدياد الثوار المتخفّين في الجبال البولونية كذلك. فكانت النهاية الأبشع لسكان البلدة, نهايةٌ خطّتها دماؤهم دونما ذنب, وغناها أزيز الرصاص فوق جثثهم.. وكان حظّ الصغيرة أن تنجو بما يشبه الأعجوبة مع أخيها. فينطلق صوتها أخيراً بعد طول انقطاع “تهدهد” له علّه يوقف بكاءه.. تهدهد له تلك الأنشودة المفعمة بالكآبة وطعم الموت.. ناظرةً إلى الأفق حيرى لا تلوي على شيء..!
يبدو أن Diritti قرر أن يجرّعنا المأساة بهدوء.. فبداية الفيلم لا تكاد تبدو تحمل أية سخونةً تُذكر, فالمشاكل العائلية تبدو صغيرةً جداً, وخلافات الأهل متوفرةٌ بهذه الصورة في كل زمان ومكان.. إلا أن التصاعد الدراماتيكي للعمل يجعله يقفز فجأة لينحو منحى القضية الإنسانية مع دخول الغرباء الفارين من لهيب الحرب في المدينة إلى الريف بحثاً عن الأمان ليجمعهم الأمل مع أصحاب البلدة بإكمال الحياة , ثم ببدء التصرفات النازية الغريبة ضد أهالي القرية الذين لم يكن ذنبهم أول الأمر سوى التعاطف مع المحاربين. ويبدو أنه من جهة أخرى قد أصر على أن تظهر القرية بالطابع المسيحي في طقوس كنسية عديدة؛ حتى قبل لجوء النسوة والأطفال إلى الكنيسة كدار عبادة “يٌفترض” أن لا تكون ضحيّة أي معارك حربية.. وصادق على وجود الاعتقاد حينذاك بأن “المسّ” هو سبب العلل المجهولة الأسباب من خلال كلمات السخرية التي وجهها الصغار لـMartina الخرساء..
وقد عمل المخرج على تفصيلات اجتماعية وبصرية لونية رائعة في إظهار الريف الإيطالي في فترة الأربعينيات في القرن الفائت, من ناحية بدء تسلل التعلم إلى الجيل الصاعد على عكس سابقه, موضحاً أساليب العيش السقيمة, ومبرزاً تباين الأفكار بين الريف والمدينة, مركزاً على مناظر خلابة من الحقول والغابات والمنازل الأثرية بما يخدم غرضه في جعلنا أكثر تعلقاً بتلك البلدة وبالتالي إحساساً بمأساتها.. ورغم قلة الحوارات إلا أنه لا تظهر عيوب في السيناريو فلقد استعاض في كثير من الأوقات بالصورة عن الصوت وحتى عن الموسيقى أحياناً, ولا سيما في حين سرد أحداث هي في الأساس تتم بهدوء وسكون..
ويبدو أن Giorgio Diritti الذي تتلمذ على يدي المخرج الشهير Ermanno Olmi قد وُفّق في اختيار طاقمه فالصغيرة Greta Zuccheri Montanari تألقت بشكل ملفت للإعجاب في دورها الأخرس. في حين كانت Maya Sansa وClaudio Casadio واثقين جداً من قدرتهما على أن يقدما الحالتين المتميزتين للوالدين المكافحين. وقد أعجبني جداً أداء Alba Rohrwacher كعمّة متحررة قديرة ثم مناضلة.. وللموسيقى كلام آخر يصعب التحدث فيه أو عنه.
قبل ختام مطالعتي سأتوقف عند نص شديد الإيحاء, يرد في مذكرات الصغيرة Martina الخرساء كفلسفة طفولية للحرب لا تعي إطلاقاً كنه السياسة.. تقول فيه التالي:
((عائلتي من المزارعين, هناك القليل منهم.. ولكن لي أخاً صغيراً قادماً. يعملون في الأرض لرجل لديه حصان جميل, لكن والدي يقول أنه يأخذ الكثير من الحصاد, وأنه ما زال سيّداً. أحياناً الألمان يأتون ليبتاعوا بعض الأشياء, هم لا يتحدثون الإيطالية وأنا لا أعلم لماذا يأتون هنا, في حين يمكنهم أن يكونوا في منازلهم مع أولادهم, لأن لديهم أطفال أيضاً. عند الألمان بنادق, وهم يطلقون النار على العدو, لكنني لا أعرف من هو العدو. سمعتُ أنهم في حرب ضد الحلفاء, لكنني لم أرهم مطلقاً. ثم أن هناك الثوّار الذين يحاربون لأنهم يقولون أن على الألمان الرحيل. لدى الثوار أسلحة كذلك, ومعظمهم يتحدث لغتنا ويرتدي مثلنا. …هناك فاشيون أيضاً, يأتون ويتحدّثون لغتنا كذلك, لكنهم يصيحون ويقولون أن الثوار قطاع طرق يجب أن يُقتَلوا. هذا ما أفهمه: كثير من الناس يريدون قتل الآخرين, لكنني لا أعرف لماذا)).




