The End of the Affair – 1999
خُلقت النساء لتُعشق, لا ليتم فهمها..
أوسكار وايلد (مسرحي وروائي أنجليزي)
الإيمان كالكهرباء, لا يمكنك رؤيته, لكنك ترى نوره..
أوزوالد شامبلر (راهب وسياسي اسكتلندي)
فور انسياب تلك الموسيقى الرائعة في بداية الفيلم نشعر أننا أمام حالة عاطفية عميقة جداً, قد لا تضعنا بشكل مباشر أمام أية حالة إيمانية.. لكنها تتصاعد سينمائياً من الحب للبشر إلى حب الله.. ومن حب القريب إلى العين إلى حب من لا تراه العين.. لن أنكر أن الفيلم يتحدث عن الخيانة الزوجية؛ ولا أن فيه الكثير من المشاهد المثيرة, لكنه حكاية امرأة خاطئة تجد الله بعدما ضلّت عنه كثيراً.. تخرج فجأةً من حال الإنكار إلى حال الإقتناع, فنحن دائماً نخرج من العتمة ولو ببارقة نور صغيرة.. فينلبج النور قاطعاً المسافات بسرعة عظيمة منهياً زمان الظلمة.. وكلنا ندرك أن هذا ليس عصر المعجزات.. ولكن قدرة الله أعلى من أية قدرة..
الوعد الغريب الذي يطلقه Neil Jordan هنا: كم أنت قادر على الوفاء بوعودك للناس.. والأهم كم أنت قادر على الوفاء بعهد مع الله.. قد يسخر كثيرون من هذه الفكرة.. ولكنها موجودة في كل عصر.. فكم وعدنا أنفسنا بالامتناع عن شيء ما أو ربما بالقيام بشيء معين وأخلفنا وعودنا. بل لأزيد القارئ من الشعر بيتاً فما أكثر ما قطعنا وعوداً بالتوبة عن أشياء معيناً وخلفنا عهدنا الذي هو عهد مع الله لا البشر.. ولندرك السبب فنحن مخلوقات هشة عاطفية, وأحياناً منقادون بسبب رغباتنا أو حتى تفاهاتنا التي تتحكم بتفاصيلنا اليومية على شكل اعتياد.. والاعتياد مرض سيجعل أي شيء فيه عسيراً على التخلص منه بسهولة.
من الصعب التحدث عن الفيلم بتسلسله المطروح.. وطريقة الفلاش باك في هذا العمل كانت رائعة جداً وأثيرة بالتوقف طويلاً لدراستها, فهي بحد ذاتها عامل مهم من عوامل إظهاره برونق متميز..
سارة (Julianne Moore) محور العمل؛ هي زوجة هنري مايلز (Stephen Rea) أحد كبار مسؤولي الحكومة البريطانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية, وعمله هذا يجعل منه رجلاً مشغولاً وتحت الأضواء. أما بيندركس (Ralph Fiennes) فهو أحد الروائيين الناشئين في تلك الفترة, وجار لعائلة مايلز. لقاء عابر تحت المطر بين هنري وبندريكس يبدأ الأحداث, فهنري يشكو لبندريكس ظنونه أن زوجته سارة تخونه . ويبدأ اهتمام بندريكس بالموضوع ليس كونه جار أو كاتب.. بل لأنه في الحقيقة عشيق سابق للزوجة, فيحاول جاهداً الإلحاح في معرفة الحقيقة عمّن تواعد حالياً.. ويكلف تحرّيًا خاصاً للبحث في الأمر نيابة عن الزوج!.. وخلال تلك المدة التي توصله من خلال التحرّيات إلى بصيص أمل حول معرفة العشيق الجديد.. يستذكر بندريكس ذكرياته مع سارة.. كيف كان يواعدها.. وكم تغزّل بها.. وكم كانت هي بالمقابل تخبره أنه حب حياتها الذي لا ينتهي.. لنكتشف أن حادثة غريبة قد حصلت بينهما غيّرت من سلوك سارة ومعاملتها لعشيقها بندريكس؛ فعند إنفجار قنبلة خلال الحرب في المنزل الذي كانا يتواعدان فيه يسقط بندريكس من أعلى الدرج إلى أسفل فيغيب عن الوعي, وحين يصحو مضرّجاً بدمائه ويعود إليها في الغرفة الواقعة أعلى الدرج, يجد أنها فجأة أصبحت باردة حياله كأنها تمنّت لو أنه مات!.. ثم تنقطع العلاقة بينهما من طرفها دون وجود مبرر واضح..
متابعات التحرّي الخاص برفقة ولده اليافع -الذي يمتلك وحمة تغطي نصف وجهه-, أدت إلى كشف الرجل الجديد الذي تتردد عليه سارة -مع أن صحتها تسوء-, فكان أن وجدوا أنه راهب في كنيسة.. وقد تم التأكد من الأمر بعدما خرجت سارة من منزله فوجدت ابن المتحري على قارعة الطريق, فظنته ولداً متشرداً فقبّلته على خدّه فوق وحمته وأوصلته إلى منزله.. وبعد زيارة استفزازية إلى منزل الراهب قام بها بندريكس (اللا ديني) محاولاً أخذ بعض الحقائق منه حول علاقته بسارة, فإنه يفشل في الحصول على أية معلومات. فيصرّ على استكمال البحث عن الحقيقة, ويلجأ إلى تكليف التحرّي بالبحث في أغراض سارة داخل منزلها؛ خلال حفلة أقيمت داخل منزل السياسي -زوجها- بسبب انتهاء الحرب. فيتمكن من الحصول على دفتر يوميات سارة الذي يقلب كل الأحداث رأساً على عقب.
وبدأ الروائي بقراءة يوميات عشيقته المتزوجة.. فراعه ما فيها. وعلم فجأة أن العهد الذي قطعتهُ حبيبته له ما زال سارياً؛ لكن هناك وعداً أشد وأعمق يؤرقها ويقتل حياتها.. يفهم تماماً سر البرود الذي اعتراها بعد حادثة الإنفجار.. ويُعاد مشهد الإنفجار هذه المرة من الناحية الأخرى -ناحية سارة-, التي نراها مع وقوع بندريكس عن الدرج تهرع له كحمامة فقدت شريكها أو لبوءة جريحة صارخة حزينة.. تضع يدها على وجهه المضرج بالدماء فتحس ببرودة تسري في جسده ولا تسمع له نبضاً.. وتبدأ سارة تتلو صلاتها إلى الله -الذي لم تؤمن به يوماً قبل ذلك- ترجوه أن يعيد لها حبيبها إلى الحياة مهما كان الثمن, تعاهده بيأس أنها لن تعود لبندريكس من جديد إن عاد على قيد الحياة.. وتأتي المفاجأة حين يدخل بندريكس -على شكل معجزة تتحقق- إلى الغرفة العلوية حيث سارة توشك أن تنهي صلاتها.. فتضطرب بين شعور الحب لحبيبها المستعيد الروح, وبين عهدها الذي قطعته للتو مع خالقها.. وتخرج مسرعة متأكدة من وجود الله, بل ميقنة أنه يسمع الدعاء الطيب الذي يخرج من القلب من كل إنسان مهما كان مثقلاً بالخطايا..!
ويهوج العاشق ويموج مع قراءة ذلك.. ويشعر بالكراهية التي كانت تتملّكه حيال سارة المنقطعة عنه دون سبب, تتحول إلى حالة كره وغضب من الإيمان بالله الذي حل على عشيقته بهذه الصورة, فأخرجه هو من حياتها.. ويصمم على ترميم علاقته بها, فيحاول التحدث لها.. وحين ينجح في التواصل معها تصر الزوجة على الإنفصال عن زوجها قبل أن تستعيد علاقتها به لكي تكون على خطى صحيحة.. فلا يجد بندريكس أي خيار لكنه يأخذها ويرتحل بها من منزلها بموافقتها, ظناً منهما أن الزوجة الخائنة يسهل طلاقها من زوجها وفق التعاليم الكنسية.. لذا فحين يرسل هنري -زوجها- بالرجل المتحري من جديد للبحث عن سارة يحاول بندريكس تسهيل المهمة له ليبلغ الزوج برغبة سارة بالطلاق لتصبح حرة.
ويرفض القدر من جديد هذه العلاقة.. حيث يتبين أن سارة في آخر أيامها.. ويتفاجأ بندريكس بهنري الذي مع معرفته بمرض زوجته يغفر لها خيانتها, بل إنه يطلب من بندريكس أن يقيم معهما في المنزل لكي تكون آخر أيام سارة في بيت زوجها دون فضيحة أمام الناس.. وهذا ما يكون.. وكنوع من الرضا أو الإحباط يقول هنري لبندريكس “كنت أعلم أنها تخونني, وكنت سأكون غاضباً جداً منها, إلا أنني سعيد أنه كان أنت”.. وإثر وفاتها, ومع رفض بندريكس أن يتم دفن سارة على الطريقة الكاثوليكية, وإرغامه لزوجها على الالتزام برأيه, نكتشف أن سارة حققت معجزة أخرى؛ فقد أصر ابن التحرّي الخاص أن قبلة سارة على وحمته هي من أزالتها من وجهه.
وينتهي العمل ببندريكس يكمل روايته الاتي تتحدث عن حياته هذه المرة , مصاباً بنوع من الأسى فهو الآن يدرك أن الله موجود.. لكن إيمانه هذا كان من خلال درس قاسٍ لا يُنسى.. وعارفاً تمام المعرفة أن نهاية العلاقة كانت بداية حالة إيمانية -بقي هو لا يستسيغها- ويتأكد أن بوسعنا أن نحب من لا نراه.
يمتلك عمل The End of the Affair كل عوامل الفيلم الجيّد.. فقد أحسن الكاتب اختيار القصة التي تبدو قريبة من القلب ولا تحتاج إلى الكثير من التأويل, وببساطة الأسلوب الدرامي البريطاني نعيش حالة حب عظيمة لا تبتعد في وقائعها عن المالوف لكنها تحمل أبعاداً كثيرة إيمانية وفلسفية ورومانسية. قد يعيب العمل كثرة المشاهد الجنسية, ويبدو أن غرض المؤلف منها كان جعلنا نتعلق بالشخصيات أكثر وندرك كم هي أساساً في حالة الوله الكبير الوثيق العرى.. ليس في النص الكثير من الكلام بل الكثير من الهدوء مع جمل قصيرة, وهذا أعطى الممثلين حرية كبيرة في تقديم مواهبهم التمثيلية وتحريك الأحداث. أما المشاهد فقد كانت مائلة نسبياً نحو الطول, وهذا قد يناسب أكثر العمل الروماتنسي الذي لا يحتاج إلى تشويق حركيّ أو مؤثرات بصرية. والفكرة العظيمة التي حاول الفيلم بثها تبدو أثيرة جداً بالتوقف عندها, فالإيمان موجود بالفطرة في كل الأرواح حتى الخاطئة منها, لكنه ينتظر الدافع والمبادرة؛ أو حتى الصفعة العظيمة, ليظفو على السطح.
فنياً.. لا أشك للحظة أن مشهد انفجار القنبلة -حسب رواية سارة- واحد من أجمل المشاهد السينمائية التي شاهدتها على الإطلاق. وأداء Ralph Fiennes وJulianne Moore كبير بشكل مدوٍّ ومقنع إلى درجة تقمص الشخصية. من ناحية المونتاج فيبدو المونتاج احترافياً لا سيما مع حسن استخدام الفلاش باك؛ وبعثرة الأحداث بصورة غير منظمة ولكنها رائعة تناسب الإنطباعات التي ينوي الفيلم أن يبثها في روح مشاهده. والتصوير تحت المطر قد أعطى الأحداث نوعاً من الكآبة الميلودرامية المقصودة ليُخرج حكاية حب تستحق المشاهدة. وقد تم تدعيم العمل بموسيقى رائعة جدأ لـMichael Nyman استعمل فيها الكمان والبيانو بشكل خاص بصورة تكرارية نسيباً توافق تكراية الأحداث؛ تم توظيفها لتخدم الأعماق الفلسفية والإيمانية والعاطفية جميعاً.. الأزياء مميزة والماكياج مدروس بعناية ليلائما للشخصيات ووظيفتها ومكانتها في المجتمع فيظهرا العمل بصورة براقة جميلة.


