Lawrence of Arabia – 1962
“I pray that I may never see the desert again. Hear me, God.”
ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.
كم كان عملاً جريئاً ومجنوناً هو صنع فيلم (لورانس العرب)، أو حتى التفكير بإمكانية إنتاجه. وبكلمات صدرت بعد سنوات عن عمر شريف أحد أبطال العمل: “إن كنت رجلاً ثرياً وجاءك أحدهم وقال لك أنه يريد صنع فيلم مدته أربع ساعات دون أي ممثلين معروفين أو أية نساء أو قصة حب أو الكثير من مشاهد الحركة أيضاً، وأنه ينوي إنفاق مبلغاً طائلاً كي يصوره في الصحراء، فماذا ستجاوبه؟”
إن الدافع وراء صنع هذا الفيلم بنيَ على ملكة الخيال أكثر من أي شيء آخر، فقصة “لورانس” لا ترتكز على مشاهد حربية عنيفة أو ميلودراما مبتذلة، بل على قدرة ديفيد لين في تخيل شعور مشاهدة بقعة تظهر فوق أفق الصحراء، وتحولها ببطء إلى كائن بشري. كان عليه أن يعرف هذا الشعور قبل إقناع نفسه بأن هذا المشروع له أية فرصة بالنجاح.
ثمة لحظة في الفيلم حين ينجو بطله تي. إي. لورانس الجندي الغريب والكاتب البريطاني من رحلة معقدة انتحارية عبر الصحراء وهو على مقربة من ملجأ وماء، قبل أن يلتف ويعود إلى الخلف ليبحث عن صديقه الذي تأخر باللحاق به. يحضرنا هذا المقطع إلى اللقطة التي تنتج بها البقعة بروية عبر حرارة الصحراء اللاذعة قبل تحولها إلى هيئة رجل، وهي لقطة تتثبت على الشاشة لفترة طويلة قبل أن نتمكن من رؤية شكله المصغر. هذا كله لا يظهر أبدأ على شاشة التلفاز، لا يمكنك رؤية شيء منه. لكن على الشاشة الكبيرة وبوضوح نسخة الـ70 ملم الصافية، ننحني إلى الأمام ونجهد للخروج بتفاصيل من أمواج الحرارة هذه، ونشهد للحظة شيئاً من ضخامة الصحراء الفعلية وقسوتها التي لا تعرف الرحمة.
وبنجاحه في تخيل ذلك المقطع، عرف لين أن الفيلم سيرى النور. فـ(لورانس العرب) ليس سيرة ذاتية تقليدية أو فيلم مغامرات وحسب رغم أنه يحتوي على هذين العنصرين، بل هو أيضاً فيلم يوظف الصحراء لتكون مسرحاً لعرض رجل مهووس وفريد من نوعه. صحيح أن لورانس كان مهندساً في حث قبائل الصحراء المساندة للجانب البريطاني في حملتهم ضد الأتراك بالفترة ما بين 1914 و1917، بيد أن الفيلم يقترح أن دوافعه لم تكن وطنيةً بقدر الحاجة لرفض أعراف المجتمع البريطاني، باختياره التعرف على شدة العرب ومبالغتهم. ناهيك على العنصر الجنسي المتعلق بانحرافه الجنسي.
إن تي. إي. لورانس بلا ريب هو أغرب بطل تتمحور حوله ملحمة سينمائية، ولين اختار واحد من أغرب الممثلين لأداء دوره، بيتر أوتويل، رجل أخرق بطول هزيل ووجه جميل صلب وأسلوب تكلم يقف بين المزاح والعجرفة. وعليه فمهمة أوتول كان حساسة. وبالرغم من معرفة الكثيرين أن لورانس كان شاذاً، لم يكن بمقدور فيلم ملحمي بملايين الدورات صُنع في العام 1962 أن يعرض هذا الموضوع بصراحة. بيد أن لين وكاتبه روبيرت بولت لم يستسلما بسهولة لإعادة كتابة الشخصية على طريقة بطل الحركة التقليدي. كل شيء موجود هنا لأولئك الراغبين بالبحث عنه.
وعلى إثر استخدام طريقة أوتول الخطابية الغريبة وسلوكه كأداة لهما، فقد تمكنا من توليف شخصية تجمع بين الجاذبية والجنون، ومختلفة كثيراً عن الأبطال الحربيين التقليديين لدرجة مكنته من إلهام العرب لقيادتهم في سير جنوني عبر الصحراء. وهنالك موقف في الفيلم حين يقوم أوتول برقصة من فرحة الانتصار على قمة قطار تركي مأسور مرتدياً عباءة بيضاء متطايرة كشيخ الصحراء، ويبدو فيه كأنه يأخذ وضعيات لعدسات مصوري الأزياء. إنه مشهد مثير للاهتمام لأنه يبدو متباهياً بالأنماط الشاذة، ومع هذا لا تلاحظ بقية الشخصيات في الفيلم أياً منها، ولا حتى الولدين اللذين يقوم لورانس بوضعهما تحت حمايته.
ما يوفره كل من لين وبولت وأوتول هو رجل غير اعتيادي بميوله الجنسية والاجتماعية ومقدم ببساطة كما هو فعلاً دون عناوين أو تعليقات. هل بإمكان رجل كهذا قيادة قبائل الصحراء المنشقة والفوز في حرب ضد الأتراك؟ لورانس فعلها. غير أنه نجح بذلك بتلقيه بعض الدعايات كما يقترح العمل؛ فإحدى الشخصيات الرئيسة هي لصحفي أمريكي (آرثر كينيدي) – المستلهمة من لويل ثوماس كما هو بين – الذي مهد وروج لأسطورة لورانس إلى الصحافة الإنجليزية بمفرده. والصحفي نفسه يقرّ أنه يبحث عن بطل ليكتب عنه، ولورانس مسرور لشغل هذا الدور، وهذا الدور التمثيلي تحديداً هو الذي يفي بالغرض؛ أما بطل عسكري اعتيادي سيكون أقل شأناً لهذا الفيلم.
وبالنسبة لفيلم مدته 216 دقيقة، مع الاستراحة، نلحظ عدم تأججه بالكثير من تفاصيل الحبكة، فهو عمل مقتصد بجمل مهذبة ومنمقة، ولا تشك للحظة تجاه التفاصيل المنطقية لحملات الفيلم المتعددة. كما أن العمل يشير إلى لقدرة لورانس على توحيد فصائل صحراوية مختلفة لأنه (1) من الواضح جهله لشتى العداوات القبلية التاريخية، فما بالك أن ينحاز لأحد منها؛ و(2) لأنه قادر على إقناع العرب بأن خوضهم للحرب ضد الأتراك هو أمر من مصلحتهم. وخلال مشواره يعقد لورانس تحالفات مع شيوخ بدوية مثل شريف علي (عمر الشريف) والأمير فيصل (أليك غينيس) وعدي طائي (أنثوني كوين)، ونجح بذلك من خلال نيل احترامهم واحتكامه لمنطقهم. إن الحوار الموجود في هذه المشاهد ليس معقداً وأحيانا الكاتب بولت يتعمد التقليل منه ليبدو شاعري الطابع.
لقد لاحظت أن الناس حين يتذكرون (لورانس العرب) لا يتحدثون حول تفاصيل الحبكة، بل تغمر عيونهم نظرة معينة وكأنهم يسترجعون تجربة الفيلم ككل، ويعجزون عن وصفها بالكلمات. ومع أنه يبدو عملاً سردياً مثل (جسر على نهر كواي) الذي صنعه لين قبله أو (دكتور زيفاغو) الذي قدمه بعده، إلا أنه مشابه أكثر لملاحم ذات خصال بصرية مثل (2001) لكوبريك أو (ألكسندر نيفسكي) لآيزنشتاين. فمشاهده وتجربته وأفكاره تحكي أموراً يمكنك رؤيتها والشعور بها لكن لا يمكنك وصفها. ونسبة كبيرة من شعبيته تعود لبساطة قصته وحواره الغزير؛ فنتذكر الطرق الهادئة الفارغة وبزوغ الشمس فوق الصحراء والخطوط الغليظة التي تترك أثرها عبر رياح الصحراء.
وبالرغم من فوز العمل بجائزة أوسكار أفضل فيلم في العام 1962، فقد كان من الممكن لـ(لورانس العرب) أن يضيع لولا جهود المؤرخان السينمائيان روبيرت آي. هاريس وجيم باينتن اللذان اكتشفا النسخة الأصلية للفيلم في سراديب شركة كولومبيا داخل علب محطمة وصدئة، وهذا باستثناء 35 دقيقة من المشاهد التي حذفها الموزعون من نسخة لين الأخيرة. وقد عمل الرجلان سوياً، وأحياناً على ترميم كل إطار على حدا (أرسل هاريس إلي إحدى العلب المحطمة كمثال على إهمال هوليوود في معاملة إرثها السينمائي).
إن مشاهدة العمل في صالة سينمائية يتيح لك تقدير حرفية تصوير إف. آي. (فريدي) يانغ للصحراء التي يبتكرها رغم الحرارة العمياء والرمال العاصفة الحاضرة في كل مشهد. فلروانس العرب كان أحد آخر الأعمال المصورة بنظام الـ70 ملم (بدلاً من تحويله إلى 70 من صور 35 ملم أصلية). فقد كان هناك رغبة كبيرة عند سينمائيين مثل لين (وكوبريك وكوبولا وتراكوفسكي وكرواساوا وستون) لتجاوز الحدود وتحقيق أفكاراً كبيرة والتجرؤ بعرضها على منتجي الأفلام محدودي العقول. وكلمة “ملحمة” باتت مرادفة في السنوات الأخيرة للـ”الأفلام الضخمة من الدرجة الثانية”. ما تدركه أثناء مشاهدتك للورانس العرب أن كلمة “ملحمة” لا تعكسها الميزانية أو الإنتاج المهول بل حجم الأفكار والرؤيا الفنية. علماً أن فيلم (أغيري، غضب الله) للمخرج ورانر هيرزوغ لم يصرف عليه من الأموال التي دفعت لتحضير الطعام في فيلم (بيرل هاربر)، بيد أن الأول يعتبر ملحمياً على نقيض الثاني.
أما (لورانس) فقد عاد إلى أشرطة الفيديو بعد إعادة إصداره المذهلة بنسخة الـ70 ملم في العام 1989 ليتقوقع داخل علبته كرجل طويل في غرفة صغيرة. وعليه يمكنك مشاهدة (لورانس العرب) على أشرطة الفيديو لتحصل على فكرة عن القصة ولمحة عن أهميته، لكن لتستشعر تحفة لين هذه عليك أن تشاهده بأي وسيلة وأي مكان بنسخة الـ70 ملم على الشاشة الكبيرة. وهذه التجربة موجودة في قائمة أهم الأمور التي يجب أن يقوم بها أي محب للأفلام.




السلام عليكم
شكراً لك على التقرير لتحفة ديفيد لين الخالدة لورانس العرب
العمل متعب أن اصفه لأنه رائعة خالدة و من أفضل 10 أفلام شاهدتها بحياتي
و الجميل أن الفيلم لا يوجد به تحريف للحقائق كل الحقائق بالفعل جرت
أين أجد نسخة ال70 ملم ؟ هل هي متوفرة في الانترنت
شكراً لك استاذ مهند