Somewhere – 2010
ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.
لا تخلط بين ما يشعر به وبين قضية الوجودية، فما يمر به لا دخل له بالفلسفة. إنه على يقين بخوائه من أي قيمة، ويبدو أنه على الصواب بذلك. هذه المسألة تدعى الاكتئاب، وقد تكون نظرة واقعية على الوضع الذي يمر فيه وحسب.
ينزل جوني ماركو (ستيفن دورف) في أحد أجنحة شاتو مارمونت، ذلك الفندق الصغير الذي لجأ إليه أجيال من هاربي هوليوود، ويجد نفسه رجلاً أجوف الحال. إنه نجم سينمائي بما يتوفر له من خيارات المال والشهرة والجنس والمخدرات. يرى بأن الشهرة بلا قيمة لأنها لا تعود عليه بشيء، والجنس ينطوي على ألاعيب الأعضاء التناسلية الخاوية من الأحاسيس. يشرب ويتعاطى المخدرات فينتشي لكن دون الشعور بالمتعة.
يقوم الممثل بطلب حضور راقصتي تعري توأمتين شقراوين إلى غرفته مرتين، فيجهزا معداتهما المتنقلة ويؤديا رقصات منسقة على العامود، دون ممارسة الجنس. يقدم الممثل الحقيقة التي تفيد بأنك إن حدقت نظرك في الحائط لمدة معينة كافية أثناء رقص توأمتين شقراوتين على العامود أمامه فإن جمود الحائط سيزول.
يعرض فيلم (في مكان ما) للمخرجة صوفيا كوبولا – كما هو حال فيلم (تائه في الترجمة) للعام 2003 – رجلاً منفصلاً عن عائلته ينزل وحيداً في فندق، وافتتاحيته تشبه تلك التي يبدأ بها فيلم (الأرنب البني) للمخرج فنسينت غالو للعام 2003 أيضاً: لقطة مطولة لسيارة تلتف حول طريق ما بسرعة حادة. إنه تشبيه لرجل في سباق جنوني نحو الفراغ. يهاتف بيل موري في “ضائع في الترجمة” بيته من اليابان بطريقة إلزامية كئيبة، وجوني الذي يؤديه دورف هنا يمضي وقتاً إلزامياً مع ابنته سليو (إلي فانينغ) ذات السنوات الإحدى عشر، ومن الواضح أن علاقتهما سطحية تماماً.
ربما يكون من المفيد الحديث عن فندق شاتو مارمونت بما أن الكثير من مجريات الفيلم تدور في أرجاءه، إنه ليس من الفنادق الرخيصة لكن لا أحد ينزل فيه بنية الترف والبذخ. أهم ما يوفره المكان هي إدارة لا تتدخل بحياة النزلاء، وما يحدث في الشاتو مارمونت لا يحرج منه. وكثيراً ما يشبّه بنزل شهير آخر يبعد عنه مسافة بسيطة اسمه سانسيت ماركيز. بيد أني أشعر بأن الشاتو مفيد أكثر للنزلاء الذين لا يبحثون عن السرية بقدر حاجتهم للعزلة. ثمة مشهد يعرض جوني وهو يهز برأسه للممثل بينيسيو ديل تورو في المصعد، أراهن أن ديل تورو كان ينزل في الفندق فعلاً آنذاك. كلاهما ينتظر الوصول إلى الطابق المطلوب فقط.
فكرة غرق نجم سينمائي في العزلة والاكتئاب ليست جديدة، ففيلم (الأيام الأخيرة) للمخرج غاس غان زانت للعام 2005 قدم فيه مايكل بيت شخصية مستندة جلياً على حياة كيرت كوبين. لكن ما يميز فيلم كوبولا هي تفاصيل تجسديها لحياة المشاهير. تذكر أنها كانت البنت الصغيرة ولاحقاً الممثلة اليافعة في مواقع تصوير أفلام والدها، والآن بما أننا شاهدها كم هي دقيقة الملاحظة، يمكننا التفكر بما قد فهمته عن حياة المشاهير منذ البداية، لقد كانت ابنة مايكل كورليوني.
يحتوي (في مكان ما) الفائز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية للعام 2010 مثلاً على تجسيد دقيق للطريقة التي يعمل بها وكلاء الإعلام من وجهة نظر عملائهم، يعضهم يوطد صداقات معهم والبعض الآخر يبقون علاقتهم عملية بحتة، لكن خلال كل ذلك تبدو وظيفتهم مثل عمل الوالدين والوصايا. كما يتطلب عقد الممثل منه إجراء بعض المقابلات الصحفية، يرن الهاتف ويخبره الوكيل أين يذهب وما يفعل، فيعتري الممثل شيئاً من السلبية. السيارة موجودة، فيستقلها. الصحافة حاضرة، فيتحدث معها. بعض النجوم أكثر اهتماماً وإثارة للاهتمام، على عكس جوني. يسافر إلى ميلان ليحصل على جائزة، فيسير الحفل كأنها رحلة بباص مزود بحوض للجاكوزي.
يبدو أنه يعاني من مرض انعدام التلذذ، وهو عدم القدرة على الإحساس بالمتعة. وربما يكاد لا يشعر بشيء. يقترح الفيلم بطريقة غير مباشرة بعض الأسباب المؤدية لحالته هذه، وهو ليس تشخيص ولا حتى وصفة دواء لما يمر به. نشاهد كيف يحدق جوني في الحائط والفيلم يبادله النظرات.
هذه المسألة مميزة أكثر مما تعتقد، فكوبولا تراقب هذا العالم، وهؤلاء الغرباء المألوفين – الممثلين – بنظر طاقم عمل الفندق الذين يعرفون بعضهم من الاسم الأول فقط لأن عالم النجم قد صغر بهدف أن يساعدونه. والعاهرات وشريكات الجنس يرحن ويجئن، وهناك الحفلات المليئة بالغرباء، ومعظمهم لا يكثرون برؤية أي نجم لأنهم أمامهم طوال الوقت.
وثم هناك موضوع ابنته، التي ربما تعرف سبب طلاق والديها أكثر من جوني نفسه. لقد تعلمت أن تلعب دور النجمة لأنها ابنة ممثل. فهي تراقب شربه ومحاولاته المتحفظة للعب دور الأب وعدم تعريفه لهوية المرأة التي يتناول الفطور معها. فلماذا يقوم رجل بهذه المواصفات بطلب وصاية جزئية على طفلة بريئة؟
إن كوبولا مخرجة مذهلة لأننا نرى ما تراه بالضبط. الفيلم لا يحاول عرض حبكة معينة لنتبعها، بل كل الاهتمام ينصب على الشخصيات المعدودة وخاصة جوني الذي نال النجاح في مجاله اختاره ولم يعد قادراً على الإحساس به. قد تستثير نفسك لدرجة كبيرة ولمدة طويلة إلى أن ينفذ شعور الإحساس لديك. وإن كان جوني خاوي من حياة داخلية وحياته الخارجية لم تعد مهمة، ربما يكون محقاً أنه: لا شيء.

