Hereafter – 2010

“Everything I had… I lost.”

ترجمة مهند الجندي عن روجير إيبيرت.

يُعالج فيلم (الآخرة) للمخرج كلينت إيستوود مسألة الحياة بعد الموت بعناية دقيقة هادئة وجميلة، لقد فوجئت من تأثري بالفيلم، لأني شخصياً لا أؤمن بالخرافات، وأعتقد أن كلينت إيستوود يشاركني في ذلك. إنه فيلم حول حياة بعد الموت يعمد على تفادي تجربة هذا العالم، بل يكتفي بالتطرق إلى شعور الإنسان بعد موته الطبيعي، وهو أمر يمكن الاقتناع به. فكثيراً ما يشترك الأشخاص اللذين نجوا من الموت بنفس الذكريات حول رؤيتهم للضوء الأبيض والأجسام الساكنة وشعورهم بالراحة.

أحد شخوص الفيلم يتمتع على ما يبدو بموهبة خارقة للعادة فعلية، لكن هل يستخدمها للتخاطب مع الناس وهم في الآخرة؟ يمكن تقبلها كنوع من التخاطر، ومن الأرجح أنه يستقبل الرغبات والحاجات التي يسمعهما عملائه من أحبائهم الموتى. فهو لا يبلغهم بشيء خارق يصعب على عقولهم الحية أن تتفهمه.

يمكن لهذا الموضوع أن يدخل في دائرتي الإحساس والهراء النفسي، فمن المذهل كم هو عدد الأشخاص الذين يؤمنون بأفكار حركة “العصر الجديد“، تلك التي تجذب المنتمين لها وآخرين بأن يطبقوا ممارسات غير طبيعية على أنفسهم دون تحكيم عقولهم حول ذلك. وفيلم إيستوود سيُدخل أولئك الأشخاص في حيرة منغصة، فهو يؤكد بأن كل الوسائط الروحانيين محتالين، ويفترض وجود شخص واحد منهم يبدو أنه حقيقي، لكن ما هي حقيقته فعلاً؟

يسعى هذا الفيلم نحو المشاهدين المثقفين المهتمين بما يحدث بعد أن تستدل ستارة حياتهم. يروي إيستوود ثلاثة قصص أساسية تلتقي مع بعضها في النهاية، بأساليب الصدف المعروفة في أفلام وجهات النظر المتعددة. أيعقل أن تحدث؟ نعم.  هل من المحتمل ذلك؟ لا. لأن الصدفة يصعب توقع حدوثها، ولهذا ننتبه إليها إن حدثت. تتصرف الشخصيات طوال مجريات الفيلم بأشكال تبدو منطقية نوعاً ما، والباب مفتوح لحدوث أي شيء، كما يجب أن يكون الأمر عليه. علينا أن نعيش حياتنا باعتيادية ولا نعتمد على أي شيء خارق ليسيرها.

يلعب مات ديمن دور جورج في (الآخرة)، وهو رجل يؤمن حقاً بقدرته على التواصل مع الموتى، بيد أنه قد تخلى عن هذه الهبة وشغل وظيفة بعيدة عن الأضواء. بينما تؤدي سيسيل دي فرانس دور ماري التي تعمل كمذيعة أخبار في التلفزيون الفرنسي، وبرايس دالاس هوارد تلعب شخصية ميلاني، طالبة طبخ شابة تخبئ في قلبها خوفاً رهيباً من شيء ما، وريتشارد كايند بدور رجل يعيش فترة حداد على وفاة زوجته، وفرانكي وجورج مكلرين يؤديان دوري توأمين يصطدم أحدهما بشاحنه ويُقتل على أثرها.


لن أشرح هنا المفاجآت الموجعة التي تصيب بعض هذه الشخصيات، فالفيلم قابل للتصديق بمجمل مفاجأته وأحداثه. ثمة أحداث موجعة، لكن إيستوود يقدمها لا لإثارة الأحاسيس بل لإبراز نقطة مدى قربنا جميعاً من الموت، وفي أي لحظة. تمر ماري مثلاً بتجربة الاقتراب من الموت التي طالما نسمع عنها، مع الضوء الأبيض والأجسام. هل الناس اللذين يشهدون هذه الأمور هم أموات فعلاً أم أنهم يختبرون رؤية يولدها العقل البشري في الحالة التي يفقدون بها وعيهم لأقصى درجة؟

القوى التي تتمتع بها شخصية ديمن تبدو حقيقية، مع أنه من الصعب تحديد الغاية من ورائها. في الفيلم لحظة تُقدم بطريقة مفعمة بالحب والرقة يقول فيها جورج شيئاً إما أن يكون صحيحاً أو عكس ذلك، إلا أنها فعلة لطيفة في كلتا الحالتين. وحين يمسك بيدي رجل لا يعرفه، يشهد رؤية تخاطرية تخرج من قريرة هذا الرجل، غير أن الفيلم لا يؤكد مطلقاً إن كانت أرواح الموتى هي مصدر هذه الرؤيا التي يشهدها.

يتمكن إيستوود وممثليه من توفير جو خاص لا يجبرنا على قبول مادة الفيلم بقدر أن نتفهمها: فهي لا تشبه الأحلام بل هي استثارة لحالة من التفكير الحالم. هذه الشخصيات التي نطالعها لا تهرع للوصول إلى خاتمة الحبكة، ولا يوجد “حل” محدد لهذه القصص، وقد يكون للآخرة درجات مختلفة، وربما لا. كما أن الشخصيات لا تبالغ بطريقة سردها للحوار، ولا يفرضوا أنفسهم علينا لأنهم مفتقرون لليقين في حياتهم، وجورج بالذات هو شخص منعزل وحزين لأنه قواه باتت عبئاً عليه.

وهناك أيضاً حبكة ثانوية مؤثرة تقابل فيها ميلاني التي عرفت خسارة في حياتها شريكاً في حصة للطبخ. لا يريد وجورج الدخول في عقلها، لأنه يحن لعيش حياة اعتيادية، وقدرته على قراءة الأفكار هي لعنة لا يعد يحتملها. والطريقة التي تغير بها هديته علاقتهما تمتاز بقوتها وتحريكها للمشاعر. وتؤديها الممثلة سيسيل دي فرانس شخصية ماري بطريقة عذبة ومحببة لدرجة أنها تثير تعاطفنا نحوها ونتفهم من خلالها أن ما حدث لها في المشهد الأول المريع قد غير كيانها كلياً. في حين أن فرانكي مكلرين الذي يلعب دور الصبي الصغير المكتئب الباحث عن شقيقه التوأم الميت يتناول شخصية مليئة بالأحاسيس ويمنحها القدر الكافي من المصداقية والشفافية. ولاحظ أداء ريتشارد كايند الموجع للقلب بدور الرجل الذي خسر زوجته.

ينص الفيلم سيناريو أصلي كتبه بيتير مورغن (“الملكة”)، وقد أخبرني إيستوود بأن مورغن لا يؤمن بوجود الآخرة، وأنا شخصياً لا أعرف إن كان إيستوود يشاركه بهذا الاعتقاد، بيد أن فيلمه يجسد فكرة كيف أن الحب يجعلنا بحاجة لوجود حياة ما بعد الموت. فهو فيلم يخرجه رجل يعيش في حالة من السكون، ليس عليه أن يثبت شيئاً لأحد سوى أنه يهتم لأمر الأحياء من البشر.

IMDB

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading