Cairo Time – 2010
“They say that if you drink water from the Nile, you will always come back.”
بقلم مهند الجندي.
عرف فيلم (وقت القاهرة) للمخرجة روبى ندى استحساناً جيداً من النقاد الأجانب، وهو أمر يبدو طبيعياً نظراً لأن مخرجته عربية بالأصل وأمريكية بكل شيء آخر؛ كرسالته المبطنة وأساليبه تماماً. لا أدري كم مرة يجب أن نسمع صوت أم كلثوم لنقتنع بأننا في القاهرة أو كم مرة شاهدت المخرجة فيلم (ضائع في الترجمة) للمخرجة صوفيا كوبولا، فثمة تشابه يسهل ملاحظته بين العملين حول تأثير الزمان والمكان في نفس امرأة غمرها النسيان والهجران. قوة وأهمية فيلم صوفيا كوبولا ذاك كان أكثر من مجرد معالجة دقيقة حول العلاقات الزوجية الفاترة وقدرة شعور الاشتياق بتخدير سيطرة الرجل والمرأة على رغباتهما والحاجة لشريك عاطفي بين الإنسان للآخر، فقد توجهت صوفيا إلى اليابان ووظفت البلد كأرضية حيادية بين بطليها لتكون كالمنفذ الذي يعبران من خلاله عن ضياعهما في علاقاتهما الشخصية لأنهما يشتركان بنفس المشكلة: لا يمكن للغة الحب أن تترجم، بل يمكن الإحساس بها ولو لبرهة من الوقت.
ينتمي هذا الفيلم إلى الممثلة باتريشا كلاريكسون والمصور السينمائي لوك مونبلير، غير ذلك فالعمل لا يتعدى بجودته وهيئته عن درجة مشروع تخرج طالب من كلية السينما. خاصة أن قصة العمل البسيطة المباشرة تعتمد عليهما لأقصى حد ممكن: تصل جولييت (باتريشا كلاريكسون) إلى القاهرة لتقابل زوجها المتغيب لطبيعة عمله في الأمم المتحدة على أراضي غزة، فيستقبلها بدلاً منه طارق (ألكسندر صديق) ضابط الأمن السابق هناك، ويرشدها إلى فندقها مروراً بحرارة شوارع القاهرة وحيويتها الشعبية وعبر منظارها الأثرية الحضارية الخلابة. جاءت جولييت إلى القاهرة للاجتماع بزوجها ولقضاء وقت يروح عن نفسها بعيداً عن عملها ككتابة وعلاقتها الأمريكية التقليدية العسيرة مع ولديها اللذان استقلا بحياتهما. في حين أن طارق الذي يدير مقهاه الخاص كان قد انفطر قلبه حين أحب في المرة الوحيدة بحياته، ولم يعد الكرة بعدها.
زيارة جولييت إلى القاهرة تعرفها على حضارة مناقضة كلياً لتلك التي تعيشها في الولايات المتحدة. فحسب وجهة نظرة المخرجة وأسلوبها – التي تنقل حبها العميق لدولة مصر عبر صورها الجميلة – فإن العيشة والسعادة والحب هناك هي أمور تقوم على بساطتها بين الصلاة والموسيقى والرقص والمشي والعمل لساعات قليلة، واستغلال أكبر وقت ممكن في اليوم لراحة نفسك. يمكن للمشاهد أن يتقبل هذه الأفكار التقليدية حول “بساطة” وخرافات الدنيا العربية رغم أن الوقت قد حان للتقدم بصورة أبعد نحو تعريفنا إلى الغرب عبر الأرجيلة ونهر النيل والأهرامات وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ (أيعقل أن تدخل جولييت إلى المسجد بهذه السهولة؟)، لأن نسق الفيلم السردي يعتمد على أبعاد المكان الحسية وليس سطحيته، متحصناً بشفافية أداء كلاريكسون، وهي أحدى الممثلات التي تتمتع بوجه تعبيري جاهز ليعطي معناً صادقاً مختلفاً للحزن والوحشة دون الاكتفاء بالدموع والعويل لتأكيد ذلك.
مشكلة الفيلم تكمن في سرعة تنفيذ فحوى السيناريو حيال ما تمر به الشخصيات من صعاب واختلافات اجتماعية، وتركيزه على بروز محيط المكان ومعالمه البديعة كمغامرة عابرة للبطلة الرئيسة. عدا أن شخصية طارق المسلمة سورية الأصل المنتمية عربياً لهذا العالم والموظف السابق لصالح زوج جولييت تبدو مكتوبة بأسلوب ترحيبي زائد لأي شيء قد يطرأ أو تطلبه هذه الأجنبية. وعليه نلحظ أن تصوير لوك مونبلير يفسح المجال لعين المشاهد أن تغفل هذه الثغرات وتضفي خصالاً قوية لشخصية القاهرة لتكون المحرك الأكبر لدوافع الشخصيات والمفسر لأفعالهم والمبرر لأخطائهم، وليس أن هناك ظروف مفاجأة أو مشاعر طارئة طغت على شخصيتي جولييت وطارق وفراغهما العاطفي كما كان في فيلم (ضائع في الترجمة). أما هنا فإن المخرجة تكتفي – بطريقة بدائية نوعاً ما – بتلخيص اهتمامها على عنفوان قلب الجمهور وصور العمل الشاعرية لتوطيد حالة من الوحدة كوسيلة جديدة لاكتشاف الذات واكتشاف الآخر، كما لو أن ما حدث في القاهرة سيبقى فقط هناك، وفي القلب ختماً.
