مـارلــون برانـدو: عراب الممثلين

“هل سيهتف لي الجمهور لو كنت أعمل سباكاً.”

– مارلون براندو.

 

” بالنسبة لجيلي وللأجيال قادمة، يمثل براندو الحقيقة والصراحة كممثل وكشخصية عامة، كل شيء نعرفه عن ثورة التمثيل على الشاشة يعود بالفضل إليه: عندما تقارن أعماله من (رصيف الميناء) إلى (آخر تانغو في باريس)، فأنت تشاهد أصفى شعر ممكن، بطريقة متفجرة و مليئة بالأحاسيس. ”
– (مارتن سكورسيزي).

يرى الناقد روجير إيبيرت أن براندو كان أكثر الممثلين تأثيراً في تاريخ الأفلام، ومن أكثرهم إزعاجاً. كان وراء نجاح مجموعة من أفضل الأفلام، وظهر بسرور بمجموعة من الأسوأ. كان شاعراً، في النهاية كان شديد الفقر، وعالة، لكن في كل لحظاته الفنية، كان العبقري الجريء والمتفجر، كان مارلون براندو.

توفي الحائز مرتين على جائزة الأوسكار في 1 من يوليو عام 2004 في مستشفى خاص في لوس أنجلوس، والسبب فشل رئوي، بعمر الثمانين. انظر للأفلام التلفزيونية القديمة، ستجد وستشعر الفرق الذي طرأ على التمثيل قبل وبعد عام 1947. وهو العام الذي لعبه به براندو دوره المسرحي الأول على برودواي. أداءه اخترق بطريقة غير تقليدية حائط نفسي بينه وبين الجماهير، وحرر به ممثلين جيله والأجيال اللاحقة للوصول لمشاعر لم يكن ممثلي عصره يعرفون التصريح بها أو الإفصاح عنها.

مارلون براندو كان والداً لتسعة أولاد، وورد في بعض التقارير بأنهم أحد عشر. حفلت حياته بزيجات وعلاقات متعددة، فتزوج ثلاث مرات بالإضافة إلى علاقات أخرى، واعتقل نجله كريستيان لقتله صديق شقيقته شيني بعد أن حبلت منه عام 1990 والتي انتحرت هي نفسها في عام 1995 وحكم على أبنه بعشر سنوات بتهمة القتل غير العمد قضى منها خمس لحسن سلوكه.

وكان براندو قد أصيب باحتقان في القلب بعد أن نقل إلى المستشفى آنذاك، وشعر براندو أن نهايته غدت قريبة فقرر قبل عام أن يعد بنفسه ترتيبات وفاته وأبلغ الجميع بأنه مستعد للموت وأعرب عن أمله بأن يكون النجم جاك نيكلسون في مقدمة المعزين في جنازته، وأن يلقي المطرب الشهير مايكل جاكسون كلمة في تأبينه، كما أبدى رغبته في أن يحرق جثمانه وأن ينثر رماده بين أشجار النخيل في أحد جزر تاهيتي التي كان يملكها.

أصدر عدد حديث من مجلة “بريميير” استطلاع يعلن فيه أن شخصية براندو “السيد كورليوني” من فيلم فرانسس فورد كوبولا (العراب)، أنها أشهر شخصية سينمائية ظهرت على الإطلاق. (العراب) يدخل أيضاً في معظم قوائم النقاد كأحد أفضل الأفلام العبقرية. من تحف براندو أيضاً (عربة اسمها الرغبة) 1951، (رصيف الميناء) 1954، (القيامة الآن) 1979، و(آخر تانغو في باريس). في هذه الأفلام، كان شجاعاً، قوياً، عذباً، عارضاً جسده في مشاهد شهيرة لم يكن باستطاعة أي نجم رئيسي التجرؤ على تصويرها. عومل فيلم (القيامة الآن) بغموض براندو الخاص بإبقائه بعيداً عن الكاميرا حتى نهاية الفيلم، لقد كان الكولونيل أسود النفس، العبقري والمجنون، حابساً نفسه في أدغال الفيتناميين، يعمل في عملياته الخاصة. حتى عندما يظهر، نشاهده بالعتمة والظلال مخيمة، يتكلم عن رعب الحرب بطريقة سمت بالشخصية وبالفيلم إلى الأفق، ومصاف أفضل أفلام الحرب. لولا عظمة انتظار حضور براندو، لما بقينا متسمرين لنشاهده إطلالته التي لا تنسى.

براندو بدا دائماً مستمتعاً في مضايقة هوليوود بواسطة سلوكه غير المتوقع. فاز بأوسكاراته لأدائه في فيلمي (رصيف الميناء) و (العراب)، ورشح للجائزة ست مرات أخرى، لكنه سيُذكر عندما رفض استلام جائزته عن الفيلم الأخير وإرساله بدلا منه امرأة هندية كي تعترض على السياسة الأميركية في معاملة الهنود وسكان أميركا الأصليين. وقد ألقت الفتاة خطاباً تدعو فيه إلى إنصاف شعبها الذي تعرض للإبادة ولا يزال يعيش في معازل تفرض عليها من الإدارة الأميركية. هذه الفتاة اتضح أن اسمها الحقيقي ماريا كروز، ممثلة، لم تكن هندية، وافقت على رسالته.

  حياة براندو الاجتماعية والفنية كان يحيط بها طبيعة نستطيع وصفها بالمتعالية أو المستقلة أو ببساطة غريبة. عام 1995، في مقابلة تلفزيونية شهيرة له مع لاري كينغ، هل كان براندو يمثل الغباء، أم كان يعرف تماماً ماذا يفعل عندما حضر بقميص باهت وسروال، يستمر بكلامه عندما كان لاري يحاول الانتقال إلى الإعلانات، إطلاقه قنبلة مدوية عندما قال بأن اليهود يسيطرون على السينما في هوليوود. وختامه المقابلة بتقبيل لاري كينغ؟

  • حياة مختلفة… غريبة

ولد مارلون براندو في الثالث من ابريل عام 1924 في نبراسكا التابعة لمقاطعة أوماها، التي يعتبرها الهنود الحمر عاصمة تاريخهم الأول، ولعلها تلك البداية التي عاشها براندو في أجواء مدينة تغص بالهنود الحمر الذين ظلوا يطالبون بحقوقهم المدنية البسيطة، هي التي جعلته يهتم بهم طوال حياته. انفصل والداه عام 1935، واللذان كانا يعانيان من مشاكل كحولية وتفكك دامي بينهما. انتقلت والدته مع أبنائها الثلاثة إلى سانتا أنا في مقاطعة اورنج، كاليفورنيا. عام 1937 ارتبط ذويه مرة أخرى وانتقلت العائلة مجدداً، هذه المرة إلى شمال شيكاغو. كان من أصول ألمانية، فرنسية، إنجليزية، وايرلندية، واسم عائلته الأصلي برانديوا. والدته كانت ممثلة مسرحية بسيطة، وكانت أول من أثار اهتمام مارلون حول التمثيل. كما أن براندو امتلك موهبة تقليد فريدة منذ نعومة أظافره، وطورت عنده قدرات نادرة في مراقبة الناس ونسخ ما يريد منهم وتحويله إلى حالة درامية، ساعدته بشكل ملفت في البقاء داخل أدواره وتقمص شخصياته في المستقبل.

لم يعرف براندو طفولة مستقرة، حيث تم فصله عدة مرات من مدرسة. والده الذي كان يعمل موظف مبيعات في شركة كيماوية استمر في انتقاد سلوكه، لكن أيضاً يشجعه ليأخذ طريق حياته الخاص. ترك براندو مدينة ألينويس متوجهاً إلى نيويورك، ليدرس التمثيل المنهجي في “المدرسة الجديدة”، ثم تتدرب في أستوديو الممثلين الشهير على يد المخرج الروسي ستانسلافسكي ولي ستراسبيرغ و ستيلا آدلر، الذي كان يهدف إلى نقل التمثيل من “التشخيص” إلى التمثيل الحقيقي عن طريق استخدام المخيلة وعالم الممثل الداخلي، قالت عنه آدلر: “لم يكن على مارلون أن يتعلم التمثيل، لقد عرف من البداية أنه ممثل عالمي. الإنسانية لم تكن غريبة عليه”.

استخدم براندو تمثيله المنظم هذا في مسرح برودواي العريق، وخاصة في المسرحية الحلوة والمرة في آن “أتذكر ماما” عام 1944. النقاد اختاروه “أكثر ممثلي برودواي الواعدين موهبة” بسبب دوره المؤثر. مع هذا، المسرحية لم تلاقي الرواج الكافي كي تعلن عنه ممثل جيد بشكل رسمي. حتى ظهر في مسرحية (عربة اسمها الرغبة) للمؤلف تينيس ويليامز ومخرجها إيليا كازان. رغبة براندو الشديدة للعب هذا الدور جعلته يسافر إلى مساتشوستس حيث كان يقضي ويليامز الصيف في اختبار الممثلين من أجل الدور. نجح بجدارة في ذلك الاختبار. وفي أول فيلم طويل له، وافق براندو على لعب دور ضحية الحرب في فيلم (الرجال) عام 1950، وأمضى شهراً كاملاً في مستشفى جرحى الحرب استعداداً لهذا الدور.

محبو مارلون براندو يقولون أن ممثلهم كان محباً للمغامرة، كانت لديه الجرأة أن يشترك بفيلم موسيقي مع أنه لم يملك أي خلفية تفيده بذلك، أو لعب دور جندي نازي أو شخص يحب فتاة يابانية. آخرون يقولون أن ذوقه بالأفلام كان سيئاً، أو كان يختار هذه الأدوار من أجل المال فقط. مهما كانت القضية، القليل سيشكك بمكانة براندو كأحد أعظم الممثلين على الإطلاق. ومن أدلة على ذلك سيطرته على الشاشة الكبيرة طوال عقد الخمسينيات، بخمس ترشيحات للأوسكار بين 1952 و 1958 وفوز واحد.

  •  رصيف الميناء.. الانقلاب.

رصيف الميناء الذي انتج عام 1954 ينتمي لمخرج قدير راحل، وهو إيليا كازان الذي يعد من نخبة المخرجين الملقبين بـ”مخرجي الممثلين” بسبب الاهتمام الخاص الذي أولاه لأداء الممثلين في أفلامه، وهي من الخصائص التي تقترن ببعض المخرجين السينمائيين الذين يبدءون حياتهم الفنية كممثلين أو يمارسون الإخراج المسرحي قبل الإخراج السينمائي. وينطبق الأمران على إيليا كازان الذي بدأ حياته الفنية كممثل ثم أصبح مخرجاً مسرحياً قبل أن يصبح مخرجاً سينمائياً.

وهذا ما درسه مارلون براندو تحت إدارة هذا المخرج في ثلاثة أعمال مثلها تحت إدارته، ونجح بنقله إلى أشهر أدواره طوال مسيرته. وهذا يبرهن تصدر كازان مخرجي هوليوود في عدد الترشيحات والفوز بجوائز الأوسكار التي حصل عليها أبطال أفلامه، ومن الأمثلة على ذلك فيلم (عربة اسمها الرغبة) 1951 الذي رشح أربعة من ممثليه لجائزة الأوسكار (منهم براندو) وفاز ثلاثة منهم بالجائزة، وفيلم (رصيف الميناء) الذي رشح خمسة من ممثليه للأوسكار وفاز اثنان منهم بالجائزة.

تدور قصة رصيف الميناء في فترة الخمسينات، حيث كان اتحاد العمال على ميناء البحر في الولايات المتحدة يعاني من مشاكل عدة، من تخبط وظيفي للرجال وقلة في الأجور ودوام شاق مهلك، وليس هذا فحسب، بل أن رئاسة الاتحاد كانت تعمل بنظام وبنفوذ غير محدود على الميناء، وكان عليها التعامل مع ثلاثة عناصر: “العمال” الذين لم يكونوا يعانوا منهم على الإطلاق في ظل أسلوب القوة الذي فرض عليهم حتى وإن وصل إلى القتل، “الشرطة” لم تكن تستطيع الوصول لأي دليل مقنع بسبب التخطيط السليم في تنفيذ عملياتهم، “رجال الدين” فقط كانوا يشكلوا المشكلة الأكبر لهم. فلن تستطيع التخلص من رجل دين لأن ذلك سيخلق ثورة شعبية بحد ذاتها خصوصاً بعد أن كان القسيس (كارل مالدين) يقف بشجاعة أمام كل جريمة لهم ويحاول أن يوعي أهل منطقته عن هذه القضية.

كتب سيناريو الفلم “بود شالبيرغ” الذي أخذ عن قصة حقيقة حدثت مع مخرج كازان نفسه، وهو مليء بتمرد وتمادي الفساد على الأيدي العاملة، يقدم باطن وعمق الضعف في نفوس الرجال الذي ينتظرون أي نوع من العمل حتى يوفر معيشة عادية لنفسه، يرينا كيف يتجمع العمال في صباح كل يوم على الأرصفة وأمام المرافئ بتلهف لسماع اسمه مطلوباً في مهمة حمل ونقل البضائع مقابل حفنة من الدولارات، وبالإضافة لكل هذا فهو يقدم لنا وصف قاسي عن نفسية الرجل غير المتعلم، وإن كنت قد بدأت بالمسير على الطريق الصحيح “فأكمل ما بدأت”.

ثمة جملة ومشهد وأداء في الفلم تعتبر من أشهر وأجمل العبارات في القرن العشرين، المشهد (الأفضل في الفيلم) الذي يجمع “تيري” (براندو) مع أخيه “تشارلي” في سيارة التاكسي، تشارلي خائف على تيري من رئيسه الفاسد، ولكن علاقتهم الأخوية هذه ليست ما يرام، فقد وضحت الرؤيا أمام تيري وانقشع الضباب عنها، لقد أدرك أنه لم ينجز شيء يذكر بحياته، حتى أنه لم يستطع أن يكون ملاكم حقيقي ويستمر في ذلك المجال الذي أحبه، لقد أدرك أيضاً أنه يعيش وهو فاقد لكرامته، يعيش وهو يعرف أن أخاه قد خانه وباعه طيلة هذه السنين، لقد أدرك أخيراً أن المشكلة الحقيقة لا تكمن في عجرفة وظلم رئيسه فقط بل بالأساس في شخصية شقيقه، يقول تشارلي لأخيه:

“أنت شقيقي الكبير‏،  لطالما كنت مثلي الأعلى،  كان عليك أن ترعاني‏،‏ بدل أن تحولني إلى نكرة‏.‏”

الشهير في هذه الجملة ليس فقط في مضمونها الذي يبحث في الحسرة والقهر والفراغ الروحي وفقدان الذات ولكن أيضاً في الأسلوب الذي أُديت به من قبل براندو، لأنه يجعل من شخصية قضية كاملة لوحدها في الفلم، يجعل من تيري إنسان مظلوم استفاق من نومه وهو غريق في بحر ولا يجيد السباحة، يجعل من الألم بساطة لما يعانيه وهو يكتشف أن أكبر مشاكله تكمن في أخيه الذي هو من لحمه ودمه، أخيه الذي اضطر لتوجيه مسدسه عليه حتى يبعده عن هذا المأزق. ولكنه لم يكن يدري أن الأوان قد فات.

  • دور لا تستطيع رفضه…

“فيتو كورليون” هو أشهر أدواره، تمثيل براندو وأدائه للشخصية كان محط أنظار الجميع، فمن نواحيه الخارجية قام برسم والإشراف على وضع مكياج وجه بنفسه، قطن في فمه، وتجاعيد تكبر بالسن. ومن جهة قوة التخطيط والثقة في التعامل مع من كان يعترضه – مشاكل أو عمل رسمي. هناك أمر تقني تجده خلال تمعنك بأداء براندو وهو الذي ينعكس على أحداث الفيلم حتى نهايته. حيث يجمع بين الخوف واحترام هذه الشخصية. في جميع مشاهد الفيلم حتى بدون وجوده على الشاشة، تجد نفوذ وجوده وإحكامه على عنصر قوة هذه العائلة.

حادثة الخطبة التي أطلقتها الفتاة الهندية عند إعلان فوز براندو بجائزة أوسكار أفضل ممثل رئيسي صدمت الحضور جداً، علق عليها جون فوندا “أعتقد أن ما فعله شيء جميل”. أما الممثل مايكل شين فقال “إذا كنت تريد عمل شيء إنساني، فرجل يقبض 2 مليون دولار على الفيلم يمكنه منح الهنود نصف هذا المبلغ”. المخرج كوبولا دافع عنه ساخراً “أنا كنت متأكد من فوزي بجائزة أفضل مخرج. أما فهو فلا”. علماً أن المخرج لم يفز.

فيتو كورليون قائد ورب أسرة حقيقي، بالرغم من طبيعة عمله فهو لم ينسى جانبه إنساني تجاه أسرته، وفر لأبنائه التعليم والمعاملة الكريمة، علمهم أساسيات الحياة وأهمية الحفاظ على شرف العائلة، لكنه أيضاً لا يعرف الأخلاق في عمله. ويملك صفات غير مفهومة. وهي أحد أسرار الفيلم الرائعة. براندو الذي قبض 100 ألف دولار على الدور لم يكن خيار منتجي الفيلم الأول، بل كان هناك الممثلين “أدوارد روبينسون” و”لورنس أوليفير”، ولكن كوبولا كان يريد براندو منذ البداية، والذي لم يشجعه أنه سمع بصعوبة التعامل معه. لكن مع بدأ تصوير مشاهده التي استمرت 35 يوم، وجده سهل التعامل ومتعاون في سلوكه.

من يتمعن في حياة الدون فيتو كورليون وحياة مارلون براندو سيجد أوجه تشابه كثيرة. فقد رحل مارلون براندو بعد أن تركت مآسي أسرته أثارها عليه. سجن ابنه بتهمة القتل وانتحار ابنته جعلا مارلون يعتزل الحياة العامة ولا يظهر إلا نادرا متبعا في ذلك خطوات الدون فيتو كورليون الذي التزم بيته وقلل من ظهوره بعد رحيل ابنه الأكبر سوني وتعرضه لمحاولة اغتيال من قبل خصومه وهو أيضا ما تعرض له براندو في حياته وإن اختلفت الوسيلة. ففي أكثر من مرة اتهم براندو اليهود بأنهم المسيطرين على صناعة السينما في هوليوود وهو ما صرح به علانية في حديثه التلفزيوني الشهير للاري كينغ. لم يترك اليهود مارلون يمر بتصريحه ذلك مرور الكرام فقاموا بمهاجمته عبر وسائل الإعلام واتهموه بأنه معاد لهم وللسامية.

كما كان الدون فيتو كورليون رجل مبادئ – بالرغم من ترئسه لعائلة ذات أنشطة غير قانونية – كان مارلون براندو أيضاً رجل مواقف بالرغم من كونه ممثلاً سينمائياً يعمل في هوليوود والتي لا تعترف إلا بالمال. ما أن يؤمن براندو بقضية تتعلق بالحريات أو الدفاع عن شعب مضطهد حتى يسارع بتبني موقف داعم لهذه القضية. هذه المواقف أراد براندو تقديمها في فيلمه الذي كان سيصبح الأخير لو امتد به الأجل وهو فيلم للمخرج التونسي الأخضر الباهي وقد أراد براندو من خلال الفيلم التعبير عن دعمه للحق الفلسطيني وللقضايا العربية التي لا تجد اليوم لها نصير حتى من أبنائها !

  •  التمثيل.. مهنة من لا مهنة.

مطالبة براندو لحقوق الهنود الأميركيين وآخرين جعلته تحت أنظار العامة طوال مسيرته. والحال نفسه ينطبق على علاقاته العاطفية و زيجاته. تزوج الممثلة أنا كاشفي عام 1957 وهو يعتقد أنها من شرق الهند، لكنها صرحت فيما بعد أنها ايرلندية، فانفصلا بعد عام. عام 1960 تزوج من ممثلة مكسيكية اسمها موفيتا، والتي ظهرت في أحد أفلامه أوائل الستينيات.

الفيلم المعاد (التمرد على الجائزة) عام 1962 كان ذو تأثير كبير وتغير واضح في حياة براندو الفنية، وبدأ سمعته كنجم يصعب التعامل مع في موقع التصوير. فقد اتهم أكثر من مرة بالتدخل في قرارات المخرج ورقم الميزانية المقررة للفيلم. كما وقع بحب “تاهيتي” وسكانها، اشترى هناك جزيرة تدعى “تيتياروا” وتزوج فيها تاريتا بعد أن طلق موفيتا، وأنجبت له الأولى طفلين من أولاده.

سمعة براندو السيئة، مشاكل عائلته، عزلته لنفسه عن نظام هوليوود، وزيادة وزنه، جلبت له شهرة وانتباه أكثر من ما جلب له تمثيله وأفلامه في سنوات عمره الأخيرة. كما انه اشتهر بخلق مشاكل حول الشخصيات التي يؤديها، رفضه لحفظ جمل أدواره وعدم اهتمامه بالتكلم ومشاورة المخرجين، ومطالبته بشروط دقيقة لا داعي لها. لكن معظم الممثلين وجوده كريماً، مضحكاً ومتعاوناً.

الغريب في أمر هذا الرجل أنه رغم عبقريته في التمثيل فقد كان ينظر إلى عمله بازدراء معلناً أن التمثيل هو مهنة من لا مهنة وأن وقف التمثيل هو إشارة النضج! كما كان يعلن أنه لا يمثل سوى للحصول على المال ولو أنه يتمكن من الحصول عليه بطرق أخرى لما لجأ إلى التمثيل. أما بالنسبة لطريقة نطقه فكانت تتسم باللعثمة وتقطع الجمل بحيث كان المخرج مضطراً لكتابة الحوار بحروف كبيرة أمامه حتى يستطيع أن يحفظها، وكان يفشل غالباً فيلجأ إلى التعبير بيده، وهنا يقول أحد النقاد بأن براندو كان أكثر الممثلين في هوليوود استخداماً ليديه.

مع أنه قام بتمثيل ما لا يقل عن أربعين فيلماً. إلا أنه وبسبب لا مبالاته ما كان يدقق كثيراً في اختيار الأفلام زاعماً بأنه بحاجة إلى المال. إنها واحدة من ألعاب براندو وإشكالاته النفسية. لكن بسبب إحساسه بفائض العبقرية، ولأنه كان يعرف انه قد برهن عليها، فإنه ربما ينتقم من هذه العبقرية، أراد أن ينتقم حتى من نفسه ومن فنه. انه براندو الممثل الخبير الذي عرف كل شيء وعايش كل شيء يلخص وضعاً تصطدم فيه الأحلام بالحقائق والوقائع علي الأرض‏ بقوله: “لقد عانيت كثيراً من البؤس في حياتي، بأن أكون مشهوراً وثرياً لحد الجنون”.

IMDB

 

أفاتار غير معروف

رأيان حول “مـارلــون برانـدو: عراب الممثلين

  1. الكلام عن الاسطورة مارلون براندو متعب جداً لذا سوف أختصر ما أقوله عن براندو بثلاث كلمات
    أفضل ممثل بالتاريخ
    شكراً لك استاذ مهند

    1. السلام عليكم اولا اشكركم على هذا الموقع الرائع الذي خصصتموه للمهتمين بالشؤون السينمائية , اود ان اشير الى اسم براندو, اظن ان هذا الاسم قام الممثل بطلينته فهو ايطالي اللكنة و ما لفت انتباهي هو ان مارلون براندو متعلق بالحضارة اللاتينية و خاصة الاسبانية والايطالية فكثيرا ما تقمص ادوارا من هذا النوع في المجال السينمائي مثل زاباتا الثوري المكسيكي في فيلم يعيش زاباتا لايليا كازان عام 1952 و كذلك في فيلم العراب لكوبولا و فيلم كريستف كولومبس حينما قام بدور الكاردينال دي توركويمادا .

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading