Barry Lyndon – 1975
بقلم : فراس محمد ..
ان تشعر بروح ما تقرأ وتلمسه ,, برأيي هي اقصى ما قد تصل اليه الرواية ,, وان تلمس روح الفلم لتكون جزءا منه هو اقصى ما قد تصل اليه السينما
جُل ما قد يطمح أليه الراوي ,, على اختلاف افكار روايته ,, يكمن في ايصال احساس الرواية ,, مرفقة بافكارها ,, لتكون اقوى مبرر لكل ردود افعال شخصياته المرسومة ,, لتكتمل عبرها حبكته ,, وتتعاضد افكاره ,, وتصبو للكمال المنشود ,, دون لجوء للسرد الخطابي ,, او للتبرير الفعلي ,, او الدراما النصية ,,
قلة من الروائيين ممن استطاعوا ان يغذّوا هذا الشعور لدى القارئ ,, وأشك في ان باري لينيدون ,, كرواية ,, حملت عظمة ذلك الشعور ,, وفتنة تداخلاته ,, ولكن بكل تجرد ,, احيانا ,, الامر يتوقف ,, على طريقة الاقتباس ,, لنفس الرواية وروحها ,, اكثر حتى من مضمونها , وافكارها .. قلة من الروايات ,, التي ا ُقتبست سينمائيا , ركزت على تلك الجزئية الهامة ,, والذي اقتصر الغرض منها ,, اقحام المشاهد ,, بجل احاسيسه ,, ألى عمق دراما الرواية ,, وتناقضات شخصياتها ,, وتطرف افكارها ,,
ستانلي كوبريك ,, عندما حوّل ذلك الاقتباس لرائعة من روائع السبعينيات ,, جعل من مضمون الرواية ,, اطارا عاما لفلمه ,, وآثر أن يوصل للمشاهد ,, بقوة احساسه ,, وعنفوانه ,, شعوره الخاص ,, ورؤيته الخاصة عن رواية باري لينيدون ,, ليحولها من ملحمة تاريخية ,, الى معلقة شعرية ,, لوحة زيتية ,, كان يحاول ان يروي للمشاهد وجهة نظره من الرواية ,, لا ان ينقل لهم الرواية بشكلها الصوري ,, عمليا ,, كوبريك لم يقتبس ,, بل سرد روايته الخاصة ,, كما يفعل سيلفادور دالي ,, بلوحاته المنقولة عن الطبيعة ,, او لوركا الذي يقتبس من مجتمعه المتناقض ,, كل قصائده ,,
احد اهم عوامل عظمة هذا الفلم ,, انه ليس من الضروري ان يكون الاقتباس قد كًتب بشكل درامي حتى تحوز على تعاطف المُشاهد , بل لم يكن خطف تعاطف المُشاهد أحد غايات كتابة شخصيات العمل ,, فالفلم كتب بشكل سردي ,, قصصي اكثر منه درامي عاطفي ,, كما كل القصص او الافلام التي تُنقح ,, لتكسب تعاطف مشاهدها ,, ببناءها على احداث ومشاهد قد تسايرها التصنع والافتعال ,, رغم قيمة الافكار ” حب ووطن ” التي تستدعي شلالات عاطفية
فالفلم ككل افلام كوبريك ,, الحوار الدائر يكاد ان يتحول الى تلقين ,, يحمل طابع الطريقة الانكليزية المفتعلة بكل كلاسيكيتها ,, كوبريك حريص ألا يكون الحوار هو عامل التواصل الاساسي بينه وبين مشاهده ,, بل على العكس ,, كان قادرا بكل الوسائل ,, ومن دون حوار حتى ,, ان يذيب المُشاهد في احداث فلمه ,, بألوانه وخلفياته ,, وموسيقاه ,, احاسيسه كلها مطبوعة في كل سنتيمتر من سنتيمترات الشاشة ,, ودقائقها وخلفياتها
ركز كوبريك في اغلب لقطاته الافتتاحية , على الغيوم ,, وعلى انعكاساتها على الارض ,, سواءا على بركة المياة , أو بظلالها على مروج المملكة المتحدة ,, الارض التي لا تغيب عنها الشمس ,, رغم أن غيوم كوبريك ,, كانت بدلالتها الرمزية ,, نقدا جارحا , لكل مظاهر الطابع الانكليزي وكلاسيكيته المفتعلة ,, بظلالها التي طالما اسدلت مغطية اراضيها بظلام عاتم ,, عاتم لتصل لقمة الرمزية عند الساعة الاولى و53 دقيقة من عمر الفلم ,, شاهدها لتعرف
وضع كوبريك في فلمه باري لينيدون ,, كل شيء جميل ,, لدرجة يسهل معها أن يُصبح المُشاهد ,, جزءا اساسيا من العمل ,, احترام كوبريك ,, لهذه الجزئية بالذات ,, جعلت لفلمه هذا ,, عبقا خاصا ,, لتجعله ,, ولهذه الاسباب ,, اقصى ما قد تصل اليه السينما ,, وأقصى ما قد يحصل عليه المشاهد من متعة فنية اخراجية عالية المستوى ,, جاورتها موسيقا تتسم برقي خاص ,, وبلوحات طبيعية , قد تكون الاجمل على الاطلاق ,, واذاب كل تلك العوامل في بوتقة العمل السينمائي
ومع كل تلك المزّيات التي اثرت العمل ,, فأن بساطة قصته ,, من حيث الطرح ,, والاثر الذي قد تخلفه ,, بعمقه ,, قد يجعل من هذا الفلم ,, اقرب الى الكمال ,,الفني الذي ينشده معظم المخرجين العظماء ,, ليكون التكريم الحقيقي له ,, خلوده ,, لسنوات طوال ,, لتشاهده ,, وكأنك تشاهد ,, احد ما قد يُصنف ,, تراث سينمائي ,, اصيل ,, لتعيش نفس الاحساس مرارا وتكرارا ,, مع كل مشهد ,, ومع كل نوته موسيقية ,, ومع كل لوحة فنية اخراجية ,, ومع كل هزة كاميرا ,, دون ان ينقص من ذلك الشعور ,, تراكم الايام ,, ومرور الازمنة والعقود ,, بدليل ما يقال بعد 3 عقود ونيف ,,
ادموند بري ,, شاب يتسم بكل صفات النبل الانكليزي ,, حتى بحبه لنورا ابنه عمه , والذي كان سبيلا ,, ليخوض غمار مطبات الحياة بكل صعوباتها ,, الحب ..الحرب ,, الغيرة .. الغربة…. الانكسارات العاطفية .. العلاقات العابرة ,, الكذب ,, الرياء ,, القوة والضعف ,, السلطة والتسلط ,, الثروة والعوز ,, الابن , وابن الزوجة ,, الحقد ,, التسلق ,, كلها مرت على جسده وروحه ,, لتتركه ,, حثه هامدة ,, روحها تنبض ,, واعضاءها تُبتر ,,
ليتحول ,, من شاب هارب من بطش اسرته ,, وحاجتها لسد ديونها ,, الى منافق عاجز عن الحب ., من شاب كان يهوى ,, الى شاب بائع للهوى ,, من عاشق ولهان ,, يقدم روحه لأجل من يحب ,, الى رجل براغماتي يحول غريزته الجنسية لاداة استغلاليه ,, يطوّق بها عنق زوجته … من صادق شهم ,, الى تاجر مخادع ,, من ناكر لايرلنديته ,, الى خائن لحلفائه ,, من ايدموند بري , الى باري لينيدون ,,
عاش النقيضين ,, وعانى الامرين ,, عركته الحياة ,, وتركته بجسد بلا روح ,, أو بروح بلا جسد , خطفت منه نسله ,, وتركت لورثة زوجته بكل جوارحهم فرصة لتنهش لحم كتفه , لكل شيء ضريبة ,, ولا بد من دفع ثمن لكل خطوة ,, دفع ثمن حبه الهرب ,, ودفع ثمن غربته الخيانة ,, و ثمن موت قلبه براغميته .. ثمن انكاره لاصله ,, قدمه ,, ودفع ثمن نفاقه ,, موت ابنه .. ثمن طيبة قلبه ,, رصاصة في قدمه
مهما اشتدت رياح التغير ,, ومهما حملت بصانعها الى الاعالي ,, ألا ان الطيور على اشكالها تقع ,, ليس لكل احسان مقابل ,, وليس دوما ,, المذنب يعاقب ,, لسنا في عالم مثالي ,, الخير ينتصر ,, والشر يذهب للجحيم ,, تلك نقطة ,, عظيمة ,, ابرزها كوبريك في كل شخصاته , والذي حاول اعرابها فعلا ,, بتصرفات قد تكون غريزية احيانا ,, وقد تجانبها المنطق احيانا اخرى ,, للحظ دور كبير في حياة كل انسان ,, وايضا لانعدام التوفيق دور ,,
تلك هي الحياة ,,
وتلك هي الطريقة التي يجب ان يحصل من خلالها كوبريك ,, على الاوسكار ,, البافتا وحدها ,, لا تكفي ,, لتثبت قدرة هذا الفلم ,, على الخلق والابداع بمشاهده الصامتة ,, بمشهد القبلة الاولى ,, ذلك المشهد الساحر ,, والذي يجب ان يكون درسا اخراجيا ,, للطريقة التي يجب من خلالها ان تُصور المشاعر ,, والاحاسيس ,, بشكل صامت ,, دون ثرثرة ,, ودون تلك الخطابات الخشبية ,, موسيقى وشفتين ,, واحساس غامر ,, بكل شيء ,, وتساؤلات تملأ كل الامكنة ,, لماذا وكيف ,, وهل ؟
تعجبني الطريقة التي يُعبر من خلالها كوبريك عن نفسه من خلال افلامه ,, بغض النظر عما يُعبر عنه وعن اتفاقي او اختلافي مع ما يُطرح ,, ولكن ما يقوم به ,, يجعل من افلامه افلام شخصية بامتياز ,, وجهة نظره ,, من امور كبيرة ,, الدين الوطن الخيانة ,, تعامله بشكل ساخر مع كل المشاهد التأبينية , ومع كل الابتهالات الدينية التي تبدو فعلا مصطنعة كاذبة ,, ومع اثر الدين من خلال القسيس ,, على افراد العائلة الانكليزية ,, اسلوبه في طرح تلك الامور ,, تزيد من احترامي لافكار فلمه ,, وطريقة طرحها ,, لنتأقلم الان ,, بعد الكثير من المد والجذب ,, مع حتى اكثر الافكار تطرفا ,, واعتبارها وحهات نظر ,, تستحق الطرح ,, وتستحق النقاش ,, والاطلاع ,, بدلا من رفضها فقط لاننا نخالفها ,, حتى دون سبب وجيه ,,
ان لم يحصل كوبريك في فلمه هذا على الاوسكار ,, فمتى سيحصل عليه ,, ؟
![Barry-Lyndon[1]](https://i0.wp.com/kalamaflam.com/wp-content/uploads/2012/09/barry-lyndon1.jpg?resize=550%2C350&ssl=1)

