The King’s Speech – 2010

“I have a voice.”

ترجمة مهند الجندي عن جيمس بيراردينلي.

يوفر فيلم (خطاب الملك) دراما ممتازة ذات خاتمة مدهشة، وهي حكاية – تدور في فترة زمنية معينة –  مرضية تماماً وحماسية تحقق نواياها الدرامية دون التخلي عن دقة معلوماتها التاريخية. وباستثناء وجود هتلر عن بعد، فإن القصة تخلو من أي شخصية شريرة، مما يؤدي لزيادة التركيز على المتاعب الداخلية والذاتية للشخصيات، وهو أسلوب أكثر نجاعة من ذلك الذي يوظف الشرير ليسد حاجة العمل لصراع تقلدي شائع. ومع أن مجرياته تحدث في منتصف القرن العشرين بين العائلة الملكية البريطانية، فهي لا تمنع الجمهور من التفاعل مع العمل. وقد يكون طاقم الممثلين الغني الذي يستثمره المخرج توم هوبر هو الأفضل ليس فقط لهذا العام بل منذ سنوات سابقة عدة، سواء في الأدوار الرئيسية أو الصغيرة، ثمة بعض الأداءات المبهرة في هذا الفيلم.

يفتتح الفيلم في العام 1925، و ألبيرت، الرجل الذي سيُصبح الملك جورج السادس (كولين فيرث)، لا يزال أميراً ورتبته الرسمية الحالية هي “دوق يورك”، ولأنه الابن الثاني للملك جورج الخامس (مايكل غامبون)، فهو لا يتوقع أن يعتلي العرش لأن المنصب سينتقل لشقيقه الأكبر الأمير إدوارد (غاي بيرس). ألبيرت وزوجته إليزابيث (هيلينا بونهام كارتر) سعيدان بطريقة عيشهما بعيداً عن الجلبة المزعجة لحياة قصر بكنغهام، ولا يسعيان وراء منصبي الملك والملكة. وهناك مشكلة أخرى: المنصب الملكي في عصر الراديو يمثل تحدياً خاصاً لأبيرت المبتلي بتأتأة تعيق قدرته على التحدث على الملأ (وأحياناً في حياته الخاصة). فيزور ليونيل لوغ (جيفري راش) وهو معالج لفن الخطابة ومعروف لأساليبه الغريبة كمحاولة منه للتحرر من هذا العائق. تزيد أهمية وجود لوغ في حياة ألبيرت حين تتوالى الظروف ليُنصب كملك إنجلترا في وقت باتت فيه سحابة الحرب العالمية الثانية على الأبواب.

(خطاب الملك) هو فيلم درامي بالمقام الأول ويمكن اعتباره فيلم صداقة ومثال لنصرة المستضعف، ويتخلله عدة لحظات مرحة دون أن تكون الكوميديا مبالغة أو بغير محلها. ويمكن للمشاهد مثلاً تخيل الغرابة المضحكة التي تصيب زوجة من الطبقة المتوسطة حين اكتشافها أن دوقة يورك تجلس في غرفة طعامها البسيطة. يوفر الفيلم تجربة إيجابية وإبرازاً لجوانب الحياة الحسنة أكثر من أي فيلم معروض في الفترة القليلة الماضية، حيث تُقدم هنا شخصية الملك جورج السادس كشخصية رياضية تتخطى عقبات صعبة لتحقق نقاط الفوز من خلال قوة الإرادة المحضة وجراء الثقة التي يضعها فيه ليونيل، فيقدر على تغلب العقبات التي تعيق طريقه. كثيراً ما نترك صالات العرض دون أن تحرك الأفلام مشاعرنا؛ بينما (خطاب الملك) يُعيد المشاهدين إلى منازلهم بابتسامة على وجوههم وقلوبهم تغني مرحاً.

نادراً أيضاً ما نجد عدة أداءات رائعة في فيلم واحد، والأهم هو كولين فيرث الذي قد يفوز بجائزة الأوسكار (وإن لم يفز فهو يستحقها). وربما يكون أفضل توصيف لطريقة معايشته للشخصية هو تذكر تمثيل هيلين ميريل الباهر في فيلم (الملكة)، فهو من نفس الطينة، رجل ينزع جلده وينسل داخل جلد رجل آخر بكمالية لدرجة أننا نصبح نهتف للشخصية. وجيفري راش بوجهه المثير للشفقة يعد حليفاً مثالياً لفيرث، حيث يوفر لشخصية ليونيل شجاعة مقنّعة لتغطي شكوكه الداخلية حول عمله مع رجل بمكانة ألبيرت الرفيعة. فنرى تحت سطحه الخارجي الواثق الجانب العذب لرجولته النبيلة. ينسجم الممثلان فيرث وراش بطريقة ممتازة، وهو أمر هام في أي فيلم حول الصداقة، بغض النظر عن مدى غرابتها. وهو نفس حال الانسجام الذي يجمع بين فيرث وهيلينا بونهام كارتر التي تؤدي شخصية إليزابيث ببهجة، كامرأة متوقدة اللسان والذهن وقادرة أن تكون حنونة وإنسانية بنفس الوقت.

ويشغل طاقم التمثيل الثانوي مجموعة من الأسماء التي تقدم أداءات رفيعة المستوى، فيظهر هنا تيموثي سبال بترجمته لشخصية وينستون تشيرشل بأسلوب يتعدى المحاكاة. وديريك جاكوبي – الذي أدى تمتمة شهيرة بدور البطولة في (أنا كلوديوس) – يمثل هنا شخصية لانغ رئيس الأساقفة المخبول واللبق. بينما تتكون العائلة الملكية عبر تمثيل مايكل غامبون بدور جورج الخامس وكلير بلوم تؤدي دور زوجته الملكة ماري، بينما يلعب غاي بيرس دور إدوارد الذي تتسبب فتنته بامرأة أمريكية مطلقة مرتين بمشاكل تبعده عن العرش. وأخيراً اشتراك جينيفر إيل بدور زوجة ليونيل يسمح لها العمل مجدداً مع فيرث بعد مسلسل (الكبرياء والإجحاف)، وهي المرة الأولى التي يعملان بها سوياً منذ ذلك الوقت.

لا يمثل المشهد الأخير الذي يهب الفيلم عنوانه ذروة القصة وحسب بل أيضاً اللحظة التي تتوج بها كافة العناصر مع بعضها – بتمثيل فيرث وراش والألحان الموسيقية الكلاسيكية وبساطة تصميم الديكور اللافت للأنظار (الغرفة التي يُلقى بها الخطاب تمتاز بالعملية والبساطة). يقود هوبر كل شيء بخطابة صحيحة ضمن لغته السينمائية، حيث لا يوظف المايكروفون كأداة صوتية مساعدة للتضخيم الصوت وتسجيله فقط إنما كعدو لدود كذلك، فهو خصم جورج السادس الخفي الذي عليه تجاوزه من خلال طرد أرواحه الشخصية الشريرة، وهي لحظة مذهلة حين تحدث.

لقد قررت جمعية الأفلام الأمريكية بحكمتها الواسعة أن تثقل الفيلم بتصنيف Restricted بحجة وجود الكثير من الكلمات النابية فيه، بينما تسنى لجاك نيكلسون بألفاظه المشينة غير المبررة في فيلم (كيف تعرف) السيئ أن يعطيه تصنيف PG-13. وفعلاً ثمة بعض الألفاظ النابية في هذا الفيلم (تماما كما هي هذه المراجعة الآن)، لكنها لا تخرج دون مبرر، بل تخدم سياق عملية علاج الخطاب. لقد وضحت جمعية الأفلام الأمريكية مرة أخرى مدى قصر نظرها، فهذه الكلمات هي السبب الوحيد وراء تصنيفه المقيد هذا حيث لا يتخلله أي مشاهد جنسية أو عنيفة، فقط كلمة واحدة تخرج أكثر من مرة.

يملك (خطاب الملك) مواصفات الفيلم الجيد، فحين تنتهي مدته التي تستمر لساعتين، سيأمل الكثيرون لو أنها طالت لأكثر من ذلك. فبما يعرضه من دراما غليظة مخادعة وإخراج بارع وسيناريو متقن وتمثيل ممتاز، يوضح الفيلم كم هي الأفلام الدرامية المعروضة حالياً مخيبة لآمال الجمهور. إنها قصة إنسانية عميقة تلامس القلب وتلهم المشاهدين ليس فقط بعلاقتهم مع الشخصيات وظروفهم، لكن أيضاً كتذكار بأن فيلماً كهذا وارد الوجود في الصالات وسط الأجواء الكئيبة المشوشة لأفلام 2010 المتوسطة بمستواها.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

4 أراء حول “The King’s Speech – 2010

  1. وعليكم السلام نور .. شكرا على تعليقك المهم ..
    ما ذكرته من أحاسيس هي غاية الفيلم تماماً .. كقصة تلهم المرء ليتخطى مخاوفه .. والتعايش معها بنفس الوقت ..

    وأوفقك الرأي حول أحقية الممثل بجائزة الأوسكار ..
    دمت بخير .. 🙂 ..

  2. السلام عليكم أخي مهند…
    لم أتحمس للفلم في بداية الامر لكن بعد ترشيحه للأوسكار قررت مشاهدتهة لألتزم بخطتي بمشاهدة جميع الأفلام المرشحة , لقد صعقت بالأداء المبهر والمؤثر في هذا الفلم فقد شد أنتباهي الكامل طوال ساعتين وكان تفاعلي صادقاً مع الشخصيات وتطورت مشاعري بتطور الأحداث ففي المشهد الأول أحسست بالحزن والخجل وكأنني أنا التي في ذاك الموقف وحتى المشهد الأخير حيث أحسست بالفخر وكأن الجماهير تهتف لي وكأنني أنا التي فزت في ذلك الصراع المرير .
    منذ فترة طويلة لم أشاهد فلم له القدرة على تحريك كل هذه المشاعر في فترة قصيرة , فهو يستحق ان يكون افضل فيلم , وكولن فيرث يستحق ان يكون افضل ممثل وهو بالفعل افضل ممثل.

  3. صراحه تحمست لاشاهد الفيلم .. انا شاهدت دعايته ولكن لم يشدني جدا ولكن بهذا التقرير
    والجوائز التي حصل عليها والترشيحات في Awards 2011 بقي لي ان انتضر النسخه الـ HD لاشاهده ..
    وشكراً مهند ع الترجمه .

اترك رداً على مهند الجنديإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading