The Departed – 2006

نظرة سريعة على بداية فيلم “الراحلونهايته.

“إنها أمة من الخونة.”

بقلم مهند الجندي.

معظم الأحياء في فيلم (الراحل) للمخرج مارتن سكورسيزي هم في الواقع إما من عداد الأموات أو حفنة من النكرات، الخونة لأنفسهم ولغيرهم، عاقبة لا ريب فيها لتنشئة متناقضة حفرت في أذهان أفرادها توأمة كفتي الخير والشر، فكليهما سيان أمام فوهة المسدس إن كانت خلفيتك أصلاً ملطخة بالدماء والعار. يرسم فرانك كاستيلو (جاك نيكلسون) لوحة بقلم الرصاص تجسد مخيلته التي تنهشها مفارقة مثول الكنيسة فوق كل شيء بينما تتجمع الجرذان من تحتها في العالم السفلي الذي يقتات من فعل ما يخالف كافة أعرافها، فهو يرى بأنها تولد رجالاً من العبيد، في حين أن الشارع يعد رجالاً من حديد. يمكن لفرانك أن يتواصل مع جرذ آخر مثله يوظفه ليشتم رائحة أي قط قريب، بيد أنه يحرق طرف لوحته حين يرى نفسه بالمرآة بعلمه عن وجود جرذ غامض مماثل له يطابق مواصفاته، الجرد ينهش بلحم فصيلته لأول مرة، ومصيرهما هو موت حتمي في هذا المستنقع الكريه.

يصور سكورسيزي مستنقع الفئران هذا بالتنقل بين طرفي المعادلة، الأول هو كولين سوليفان (مات ديمن)، الذي يشهد بأم عينيه البرعمتين كيف تشتري لك العضلات كل شيء، وتغمر يده نقود كاستيلو الملوثة، ويتشرب منه منهجية الكنيسة التي تؤسس مرتاديها على الركوع والخضوع دون أن تضيف لك شيء فعلي، في الوقت الذي يتحتم عليك المضي قدماً ونيل ما تصبو إليه بالإقدام عليه “حينما تقرر تحقيق شيئاً ما، يمكنك ذلك، هذا ما تخفيه الكنيسة عنك”. يكبر كولين ويصعد على سلالم التعليم والوصول إلى سلك الشرطة محملاً بهذه القناعات، حيث الغاية تبرر الوسيلة. وبينما يطالع كولين بالكنيسة التي حُرم من شعائرها وباتت له مكاناً غامضاً يختار أن يسكن على إطلالته فتمنح قريرته السكون والصفاء، حينها فقط ننتقل للتعرف على الشخص والطرف الثاني من المعادلة، وهو بيلي كوستيغان (ليوناردو دي كابريو)، شاب شبه وحيد بمشاكل نفسية عديدة يتلهف للتخلص من جذوره الأسرية المجرمة والالتحاق بالشرطة عبر التدرج الشرعي المطلوب. غير أنه يتلقى أسوء خبر يمكن أن يسمع شخص مثله “لا يمكنك أن تصبح شرطياً الآن، ربما بعد خمس سنوات.” والمحصلة هي إنسان دون وجود على خارطة الشرطة، ومنفعة لا غبار عليها في عالم الجريمة المنظمة.

يؤسس سكورسيزي افتتاحيات أفلامه عادة بمهارة لا نظير لها، وهنا يقارن بين خلفية بطليه ليوضح نعيم الأول وسجن الثاني بشتى السبل والمهارات السردية الحيوية التي يتمتع بها حصرياً؛ فلابد أنهما وجهين لعملة واحدة: قدرة الخيانة الفطرية والبحث عن مغزى الوجود إما في قلب الكنيسة أو على عتبة الطريق. من الطبيعي إذن أن يستخدم الكاتب ويليام مونهان المفارقة اللفظية “Verbal Irony” حين يسأل بيلي طبيبته النفسية مادلن في النصف الأخير من الأحداث إن كانت تربي قطة ما في منزلها، وحين يعلم أنها لا تملك واحدة يقول: “يعجبني ذلك”، وهي جملة تهكمية حتماً سترضي شخصاً يعمل جاسوساً (Rat – فأر) يجد لأول مرة مكاناً له لا يتحتم عليه فيه تتبع من يقف وراء ظهره ولماذا، خوفاً من مخلب قط يتربص به، قبل أن يلاقي حتفه بنفس الطريقة التي يخشاها.

ولا عجب أيضاً باستلام كولين سوليفان إلى الموت أخيراً بكلمة “حسناً” أمام فوهة المسدس، فقد كان متنكراً ضالاً في وجه كل شيء، عمله وصديقته وكنيسته ونفسه، وفرانك كاستيلو، أكبر الجذران، يرحل على يد أحد تلاميذه الأكفاء، فالقوارض ذات الأنياب اللبنية لابد وأن تكبر يوماً وتسلك ممراً قذراً حاداً خاصاً بها، حتى وإن كان الموت هو المكان الأنسب لها.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading