127Hours – 2010
“I can do anything on my own.”
ترجمة مهند الجندي عن جيمس براردينيلي.
لا يعترف المخرج داني بويل بتكرير نفسه، فهاهو ينتقل بعد النجاح الباهر لفيلم الرومانسية الجامحة (المليونير المتشرد) بأساليبه ومضمونه ليحكي قصة آرين رالستون الحقيقية خلال فيلم (127 ساعة)، وهو عمل تملئه “الحركة ببطل لا يقوى على الحراك”. ثمة تشابه كبير بين هذا العمل وفيلم (مدفون) بحيث أنهما يعتمدان على أداء الممثل الرئيسي للعمل اعتماداً رئيساً، وكلاهما يتحدان قدرة الجمهور على البقاء مع شخصية عالقة في ظروف صعبة طوال 90 دقيقة. ومع أن مستوى التوتر الموجود في (127 ساعة) لا يصل إلى ذاك المتوفر في فيلم (مدفون)، إلا أنه يتضمن مشهد واحد مؤلم جداً نظراً لطريقة تصويره العصيبة والواقعية بدمائها مما سيدفع بعض المشاهدين أن يشيحوا بنظرهم عن الشاشة. يجسد الفيلم “إرادة الإنسان للبقاء على قيد الحياة” بشرح تفصيلي.
ستفترض بقية هذه المراجعة أن قارئها يعرف عن قصة آرين رالستون الحقيقية الذي كانت معاناته محط اهتمام كثير من القصص الإخبارية في مايو العام 2003 (ومحور لمواضيع متلاحقة على شبكات تلفزيونية ووثائقيات محلية). بينما القراء غير الملمين باسم رالستون و/أو لا يتذكرون تلك التقارير الإخبارية فقد تكون هذه المراجعة مفسدة لأحداث الفيلم.
يعرض (127 ساعة) كما يشير عنوانه فترة زمنية تزيد قليلاً عن خمسة أيام من نهاية شهر إبريل حتى بداية شهر مايو العام 2003. وفيها يقوم آرين رالستون (جيمس فرانكو) المغامر الحر البالغ من عمر 27 سنة آنذاك برحلة عبر مضيق بلو جون في يوتا تتضمن التسلق والاستكشاف. وتعمل الدقائق الخمس عشرة الأولى المبهجة والملونة بلقطات طبيعية خلابة تصاحبها الموسيقى الحماسية التي وضعها اي. آر. رحمان كتعريف لشخصية الفيلم الرئيسية المتباهية واستعراض لمكان وزمان القصة. يلاقي آرون هناك امرأتين متجولتين تائهتين (آمبر تامبلن وكايت مارا) ويساعدهما في العثور على وجهتيهما قبل مضيه برحلته. بيد أن تعرضه لحادث مؤسف بعد ذلك بقليل ينتهي به عالقاً في قعر مضيق عميق وتحطم يده بجلمود صخري مطوقاً بنفق جداري. فيحاول كل ما بوسعه ليحرر نفسه لكن الأدوات المتوفرة بين يديه شبه معدومة، ويدرك أنه قد يموت هناك بما أن مخزونه المائي بدأ ينفذ.
يبقي فيلم (127 ساعة) المشاهد مع بطله طوال مدة العرض تماماً مثل فيلم (مدفون)، ولا ينتقل بأي مشاهد إلى أصدقاء له أو أقارب يتسائلون عن مكانه. ثمة القليل من استرجاع الأحداث مع بداية مأزق آرين حيث ينال منه الجفاف والتعب وحينها تبدأ الأحلام والهلوسات بمراودته. ويقدم الفيلم هذه المشاهد كأجزاء من واقع شبه جنوني كمحاولة للدخول في عقل شخصية البطل الذي يقوم بتسجيل أفكاره ولحظاته هناك بكاميراة الفيديو على أمل أن يتسنى للشخص الذي سيعثر عليه بتسليم الشريط إلى والديه. (هذه الأشرطة موجودة فعلاً، رغم أنها لم تعرض علناً أبداً، لكن رالستون سمح للمخرج وممثله أن يشاهداها كمساعدة في تحضيرهما للفيلم، وعي العناصر التي توفر أساس القصة بالإضافة لعدد من المقابلات وكتابه حول هذه التجربة).
يقدم جيمس فرانكو هنا أفضل دور في مسيرته الفنية، وهو المتواجد تقريباً في كل مشهد من مشاهد العمل (معظمها من لقطات قريبة)، ليغير من صورته كممثل للأدوار الدرامية البسيطة لأنه تحمل عبئ الفيلم بأكمله على كتفيه. ونبقى مع آرين في حفرة لأكثر من ساعة، وأداء فرانكو الملتهب والموتر يستوحذ على انتباهنا نظراً لأن ترجمته لهذه الشخصية تجعلنا نتفهم سبب لجوء آرين لبتر أحد أعصاء جسمه كي ينجو بروحه من الهلاك.
حتماً أن متابعة هذا المشهد ليس أمراً سهلاً، وبويل يقدمه بحذافيره ولا يبعد الكاميرا عنه أبداً أو يخفف من وطأته، فنرى آرين يكسر عظمة ساعديه ثم يستخدم موس ثقيل من سلسلة مهترئة لينشر الأنسجة الرقيقة الباقية. إنه مشهد دموي ومريب لدرجة أن بعض المشاهدين خرجوا من صالة العرض وآخرين أغلقوا عيونهم أو أشاحوا بنظرهم عنه. ومع أنه لا يحمل نفس الرهبة التي تعرضها بعض أفلام الرعب، إلا أن “واقعية” هذا المشهد تزيد من صعوبة مشاهدته (كإستحالة مشاهدة قص الإظفر في الأفلام رغم أنه أمر لا يتطلب الكثير من المؤثرات الخاصة).
وقد تمت صناعة (127 ساعة) بنفس طاقم عمل (المليونير المتشرد) رغم الاختلاف الكامن بينهما، حيث قام بويل بكتابة السيناريو مع سيمون بيوفوي، وتولى أنثوني دود مانتل مهام التصوير، ووضع اي. آر. رحمان – الموسيقي الهندي الشهير – الموسيقى التصويرية للفيلم. إن عمل هؤلاء الأشخاص ضمن هذا الفيلم بالخغاء هي شهادة للمواهب التي يتمتعون بها.
ينجح المخرج بتوثيق معضلة آرين وتجسيد الصعوبات التي واجهها في الجحر، ومنها: اختلاف في درجة حرارة الخانقة والتعب الجسدي والعصبي ومحاولاته المنكررة في تحرير نفسه ومعاناة انتظار الموت. لقد كانت فعلته مزيجاً من الشجاعة واليأس، والكثير من المشاهدين سيتسائلون إن كان بمقدورهم التصرف كما فعل آرين (على أمل أن لا يحتجوا الإجابة على هذا السؤال). كما لا يخلى الفيلم من نفحة فلسفية (حول القدر) لا توائم العمل إضافة لكوميديا سوداء جيدة. شيء واحد يفتقره (127 ساعة) ألا وهو عامل التشويق (خاصة أولئك المطلعين على القصة الحقيقية). ليس فقط أننا على دراية بأن آرين سينجو من مأزقه هذا، بل أيضاً نعرف الطريقة التي ستحرره. وعليه فإن مشاهدة الفيلم لا تمسي حول معرفة مآل الأحداث إنما مراقبة تفاصيل تلك الأيام الخمسة، وتصنيفه كـ“إثارة” أو “حركة” لن يكون تصنيفاً دقيقاً. بغض النظر عن ذلك فإن بويل قد حول القصة التي عُرضت مسبقاً بشكل تلفزيوني وثائقي إلى فيلم سينمائي، وهي حكاية مذهلة عن الإرادة والصمود تستحق هذا المجهود وملهمة للمشاهد مع أن متابعتها إلى نهاية ليس بالأمر الهين.

