The Social Network – 2010
“It’s like a Final Club except we’re the president.”
“We lived in farms, then we lived in cities, and now we’re gonna live on the internet!.”
بقلم مهند الجندي.
لماذا لا يمكنني إضافة مارك زاكربيرغ كصديق؟
الصديق… وفت الضيق… قد يجلب الضيق، وأشياء أخرى كثيرة غير متوقعة. لماذا يقول الخيار في أعلى صفحة موقع الفيسبوك “أضف كصديق” برأيك؟ هل سيكون مديري في العمل صديقاً لي؟ بنقرة فأرة؟! إنها رحلة البحث الأبدية عن صديق حقيقي، لكن لا تتأمل ذلك دائماً وأنت تناظر جملة “Awaiting friend confirmation” فقد يكون عدواً لك. ولمَ لا توجد خيارات أخرى مثل “لم يُعجبك أبداً” أو “لم يُعجبك” أو “أعجبك كثيراً” في الموقع؟! المرجح بأنها لن تكون عبارات Cool أو رائعة ومشجعة للقراءة، تخيل: Dislike – Really Like – Don’t Like At All. الجيد، ولحسن الحظ، أن الخيار الوحيد المتوفر حالياً “أعجبني” هو الخيار الملائم لفيلم (الشبكة الاجتماعية)، لا أكثر ولا أقل.
مثل هذه العبارات وأخواتها السلبية أو المتوسطة ليس لها مكان في الفيسبوك لأن مؤسس الموقع المزعوم خرج بفكرته هرباً من مثيلاتها في حياته الاجتماعية؛ عدمية قدرته على التواصل مع أقرب الناس إليه دون خدمة مصلحة معينة عمياء له ومنه، الأمر الذي قاده ليطور برمجياً مجموعة من الأفكار خرج بها زملائه في الدراسة عملياً وعفوياً، وذلك ببراعة نابغة، في حين أن أفكاره الخاصة كانت تتمحور حول الفضائح وإهانة الفتيات. وعليه فإن شبكة الأصدقاء الاجتماعية هذه قد أسسها هؤلاء الرفقة أنفسهم كما يوضح الفيلم في كل مشهد من مشاهده، ومأساته تكمن في الدوافع وراء ذلك، هوس الفوز والكمال والمال، وألوان الوحدة البشرية.
مارك زاكربيرغ (جيسي آيزنبيرغ) لم يكن شخصياً كريهاً أو شيء من هذا القبيل، وسيناريو هذا الفيلم الذي اقتبسه آرون سوركن عن كتاب “ملياردير بالصدفة” بقلم بين مزريتش يصر أن لا يكره أو يصوره بجشع أو بوحشية مطلقة بداعي إنسانية المرء (دبلوماسية الفيلم الزائدة هي واحدة من مشاكله)، لكن أحداً لم يعترض طريقه أو يعرف هويته وهو يجري خلال عودته إلى حرمه الجامعي في جامعة هارفارد العام 2003 ليطبق فكرة على الانترنت ينتقم من خلالها من صديقته إريكا (روني مارا) التي قررت تركه في افتتاحية هذه الشبكة الاجتماعية السينمائية للمخرج ديفيد فينشر، فهي الآلية التي تشحن فؤاد عمله، فيواظب على تطبيقها لابتكار أفكار دائمة التجدد تخدم الهدف الأساسي من موقعه: ما دام أنه لا يستطيع الانضمام لأي نادي جامعي جذاب ومرموق، فلما لا يجعل الجميع يهرعون برغبة الانتماء إلى ناديه، ويراقب عدد أعضائه المنتمين بتصاعد مستمر وكما يحلو له.
غير أن مارك يُلغي الحواجز الاجتماعية التي عرقلته في حياته الجامعية شيئاً فشيئاً، ويفتح عضوية الانضمام إلى ناديه وموقعه بالمجان بينما يمتلك هو أكبر حصة من رأس المال، فالآن بات الجميع أعضاءً في ناديه الخاص لكن دون أن يعرف أحداً منهم حق المعرفة أو حتى سطحيتها. ولأن الجميع من حوله يملكون المال والنجاح باختلاف أشكاله، كان مارك يبحث عن الريادة والقيادة، وهو بحق طموح ملهم غريب لنا نوعاً ما إن اعتبرنا وراجعنا الطريق الذي مضى به والأشخاص اللذين خسرهم لتحقيق غايته.
النهج الذكي والمعاصر الذي اختاره ديفيد فينشر لعرض أحداث الفيلم بين وسائل عمل مارك نحو ولادة فكرة الفيسبوك وبين القضايا التي أقامها عليه كل من صديقه الوحيد في الجامعة إدواردو سافيرين (أندرو غارفيلد) الممول السابق له، والأخوين كاميرون وتايلور وينكلوفس (آرمي هامر) كقصتين متقاطعتين متشابكتين مع بعضهما واستعانة مارك بخدمات شون باكر (جاستن تمبرليك) مخترع النابستر للصعود بخبرته وعلاقاته إلى قمة الاستثمار الإلكتروني، يعمل على وضع هذه القصة والشخصيات فوق ميزان مربك موتر ومتقن التنفيذ من التدرج والتأرجح الأخلاقي والربط بينهما بنسق متوازي يغربل الفارق ما بين طلبة الجامعة الطموحين وتحولهم إلى رجال أعمال ماديين في مجتمع لا يعترف بالنكرات أو الحمقى.
الفيلم فعلياً لا يناقش خطورة أو محاسن الموقع، ولا يكترث أيضاً بمحتوياته (شعبيته تشرح ذلك بما فيه الكفاية)، إنما يعرج على توفير شرح تقريبي عن الأرضية الوعرة التي أثمرت مثل هذا المشروع هائل النجاح المقدر حالياً بـ”25 مليار” دولار أمريكي. ينفجر العمل أحيانا بلحظات عبقرية مؤثرة للغابة (معظمها تتضمن أداء جيسي آيزنبيرغ أو أندرو غارفيلد)، ومعالجة فينشر عبر حوار أرون لا تقل بأي أهمية عن مجمل أعماله السابقة المبهرة، سواءً السردية أو التقنية (خاصة الموسيقى التي وضعها الثنائي ترينت ريزنور وأتيكس روس فهي تخيم على الأجواء كسحابة سوداء تمطر اكتئاباً وهوساً ووحشة)، بيد أن (الشبكة الاجتماعية) يتكئ رغماً عنه على وقع وسمعة الموقع الحاضر ليصعد بمستواه الدرامي، فلو ألغينا توسط السؤال “من أنشأ الفيسبوك وكيف؟” عن الحبكة لوجدنا أنفسنا أمام فيلم يدور حول منبع الخيانة والعجز الاجتماعي والشهوة والرغبات الجامحة المضللة للبشر، لكن هل كنت ستبحلق بشاشة لو كانت قضيته القانونية حول “من أنشأ محل أبو سمير الحلاق؟”
وبالطبع فإن اعتماد صانعي الفيلم على وهج الفيسبوك وفضول الجمهور حول أسرار أساساته يعزز عنصره التشويقي، لكنه بالمحصلة لا يتعدى كونه دراسة عصرية حيال النفس البشرية الطموحة وسلكها شتى الطرق مهما كانت نرجسيتها للوصول إلى تحقيق الذات. وقد تتسم رغبة الفيلم الشحيحة بالدخول غوصاً تحت جلد البطل وألا بطرق بابها كثيراً كإيحاء عن القلب الأجوف الذي يضخ الدم في صدر مارك زاكربيرغ وعقد النقص الشخصية المهيمنة على أفعاله والتي يحولها إلى برمجة عبقرية مفرطة ومعاملة فظة عديمة الاحترام للغير (عدا أولئك اللذين يملكون شيئاً يهمه) إلا أنه بنفس الوقت عامل يترك المشاهد دون إحساس أو صلة محددة الهوية تجاهه أو غيره، لاسيما أن الشخصيات جميعهم تبدو وكأنها تردد حوار الكاتب الحذق وليس كلاماً اعتيادياً ينجم عن طلبة جامعيين يشقون طريقهم في الحياة. وبالتالي، الفيلم ككل يبدو وكأنه كأغلب صفحات موقعه، تعرف أنه جميل ومفيد ومحبوك لكنك لا تعرف تحديداً ماذا تفعل به، فتكتفي أخيراً بإضافته كصديق آخر لأفلامك الجيدة، والمرجح أنه “سيعجبك”.
لن أستغرب ترشح أو حتى فوز (الشبكة الاجتماعية) بأوسكار أفضل فيلم، لكنها ستكون هفوة أكاديمية جديدة، ليس لرداءة العمل، بل لأنه سيكون انتصاراً لزمن الكووول واللووول!


الشكر لك على القراءة المميزة الثاقبة. أعجبني الفيلم كثيرا مع أني (وربما لأني) لست ممن يملكون حسابا على موقع فيسبوك. وقد وجدت في (الشبكة الاجتماعية) شبها كبيرا بفيلم رائع آخر هو (There Will Be Blood) حيث في كل من الفيلمين نجد البطل الأوحد ينظر أمامه فلا يرى سوى هدفه الذي يسعى لتحقيقه، وهو لا يبالي كثيرا بأولئك الساخطين على طريقة سعيه وراء هدفه ولا بما قد يتسبب فيه من آلام..فالمهم لديه هو تحقيق الهدف، ولا شيء سوى الهدف.