Paths of Glory – 1957
“Gentlemen of the court, there are times that I’m ashamed to be a member of the human race and this is one such occasion.”
بقلم مهند الجندي.
“الوطنية: ملاذ الأنذال الأخير.”
– سامويل جونسون، الكاتب وعلامة اللغة الإنجليزية المعروف “الدكتاتور اللغوي” (عاش ومات ما بين 1704 إلى 1784).
أحد مزايا الفهم الصحيح لأصول المعاني وجذور الكلمات التي نهجها سامويل جونسون في أعماله ومعاجمه هو التوصل الأمين لمقصد المصطلح في موقعه المذكور لغوياً ومكانياً، ومن أكثر الكلمات تشعباً وإثارة للجدل والتي أوجبت علي بحثاً مكثفاً ودقيقاً هي كلمة “الوطنية”، حيث نكتشف تباعاً أن شخصيةً ما في فيلم المخرج ستانلي كوبريك هذا تريد أن تعبر أحد (خنادق المجد) دون أن تكون أهلاً لها. ففي الوقت الذي يحتسي به الجنرال بول ميرو نخبه تحيةً لفرنسا وينتظر شن هجومه المستحيل، كان العقيد داكس يزحف بدربه في صمتٍ صارخ بين مأتم جنوده العسير والقادم لا محالة، بينما عيون رجاله المدفونة من حوله تطوق حسرته وتواسي قائدها: هنيئاً سيدي لجبانٍ مظلومٍ ميتةً شجاعة… ما دامَ جبنُ قاتلهِ حيٌ لا يزالُ…
خلال الحرب العالمية الثانية، كان الديكتاتوران هتلر وستالين يرتديان زيهما الرسمي العسكري طوال الوقت، في حين أن القادة الديمقراطيين فضلوا ارتداء سترات رسمية أخرى، مع اختلاف أهداف الطرفين حيال الأمر. يقتبس الجنرال داكس في هذا الفيلم مقولة سامويل جونسون “الوطنية هي ملاذ الأنذال الأخير” عندما يشعر تحديداً بأن سترة وأوسمة الجنرال بول ميرو تتحدث عن لسانه وتأمره بتنفيذ مهمة حربية غير معقولة عوضاً عن لسان مبادئه أو منطقية الوطنية الصحيحة. ونعلم من خلال أداء كيرك دوغلاس الصادق والآسر لأنظارنا أن داكس سبق له أن شرب نخباً من دم الوطنية الحقيقية لدرجة أنه يغص بفسادها فور فهمه لمغزاها من شفتي بول.
بالطبع الهدف الذي كان يرمي إليه جونسون بشباكه من هذه الجملة هو أن الأنذال سوف يلجئون – حين تسيء أحوالهم – إلى خيار “الوطنية المزيفة” ومفادها: قم بتنفيذ ما آمرك به، وإلا أسرحك من الخدمة. أما الجنرال بول ميرو فينطقها كالآتي : “أنا أعتمد عليك، وفرنسا كذلك، شعباً وحكومةً”. لا تستثير هذه الحجة القيادية شعور الجندية في صدر داكس، فتستحضره تلقائياً تلك الجملة مستعيناً ببلاغة سامويل جونسون حول الوطنية ومكان استخدامها العكر مرير الطعم.
القفاز
قد تكون سخرية الحياة هذه ووطنية الحرب المزعومة المبينة في الفيلم وفي منظورها الجماهيري العام هما الأمران اللذان ألهما ستانلي كوبريك ليخرج لهذا الفيلم، بيد أن العودة إلى شريط أعماله واستعراض خصالها المشتركة توضح شغف هذا المخرج في تصوير شخصيات تكاد لا تحتويها الشاشة وتلفها عقد مكانية معينة، حسنة كانت أم ضارة، تماماً كما كانت حياته الشخصية السرية التي عاش فيها مخرجاً وكاتباً ومنتجاً ومصوراً وتقنياً ما بين 1928 إلى 1999 أمريكي المولد بريطاني المسكن، محققاً أحد عشر فيلماً طويلاً ووثائقيان قصيران وأفلام أخرى ضائعة حية، وجميعها بلا استثناء، مع اختلاف مواضيعها وتنوع أهدافها، تركت أثراً مغيراً في دروب السينما وفي نفوس فنانيها ومتابعيها، وجميعها بطابع ستانلي كوبريك الخاص غير المسبوق والمهووس بتفاصيل مثالية لا تنضب.
مسيرة ستانلي كوبريك، وهو “صانع” أفلام حقيقي من ألفها إلى يائها، تتطلب تصوير ربما ملحمة كاملة حول حياته الفنية لتشريح رؤيته البصرية وتحليل مسترسل لأعماله المثيرة للاهتمام وللمخيلة، فقد فهم الأفلام لوحده وحبا بساعديه ليدرس منهجه السينمائي الخاص بعد أن عشق التصوير الفوتوغرافي وعمل فيه يافعاً هاوياً ومحترفاً جراء فشله بالانتساب في أي جامعية أمريكية إثر تدني درجاته المدرسية عندما تخرج من المرحلة الثانوية عام 1945، قبل أن يتمكن شيئاً فشيئاً من تلقين غيره أسلوبه الفيلمي التعبيري دون اكتراثه فعلياً بأي مردود مادي هائل لأفلامه، ودون تجرؤ رؤساء الشركات المنتجة من تدخل في صنعته.
وعلى الرغم من أن فضول ستانلي كوبريك في أفلامه الطويلة قد لامس مواضيع عديدة مختلفة ما بين الجريمة والحرب والتاريخ والشهوة والسياسة والعنف، إلا أن الفكرة الرئيسة التي صبغت معظم أفلامه هي إمكانية تجرد البشر من صفاتهم الخلقية المستقلة والمسامحة والخيرة عند اضطرارهم للتواجد ضمن ظروف محيطة أو نفسية طارئة، وبالتالي حولتهم إلى آلة مجازية خاوية من السمات الإنسانية الأساسية وهدمت أية عواطف وتنازلات في التعاملات بين البشر على تناقض خلفياتهم ومحافلهم. وتمكن كوبريك منفرداً خلال مشواره السينمائي الطويل القصير أن يعيد تجديد نفسه فكرياً وتقنياً مع كل فيلم جديد يصدره، فمهما كانت متطلبات القصة الماثلة أمامه، سواء من ناحتي السرد أو التصوير، كان يحتويها كالقفاز وتناسب أنامله تماماً.
87 دقيقة
شرع ستانلي كوبريك مع الكاتبين كالدير ويلينغهام وجيم ثومسون على اقتباس رواية المؤلف همفري كوب والتي تحمل نفس العنوان وهو بعمر الثامنة والعشرين فقط، خاصةً بعد استحسان النقاد لفيلمه الطويل الأول (القتل) عام 1956، وبميزانية تقل عن المليون دولار مصوراً أحداثه في ألمانيا. ويستند جوهر الرواية على القصة الحقيقية لأربعة جنود فرنسيين تم إعدامهم بتهمة التمرد خلال الحرب العالمية الثانية؛ وقد سُلبت أرواحهم كعبرة لمن يعتبر، بيد أن المعضلة والحبكة الفعلية هي الطريقة التي تم فيها اختيار هؤلاء الجنود واستخدامهم كستار يحمي غايات ومطامع قادتهم للسلطة.
وعمد كوبريك في (خنادق المجد) إلى الحفاظ على الفكرة الرئيسة لرواية كوب مع إجراء بعض التغييرات الخاصة به، ونلاحظ أن أسلوب استلهامه لها هو أمرٌ ملهمٌ بحد ذاته، فكوبريك الذي عادةً ما يحد صعوبة في التوقف عن تصوير مشاهده وتنقيح كل رمشة فيها ومن ثم إعادة تصويرها مرة أخرى، نجد بأن أفلامه بالرغم من قوتها، تكون أحياناً أطول من اللازم، إلا أن كل مشهد صممه هذه المرة يبدو أهم من سابقه، والفيلم ككل يُحكى لنا محسوباً مضبوطاً ومريباً وكأن طوله الذي لا يزيد عن 87 دقيقة يعكس التسرع المخزي في تقرير مصير هؤلاء الجنود بمثل هذه الطريقة الفاسدة.
الندبة
تقع مجريات القصة في فرنسا عام 1916 والحرب العالمية الأولى في أوج سجالها، حربٌ لم يشهد لها العالم مثيلاً بالعنف والقتال. فبدل أن يحتدم القتال بين فرنسا وألمانيا على أرض المعركة بشكل مباشر وبأعداد ضخمة من الجيوش، يُعلمنا صوت المعلق عند افتتاح الفيلم أن حربهما قد طالت لأشهر وسنوات عدة وجنود الدولتين يختبئون في مجموعة من الخنادق الإستراتيجية، ويستخدمون الأسلحة والمتفجرات لتفتيت أوصال بعضهم البعض دون تفوق واضح لدولة على الأخرى. يجتمع الجنرال وممثل القيادة العليا جورج برولار (أدولف منجو) مع الجنرال بول ميرو (جورج مكريدي) وهو قائد لواحدة من هذه المجموعات العسكرية المجندة في الخنادق، ويطلب منه السيطرة على حصن ألماني منيع اسمه “تل آنت” في غضون 48 ساعة.
يقوم الجنرال جورج باستدراج زميله بول لقبول تنفيذ هذا الهجوم بحصوله على ترقية والتقلد بوسام عن جهوده في حال نجاحه بهذه المهمة. ويمرر بول روتينياً هذا الأمر إلى العقيد داكس (كيرك دوغلاس) الذي يستاء من الأمر ولا يجد أمل في نجاح المأمورية. وبالفعل، ينتهي الهجوم على “تل آنت” بالفشل الذريع الذي توقعه، مع امتعاض وغضب القيادة الفرنسية لهذه النتيجة وتزعم أن سببها هو “جبن” الجنود واختيارهم عدم مواصلة التقدم نحو مناطق العدو. تقرر القيادة على إثر ذلك إعدام ثلاثة جنود يتم اختيارهم عشوائياً كمثال على الجزاء الذي سيناله أي متخاذل أثناء أداءه للواجب المطلوب منه، وهم الجندي فيرول (تيموثي كاري) والعريف باريس (رالف ميكير) والجندي آرنو (جو تيركل)، لكن العقيد داكس يبذل أقصى ما في وسعه لإنقاذ رجاله من عقوبة الموت عن جرم لم يرتكبوه وحسب، لا بل استبسلوا في تنفيذ واجبهم.
يُعلن الفيلم عن عمقه البصري والتهكمي مبكراً خلال استقبال بول لجنراله الأعلى رتبةً، حيث نلحظ ضخامة القصر الذي يتخذه بول كمقر لعمله وقيادته، ولفخامة حلته وديكوراته، فهو يفضل العمل في جو لطيف بين السجاد والصور والشراب، في حين نشهد بعد ذلك مباشرةً أن جنوده يعملون في خندق يحاصره الحطام ودوي القنابل وجرحى ضحايا الحرب يلفون المكان بأسره. يتبادل الرجلان في لقاءهما هذا لعبة تبدو شطرنجية بين مد السياسة العسكرية وجزر المصلحة الشخصية؛ بول الذي كان يتوقع سبب زيارة جورج أبدى استنكاره المباشر لهذه المهمة، بيد أنه احتسى شرابه متأملاً (فقد تركيزه وآثر نفسه بالشراب بدل أن يُكرم ضيفه أولاً) عند سماعه بترقيته القادمة. وجورج لا تنقصه الحنكة في نفخ ذوق بول وإنجازاته، وعلم تماماً الوقت المناسب لينقل لبول خبر ترقيته (يترك لنا الفيلم حرية تفسير وجود الندبة على وجه بول، والتفسير حتماً حسب شخصيته، فهل حصل عليها أثناء قتاله في حرب ما، أم ربما في عراك أرعن داخل إحدى الحانات، أم ربما في واقعة أدنى من ذلك؟). ويساعدنا أداء الممثل جورج مكريدي المنمق في أن نمقت دوافع هذا الرجل وشخصيته ككل.
الاغتسال
يعرض (خنادق المجد) أفكاراً ماكرة حول التسلسل القيادي العسكري (كلما ابتعد القائد عن الحرب نفسها كلما ازدادت نذالته)، فبول لا يعتلي رأس الهرم، ولا حتى جورج، ثمة قادة أعلى منهما لا نتعرف عليهم يمليان عليهما الأوامر ويصغيان لها سمعاً وطاعة. وهذا ما يتأكد عندما يتوجه بول لإطلاع داكس على مهمته المستحيلة الجديدة (يختار كوبريك الجنود الثلاثة الذين سيتم إعدامهم لاحقاً لكي يمر عليهم بول قبيل اجتماعه مع داكس كإشارة للفارق بين شجاعتهم والمآسي التي تبكي الجنود الآخرين). والمرة الأولى التي نقابل بها العقيد داكس نراه يغسل وجهه وهو عاري القميص، وكأنه يضطر لتنقية ضميره كل صباح من المصاعب التي يأمر رجاله على تنفيذها، ويرتسم على وجهه السؤال “ماذا يريد الآن؟” عندما يُبلغ أن الجنرال بول قادمٌ لزيارته.
يتضح لبول عند دخوله لحجرة داكس مدى صغر المكان وضيقه دون وجود سوى كرسي واحد للجلوس على خلاف المقر الذي يشغله، ونسمع ساعده الأيمن المرافق له يشطح بمديح اجتهاد الجنرال على أنه يعمل دون أي راحة. يصطحب داكس الجنرال لمشاهدة “تل آنت” عبر المنظار، ويتبين لنا مدى حصانته وصعوبة اختراقه في حين أن بول يستمر في تحجيم صلابته كهدف لشن الهجوم عليه (المنظار هو أداة عادةً ما تستخدم لتقريب الأشياء البعيدة، وهنا كوبريك يشرح نفاق بول والسلطات العسكرية برمتها التي تراقب من بعيد عبر المنظار ما يحدث فعلاً على أرض الواقع، وبين ما يعانيه الجنود من عذاب حربي).
يعودان إلى الحجرة ويفصح بول عن سبب زيارته الأساسي، مع العلم أن داكس بدأت تراوده الشكوك حولها. المحادثة التي تدور بينهما هنا تبدو وكأنها منازلة أخلاقية ومرافعة إنسانية يصور فيها كوبريك الرجلان وهما يقايضان أماكنهما جيئةً وذهاباً بين طرفي الشاشة، يتأرجحان بين كفتي ميزان من الاستنكار والاسترحام والانحلال والفساد (بينما يعدد بول نسب القتلى التي يتوقعها وكأنها أرقام دون أي آثام أو قيمة، يتكئ داكس بيديه متخيلاً شدة وحرج الموقف، ويصغي بألم لاحتمال مقتل نصف رجاله). يستفز استشهاد داكس لمقولة سامويل جونسون في هذا الموقف مستوى ثقافة بول، فهل اغتاظ من معنى الجملة أم لجهله عن هوية هذا العالم؟ أم ربما لم يتمكن أو لا يريد فهم معناها من الأساس.
من أيِ سلالةِ رجالٍ تحسبني
قبيل تنفيذ الهجوم وفي نفس الليلة، يقود الملازم روجيه (واين موريس) “انتبه لتلوث وجهه” السكير والجبان دورية خاصة نحو المنطقة الفاصلة بين القوتين لاستكشاف ومسح الوضع قرب “تل آنت”. وتقوم القوات الألمانية أثناء الدورية بإطلاق نيران عالية تخيف الملازم روجيه فيقترح على زميله في المهمة العريف باريس أن من الحري عليهما العودة بأدراجهما والتغاضي عن زميلهما الثالث الجندي لوجون، الذي كان قد أمره روجيه بالتقدم وحيداً إلى الأمام. يحثه باريس على انتظار عودة لوجون لكن الذعر يسكن روجيه فيرمي بقنبلة يدوية عشوائياً ويلذ بالفرار إلى الخطوط الفرنسية. وبعد برهة، يجد باريس زميله ميتاً ومفجراً بذات القنبلة التي ألقى بها روجيه برعونته وجبنه.
يعود باريس لمواجهة روجيه حول فعلته المشينة، فنراه “نظيف” الوجه على عكس ما كان عليه قبل الشروع بالدورية، يقول له باريس “لقد هربت كالأرنب بعد أن قتلت لوجون”. يشدد المشهد مجدداً على نذالة الضباط الأعلى مرتبةً وهروبهم من تحمل المسؤولية عند الحاجة لذلك، فيحاول روجيه أن يهدد باريس بعدد من التهم تمنعه من فضحه والتبليغ عن فعلته، راجع كيف يتلعثم وهو يتلفظ أو يخترع التهم الثلاثة على أصابعه بينما باريس يرشق اتهاماته الصادقة كسكاكين تقطع أوصاله. الدفاع الوحيد الذي يلجأ إليه روجيه هي مناجاة كاذبة “أعرف أنك لا تحتملني، لكن من أي سلالةِ رجالٍ تحسبني؟” حينها يدخل داكس ليطلب منه تسليم تقرير الدورية، يسأله “كيف فقدت لوجون؟” فيجيبه “بالمدافع الآلية” في حين أن الجواب الأدق يكمن في تأمل داكس بزجاجة الشراب التي نسيها روجيه أمامه، إنه من سلالة رجال تعرف عن الخمر والجبن أكثر مما تعرفه أو ستعرفه يوماً عن الرجولة بشيء.
جيب اليدين
بعد فشل تلك المهمة الانتحارية في السيطرة على “تل آنت” كما تكهن داكس، يقوم الجنرال بول باتهام رجال العقيد بالجبن ورفض إتباع أوامر الهجوم، وعليه يقرر رفع قراره بإعدام جندي واحد من الفرق الثلاثة التي شاركت في الهجوم إلى المحكمة، بيد أن المسألة تتطور أكثر من ذلك وتتحول إلى تحدي شخصي، يصارح بول غريمه داكس “حال انتهاء هذه الفوضى سأعمل على تحطيمك، سأجد عذراً لذلك وأدمرك، وسيكون هذا ما تستحقه لقلة ولائك تجاه قائدك”. يطلب داكس الإذن من الجنرال جورج بأن يوكل نفسه كمحامي دفاع عن الجنود الثلاثة (يتم اختيار الأول بالقرعة، والثاني يرى قائده أنه غير مرغوب بين زملائه، والثالث هو الجندي باريس الذي يختاره روجيه لسبب نعرفه جيداً).
ينتصف الفيلم تماماً عند بدء جلسة المحكمة، وتزداد مهارة كوبريك في إيضاح فصاحته البصرية والفكرية مشهداً تلو الآخر. تُعقد المحكمة في ذات القصر الباهر ومقر عمل الجنرال بول، وتسير أحداث الجلسة، الزاخرة بالتناقضات، داخل قاعةٍ لا حدود لطولها ولا نهاية لعرضها، وتكاد لا تعرف سماءً لتقف عندها، وجدرانها مزخرفة بروائع النحت وأثاثها يبدو عليه الاستنساخ من قصور السلطنة وملوك الملذات، وبلاطها يزينه رخام ناصع وبراق يعكس بنظافته من فيه من ضباط. تمعن في الارتفاع التي تقف عنده الكاميرا حسب الشخص الماثل أمامها، فعندما يقوم المدعي باستجواب المتهمين تعود الكاميرا خلف رؤوس هيئة المحكمة أو تعرض الجنرال بول خلف مكتبه، لكنها تعلو عند حديث المتهم وتلتقط زميليه الآخرين معه في نفس اللقطة، في حين أنها تنخفض إلى الأسفل عند دفاع داكس الذي يسرده وحيداً على الشاشة. تفرد الكاميرا ذراعيها في نهاية المشهد وتشمل جميع من في القاعة بينما يُلقي داكس مرافعته الختامية “السادة هيئة أعضاء المحكمة… ثمة أوقاتٌ شعرت فيها بالخزي لانتمائي للجنس البشري، وهذه الحادثة أعادت لي ذاك الشعور”. إن غضب داكس واضح للغاية رغم سيره جيب اليدين، وكيرك دوغلاس ينقله لنا بمزيج مميز ومرير عن قلة حيلته كرجل قانون عسكري ومحاولته غير المجدية في الدفاع عن هؤلاء الجنود أمام استبداد الجنرالات الأعلى رتبة.
الحذاء
يقول باريس قبل صدور الحكم بإعدام ثلاثتهم “أترى ذلك الصرصور، غداً سنمسي أمواتاً وهو سيبقى حياً، لا بل سيتواصل مع زوجتي وأطفالي أكثر مني”. ينهار كل واحد منهم على طريقته الخاصة، راقب هنا دخول الضوء من النافدات الثلاثة للسجن، يلقي كوبريك بظلال أفلام النوار على الحرب كاستعارة لظلمات وقسوة العالم الذي يسكنوه. يقوم داكس بمعالجة مسألة روجيه بتوكيله مهمة قيادة فرقة الإعدام التي يعلم أنه يستحق تكبد عناءها والمرور برهبتها، يوكله بها ويتحدث معه وهو يخلع حذائه، التشبيه الذي يرى أنه يستحقه تماماً، فهو أدنى منه. يرمي ذكاء داكس هنا في اختيار روجيه للقيام بهمة الإعدام إلى عدم معرفته تماماً ماذا حدث في واقعة موت لوجون، لكنه يعلم أن الذنب سيسكن قلبه وسيعيش بآلام ضميره طوال حياته لو كان فعلاً المسؤول عن ما حدث للوجون، أو إن كان انتقائه لباريس بدافع التستر عن فعلته، أضف إلى ذلك أنه سيرى هلاكه يمشي على الأرض أثناء قيامه بمهمة الإعدام (اعتذار روجيه من باريس وخوفه من تأدية هذه المهمة تفسح له القليل من المغفرة).
وفي محاولته الأخيرة لإنقاذ أرواح الجنود، يكتشف داكس أن بول حاول قصف مواقع جنوده أثناء الهجوم على “تل آنت”، فيقوم بزيارة الحفل الذي يقيمه في القصر ويعتذر الأخير عن عدم دعوته لأنه خاص بأصحاب “الرتب العالية”. يكشف هذا المشهد الأول ، والثاني لاحقاً بينهما، عن المنهجيات المختلفة التي يعمل ويؤمن بها الرجلين، حيث يذهب جورج بالحديث مطولاً عن صورتهم كقادة وذوي رتب عالية والحفاظ عليها أمام السياسيين وفي الصحافة، ويضيف وهو يلوح بكأس شرابه “أحد الطرق للحفاظ على الانضباط بين الجنود هو قتل أحدهم بين الفينة والأخرى”. وعندما يُطلعه على ما فعله بول أثناء هجوهم ووجود شواهد مكتوبة ومرئية على هذه الواقعة، وأن صورته ستسود أمام الصحافة والإعلام، لا يجد جورج بما يقوله داكس أي صلة بإعدام الجنود، لا بل يرى أنه ابتزاز لنزاهته فيستأذن منه الانصراف لأنه تأخر عن ضيوفه في الحفلة. نعم، من الاحتفال إلى الإعدام.
أعتذر
يجسد مشهد إعدام الجنود الثلاثة بالرصاص قيمة الفيلم التي لا تزال معاصرةً ومحافظةً على أهميتها منذ صدوره عام 1957 حتى هذا اليوم، ألا وهي أن الضباط أمثال جورج وبول عليهم أن يدركوا بأنهم ليسوا مسؤولين عن قيادة جيوش وحسب، لا بل عن أرواح رجال بلحمٍ ودم. يحيي كوبريك هنا في ذاكرتنا الفكرة المخزية المتمثلة بقتل المرء لابن بلاده، والتي تقتل في أرواح زملائه الخصال التي تقوم عليها الجندية من شجاعة وإخلاص وحب للوطن ولقادته. وعندما يستدعي جورج العقيد داكس للتحقيق أكثر في فعلة بول، يُرحب به الأخير بالقول “لقد مات رجالك كما يجب” دون علمه بأن جورج سيكفر عن ذنوبه باختياره “كبش فداءٍ” لنزاهته. غير أن داكس يتفهم طينة هذا الجنرال جيداً “أعتذر… لأتني لم أصارحك تماماً. أعتذر لأنني لم أفصح لك عن مشاعري الحقيقية. أعتذر يا سيدي… لأنني لم أخبرك من قبل بأنك عجوزٌ فاسدٌ وخبيث. ولن أعتذر لك الآن ولا في أي وقت آخر قبل أن تنال جزائك في جهنم”. المفارقة أن هذه الجملة تشرح أداء الممثل أدولف منجو الملتوي لهذه الشخصية بأجمل وصف.
عادةً ما تتطلب مهمة صناعة فيلم معادي أو ضد الحرب وجود نوايا حرفية صحيحة من القائمين عليها، وهنا يتمكن ستانلي كوبريك في (خنادق المجد) أن يدين الأسس التي تقوم عليها الحرب وخوائها من أي معنى في حال عمل قادتها على إعدام عاطفة الإنسان وبسالة الرجال، بيد أن وجه داكس ويقظة ضميره وطهارة مبادئه وكفاحه نحو الحق تؤكد أن الموت قد يلامس أي شيء في الحياة والحرب إلا الروح البشرية، فوحدها معصومة عن طغيان وجبروت من لا يملكون هذه الروح أساساً. ولأولئك الذين لا يعرفون أخطائهم الإنسانية هذه، فسيكتفون بكسرة “شفقة” من العقيد داكس.
الجندي الصغير
يقف داكس قبل أن يعود إلى حجرته خارج حانةٍ أحضر صاحبها شابة جميلة لتروح عن نفس الجنود الفرنسيين بغنائها، لكن صيحاتهم وضحكاتهم تطغى على صوتها الرقيق الناعم، فتواظب على الغناء وتتلألأ عينتيها بخوف ورعشة، حتى يعم الصمت المكان ويصغي كل واحد منهم لأغنيتها الألمانية بعنوان “الجندي الصغير”. وبينما لا يُعجب داكس بهذا المشهد الذي يناقض ما شهده بالأمس من إعدام ظالم، نلحظ أن كلمات الأغنية بدأت على مهل تعيد جنوده إلى أيامٍ خالية جميلة، شبابهم وبراءتهم ووطنهم المسلوب، فيدندن كل واحد منهم حسب فهمه لحروفهما وأنغامها، وينبثق صدى همهمتهم في المكان وكأنه ينشق عن دمعاتهم وصوت أنين أرواحهم. يهز داكس برأسه بابتسامة صغيرة، حيث يرى في النهاية أنه لا يزال يوجد متسع للمجد والوطنية والإنسانية والجندية الحقيقية بين رجاله. وغدٌ يوم جديد.
لا يكمن للكلمات أن تصف هذه المشاهد حقها بكل أبعادها الدرامية والفنية، وهي التي صورها ستانلي كوبريك بعمره اليافع وفي استهلاله لمسيرته الهائلة بكل شيء، والأكيد أنك لن تشهد صناعة أفلام مماثلة لها في القريب العاجل. حقاً، لا يمكن لشمس الأفلام الأولى أن تشرق وتكتسب صفة التفوق أساساً إلا إذا رأينا وفهمنا صورها المستترة والمجازية، حينها فقط، نشعر بنورها يبزغ أمام أعيننا، فتنفض وتفر بقية الأفلام من حولها لتختبئ جاثمةً خلف حضورها الشاهق علو السحب… علو المجد.





