Shutter Island – 2010
حاذر: نهاية الفيلم مذكورة!
“…أنتَ فأرٌ في متاهة.”
– تيدي: “هل أطلعوك بتفاصيل عن المصحة قبل مغادرتك؟”.
– تشك: “كلُ ما أعرفه أنها مستشفى للأمراض العقلية”.
– تيدي:”…للمجرمين المختليين”.
(البساط المسحوب)
أكان ذلك اعترافاً يا تيدي؟ كان حرياً عليه أن يغسل وجهه جيداً، فما يراه في المرآة لا يعجبه إطلاقاً، والأصفاد تنتظره من خلفه. المحقق تيدي دانيالز في موجه إلى جزيرة “شاتر” مع بداية فيلم (جزيرة مغلقة) للمخرج مارتن سكورسيزي لينبش عن سبب اختفاء إحدى المجرمات المختلات عقلياً من مستشفاً يقبع على تلك الجزيرة. نراه يُطالع ذلك المكان وطرفتيه منغلقتان تقريباً من شدة الهذيان، وهيئته الخارجية وصداعه وآلام معدته توحي وكأنه مريضٌ جديد سيهبط إليها قريباً. يتعرف على شريكه تشك الذي يلقبه بالأسطورة ويعرض عليه التدخين من سجائره. يخبره تيدي مع اقتراب مركبه إلى الجزيرة أن زوجته قد ماتت “خنقاً” من دخان حريقٍ ما، والموسيقى تضرب في آذاننا توتراً يصف هول منظرها وتحكي حرقة تيدي قلباً وقالباً. وحين تطأ قدماه تلك الجزيرة، ويبدو على حراسها تعكر المزاج بالقول: “الآن، جميعنا متوترين.”، نلاحظ أن المستشفى تجاورها مقبرة بالية، فتتصاعد غرابة وتعاسة تلك القلعة، من أسياج مُكهرِبة وبوابات مديدة الضخامة، وحالما يشرع تيدي في الدخول إلى المستشفى، تومئ له إحدى المريضات خلسةً بسبابتها: “اصمت.” فهي بدورها لن تُفشي سره.
في الحقيقة، مارتن سكورسيزي هو الذي لا يريد أن يُفصح عن أي من أسرار فيلمه الجديد، ويُغلق عليها جيداً في حبكة ستسكن عقل المشاهد لساعات وأيام من مشاهدة (جزيرة مغلقة) الذي اقتبست حكايته لاييتا كالوغريديس عن رواية لدينس ليهان تحمل نفس العنوان. هذه البداية المعقودة بحبال بصيرة سكورسيزي، بخروج المركبة من الضباب وسط فم البحر، والسماء تعد بعاصفة قاسية، هي أجواءٌ تهيئنا لما سنراه لاحقاً من أحداثٍ تحمل ذات هذا الشعور الغامض والقاحل، وهي المبرد التقني الحاد الذي سيعمل سكورسيزي وفقه بخفية ليوصل ما يصبو إليه عبر هذه الحكاية. فيمكن النظر لقصة الفيلم كالكرة التي يُطبق عليها سكورسيزي بكلتا يديه، يضع يده الأولى ببصمته على المظهر الخارجي الشكلي للفيلم، وأنامله الأخرى على الموضوع الباطني الذي تناقشه الرواية فعلياً تحت أنقاض تلك الحبكة المتشابكة التي تستمر بتحدي المشاهد، لأن العمل يطرح أسئلةً فرضيه عن منبع الجنون وحدوده، والسبب الغريزي الذي يستثير العنف من خبايا الإنسان، فهل هو العقل أم معترك الحياة، أم الخيط الرفيع الفاصل بين الحياة والموت؟
وبما أننا نطل من تلك الافتتاحية المتعمدة التي تصور المركب بتقنية الشاشة الخضراء لإضفاء شعور من الفجوة الشاسعة بينها وبين العالم الخارجي الذي نعرفه، تأتي الحياة التقليدية هنا من ذكريات بطلنا تيدي، وهي غالبةً ما تكون هلوسات وأوهام وكوابيس غير موثوقٍ بها، فنعلم فوراً أن الشكوك ستلف الفيلم برمته لقطةً بلقطة. كما أن عرض البطل وهو يتقيأ على متن مركبه، بين أمواج بحرٍ هائل، يعكس الجمال السينمائي السكورسيزي الذي يُشعرنا بعدم الراحة والقلق منذ البداية، كحال تيدي تماماً، “نتورط” في تتبع هذه الشخصية التي من المفترض أن تُمثلنا ضمن الأحداث. غير أن خاصية “التورط” هذه تحديداً، تعطي تمهيداً عن الفكرة الرئيسة التي ابتدع من أجلها الفيلم: طبيعة الاختلال؛ بحيث أن الشخص العاقل لا يقدر استيعاب دوافع الإجرام والأمراض التي يعانون منها مرضى جزيرة “شاتر”، فنتساءل مباشرةً كما يفعل تيدي، لماذا يتعذر على المختلين أن يعودوا إلى “حالتهم الطبيعية” أو أن يتخلصوا من أوهاهم هذه؟ ما هي المعايير التي تفصل الجنون عن الصحة؟ المجنون لا يرى اختلاله، فلا يقدر أن يلمس مرضه، حينها نعرف، أن ما من أحد منا استطاع أو حاول من قبل أن يتوقف للحظة ليتأمل حالة الاضطراب بحق، وفيلم سكورسيزي هذا يحاول أن يوفر لنا هذا الإحساس فنياً: بأن يسحب بساط العقلانية والحياة السليمة من تحت أقدامنا، ومن ثم يُلقي بنا داخل عقل تيدي في تلك الجزيرة الماكرة-النبيلة دون رجعة.
(أسرار مغلقة)
نحن في العام 1954، على مرفأ بوسطن، مع تصاعد أوج الحرب الباردة، حيث يجتمع المارشال الأمريكي تيدي دانيالز (ليوناردو دي كابريو) مع شريكه الجديد تشك آول (مارك روفالو) في جزيرة “شاتر” للتحقيق حول سر الاختفاء شبه المستحيل لسجينة مريضة اسمها رايتشل سولاندو من مستشفى منيع يدعى “آشكليف” أو “جرف الرماد”. ويتضح أن هرب المرأة (كانت قد قتلت أطفالها الثلاثة) هو أمر مستحيل لأن زنزانتها محصنة كلياً، فبابها يُقفل فقط من الخارج وشباكها مصنوع من الفولاذ، وكأنها تبخرت عبر الجدران كما يقول مدير المستشفى الطبيب كولي (بين كينعزلي). خلال التجوال والاستجواب في هذه الجزيرة التي تشهد أجواء عاصفة ماطرة وشديدة البرودة معظم الوقت، يتضح للمحققين أن هذا السر ليس إلا البداية من مجموعة أخرى من الأسرار المريبة والغريبة، فثمة إشاعات تسري عن مؤامرات فاسدة وتجارب طبية دنيئة للتحكم بعقول المرضى بالإضافة لوجود عنابر صحية معزولة بعيداً عن متناول الغرباء. ينغمس تيدي في هذا التحقيق لدرجة أنه يدخل في دوامة من الصراع الشخصي ما بين أهوال كوابيسه وبين واقع ما يراه من ظلمات في هذه الجزيرة، وبات فعلياً يخشى على نفسه بأن لا يخرج من هذا المكان حياً كما دخلها.
سيتحتم على المشاهد وضع بضعة أمور بعين الاعتبار للصبر على تعقيدات الحبكة الدرامية بتشعباتها والهدف من شخصياتها المتعددة؛ فلأن سكورسيزي يُعنى دوماً بالمؤرقات المحيطة بشخصياته الرئيسة ضمن البيئة التي قدمت منها، وتلك التي تنتظرها، بمزج الصوت والصورة للتعبير عن رجل تقض مضاجعه الهواجس، فنشاهد سخطه يتصاعد تدريجياً من خلال جوهر القصة الذي يتمحور حول السمعة السيئة للمستشفيات العقلية، وهي حقبة من الزمن شهدت تهديد الأيديولوجيات الشيوعية والمكارثية وحمى الحرب الباردة التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الإتحاد السوفييتي، كما أن بطل الحكاية يحمل معه ذكريات دموية من معسكرات الاعتقال النازية (ثمة إشارات وإيحاءات عن طرق القتل والتعذيب ما بين ألمانيا وأمريكا وإسرائيل وكوريا الشمالية)، عدا عن موت زوجته قبل سنتين جراء حريق مفتعل. مما يجعل تيدي يعيش دوامة وتخبط متواصل ما بين محاولته لحل الألغاز العويصة التي تستمر بالظهور أمامه، دون وجود تفسير صريح لها أو توفر معلومات واضحة. تيدي لا يستطيع تخطي جرائم الحرب التي ارتكبها أو فكرة رحيل زوجته عنه بهذه الطريقة، لذا نراه يترنح بين ما يراه من مصاعب في يقظته، وبين ما يُطارده من آلام شخصية في كوابيسه، وعذاب ربما يؤنب ضميره أكثر مما كنا نعتقد في البداية.
بيد أن زخم صفحات هذه القضايا في واقع الأمر يبحث في فكرة بسيطة تقوم على بناء زمان “عصيب” في مكان “مغلق” ليس بالظروف التي يواجهها تيدي عتمة الأشباح وشرور الروح البشرية فحسب، بل أيضاً هو تجسيد مبطن لما يمر به عقل الإنسان ونفسيته عندما يفتقر للقدرة على التمييز بين الحقيقة والوسوسة، وبين ما حدث فعلاً وما يريد إنكاره أو تجنب قبوله. والسيناريو الذي خطته لاييتا كالوغريديس يُدخلنا مباشرةً في ذهن تيدي لنستعرض مواجهته مع الماضي الذي قاده إلى الحالة التي أضحى عليها، والجزيرة تقدم لنا ميزة إضافية بأننا نتناسى العالم الخارجي تلقائياً، بحيث نشعر بالضيق والحبس الذي يحاصر تيدي نفسه، ونجزم أنه لم يتعافى بعد لا من الحرب التي خاضها ولا من خسارته لعائلته دفعة واحدة (ثمة علاقة حب مأساوية في طيات الفيلم لا يزال قلب تيدي ينبض بها)، حالة طبية تدعى “متلازمة أو اضطراب ما بعد الصدمة” وتختلف عن الانفصام.
اضطراب ضغط ما بعد الصدمة (بالإنجليزية: Posttraumatic stress disorder): هو اضطراب نفسي ينشأ بسبب صدمة مادية أو نفسية أو كليهما. مصادر تلك الصدمة قد تكون التعرض أو مشاهدة أحداث قاسية تهدد الحياة أو السلامة البدنية أو التوافق النفسي. ومثال ذلك مشاهدة المريض لموت أحد ما أو تهديد حياة المريض أو شخص آخر حوله أو التعرض لأذى ًبدني بليغ أو اعتداء جنسي أو تهديد نفسي، بحيث تتجاوز تلك الأحداث قدرة الدفاعات النفسية للمريض على التحمل. (حسب موقع ar.wikipedia.org).
(جزيرة سكورسيزي)
يبرز هنا دور المخرج مارتن سكورسيزي ليترجم هذه المواضيع والأفكار على الشاشة؛ من الواضح أن الشخصية الرئيسة هي التي جذبته ليتولى التعبير عنها وليسرد الرواية بروح أفلام “النوار” المعتمة الصادرة في عِقدي الأربعينات والخمسينات. اهتمام المخرج بهذه الشخصية يبدو سهلاً للوهلة الأولى كرجل لا يثق أو يعجب بما يراه، وتلازمه تعقيدات خاصة مستمرة ويجد صعوبة في الإفصاح عنها لأحد. ما يميز اختيار سكورسيزي هذه المرة هو رغبته في الغوص بأعماق نفسية تيدي بطبقاتها الشائكة إنما بأسلوب يجمع بين معاصرة الصناعة السينمائية وبين الروح الكلاسيكية لمثل هذه الأفلام؛ فالدور يمكن تناوله في أي محيط ضيق مضني، هذه الجزيرة لا تختلف بشيء عن نيويورك التي يُفضل سكورسيزي امتحان أبطالهُ فيها، ونلاحظ أن الحقيقة التي تُحافظ على اهتمامنا حتى النهاية تظل مختزلة في عقل تيدي وقناعته، ولذلك فإن الخاتمة ليست وحدها التي تُفسر عقدة الفيلم بل أيضاً درجة تركيزنا خلال كل مشهد، وما يعنيه ذلك الموقف بالنسبة لتيدي ولا أحد غيره. وليوناردو دي كابريو يعرض لنا بأداءٍ بارع آخر شدة القسوة النفسية والجسدية التي شهدها تيدي ولا يزال يعاني منها (كنت أُحبذ اختيار ممثل ذو بنية جسمانية أكبر ليملأ الشاشة ويشبع عين المشاهد).
جديد سكورسيزي في هذا الفيلم يناقش أسباب تشكل هذه الطبقات لدى تيدي بحيويته المعهودة، إنما بأساليب بصرية تسطع بقوة من خلفية المشاهد لتحكي الكثير عن تيدي وتصف حالته الفكرية دون أن تحرك شفتيه ساكناً؛ نلاحظ أن طينة الفيلم معجونة بذات تلك التناقضات النيويوركية التي لطالما زرع بها سكورسيزي أقرب الشخصيات إلى قلبه، تراودك الظنون في بعض المراحل أن الطبيعة نفسها تعمل في عكس التيار الذي يمشي به تيدي، والجزيرة تكاد تكون مدفونة قاطبةً تحت كفن ضبابٍ مشئومٍ متسلسلٍ وخبيث، على الرغم أن الجزيرة تحمل على أرضها مستشفاً لعلاج أشد المجرمين وأكثرهم تضرراً. حتى المستشفى من الداخل مليئة بالمفارقات أيضاً: نراها أحياناً كمكان داكن وزاحف تقشعر له الأبدان، ومشبع بثقوب تخر منها المياه، كاستعارة دلالية عن فساد النظام، وبصرخات يُطلقها هؤلاء المرضى المرتبكين، ونجدها أحياناً أخرى كمؤسسة مُشرقة بالنور ومزينة بالزهور الملونة عملت على توظيف أكثر الأطباء خبرة وحنكة ورغبة في مساعدة أولئك المجرمين.
أضف إلى ذلك أن سكورسيزي يوظف مناهجه البصرية الباهرة هذه بأقصى درجة ممكنة، ويتلاعب حتى بأصغر المشاهد وأكثرها اعتيادية بالشكل والمظهر ليبتكر الحالة الشعورية التي تعطي تلميحاً عن شيء قد لا يبدو جلياً وسهل المنال على الشاشة: يسبح دخان السيجارة في الهواء، فيحجب رؤيتنا عن وجه أحد الشخصيات، ثم يُنفخُ الدخان نفسه بينما يكشف ذلك المرء حقيقةً هامة. يقرع المطر بعنفه على النوافذ، ووهج البرق يكاد يضيء الغرفة دفعة واحدة، وكأن روح تيدي تنشق عن جسده رغماً عنه (مما يدفع المرء للشك، هل هذه الأجواء هي انعكاس مرئي عن مخيلة تيدي ؟). في كل صفحة من صفحات سيناريو (جزيرة مغلقة) نشعر بأن هذه اللمسات حاضرة للحديث حول شعور تيدي وعن أمور أخرى، لكنك ستصرف النظر عنها تلقائياً إلى أن تمسك العمل بقبضتك في النهاية، بيد أن هذه العينات والأمثلة الصغيرة ستبقى تنتظرك بعقلك الباطن لتستخدمهما عند حاجتك الحتمية في التفكر حول دهاليز الفيلم غير المتوقعة، والجديرة بالنقاش.
(وابلٌ من العنف)

لا ريب أن الفيلم كذلك سيجعل الجمهور يتساءل حول مجموعة من اللقطات قد تفسد لهم متعة إنتاجه، هل تلك الشخصية حقيقية أم لا؟ وهل تلك الواقعة حدثت أم لا؟ من كتب تلك الملاحظة الصغيرة؟ هل يمكن أن يُترك تيدي ليتجول بين حواف الصخور ويُعرض نفسه للخطر؟ هل تعافى ذلك الشخص أم لا؟ هل كان مريضاً بالأصل؟ هل تم تشخيص مرضه بالشكل صحيح؟ هل يوجد حقائق واقعية في القصة؟ هل يوجد مؤامرة فعلاً؟ الفيلم “يستحق” بلا شك أن يثير الجدل وسيثير الكثير منه لا محالة، ليس فقط لأن فهمه يتطلب مشاهدات متكررة، إنما لأن الفيلم تقني من الدرجة الأولى؛ فسكورسيزي، وهو موسوعة سينمائية متنقلة، يحيي ذكرى أفلام الإثارة التي تشرح الخوف بنوعية فيلم (اللمعان) للمخرج ستانلي كوبريك و(الدوار) لأفريد هيتشكوك، حيث الفرد يواجه شياطينه في مكان يعقد أنفاسه، وإن كان الفندق في فيلم (اللمعان) يجسد الولايات المتحدة المادية، وجاك هو المواطن المنهزم لجنون متطلبات الحياة بجوانبها، فإن الفندق في (جزيرة مغلقة) هي الولايات المتحدة المتضاربة فكرياً، وتيدي هو المواطن الضحية لهذا الاختلال.
كما أن الفيلم يعرض لنا كيفية تقديم الهلع والشعور بالحيرة والاستفزاز ضمنياً من مكامن هذه الأحاسيس عند الإنسان، وعبر الموسيقى القوية بحضورها، وعوامل بالغة الجودة من التصوير وتصاميم الأزياء والديكور. ويحسب للفيلم أيضاً استخدام الفلاش باك عدة مرات وسط سير القصة، فثمة مشاهد منها تُقدم لتزويدنا بالمعلومات حول تيدي، لتلتحم بسلاسة شديدة وفق المجريات ولا تشتت تركيزنا أو تفسد الشعور المكتسب من المشاهد التي سبقتها، كذلك فهي تبدأ وتنتهي بشكل مباشر لنلمس كمتابعين وقعها على حال تيدي بحذافيره.
من المشاهد المهمة في الفيلم، وما أكثرها، هو لقاء قصير يجمع تيدي مع آمر السجن ووردين (تيد ليفين)، والحديث عن الهبات الإلهية، وأن السبب وراء وجود كل هذه الحروب والصراعات والعنف بنظر ووردين تنتج عن مشيئة الله. فيجيبه تيدي: “كنت أعتقد أن الله حصننا بأنظمة أخلاقية” لكن ووردين لا يعترف بوجودها، بل يرى أن المحك هو: “هل سيتغلب عنفي على عنفك.”. يظهر هذا المشهد في توقيت ذكي دقيق ليفسر الأساليب الازدواجية التي يعمل وفقها أولئك المسؤولين في هذه المستشفى قبل أن يجتمع بالطبيب كولي وتزداد حدة الأحداث؛ فنتفهم بأن هذه القناعة حول وجود العنف داخل كل إنسان قد جعلت دينيس ليهان ومارتن سكورسيزي يتكتمان على سرية بعض الأسئلة، مما يعطي المشاهد احتراماً عالياً لذكائه (صبغة جميع أفلام سكورسيزي)، هل صافح القانون الحكومي والعسكري يد الطب النفسي لممارسة العلاج القائم على فكرة العنف مقابل العنف، أم أن الأطباء استطاعوا العثور على نفحة إنسانية داخل هؤلاء الرجال العنيفين؟ وبالتالي يمنحونهم السكينة والطمأنينة كأحد أدنى من العلاج؟
(متاهة الأسئلة)
لقد تفتحت عين تيدي ربما بعد فوات الأوان: “هذا المكان يجعلني أتساءل، ما هو الأسوأ، أن أعيش وحشاً… أم أن أموت رجلاً صالحاً؟”. وهو السؤال/التعليق الذي يوفر ذروة الفيلم المبطنة، ويكشف النقاب عن أحاجي هذه الجزيرة المغلقة دفعة واحدة: الإنسان، مجرماً كان أم سكيراً مجنوناً، هو إنسان، فإن وقع في شركٍ نفسي بين سلامة العقل واختلاله، يُصبح فأراً وضحيةً لمتاهةِ العنف، سواءً كان عنفاً ذاتياً أم مؤسسياً. فهل أن تيدي يرفض العنف الذي يسكن مخيلته “بوحشية” قتله لزوجته، ويُفضل “الرجل الصالح” الذي استنكر فعلته لينتحل شخصية المارشال الأمريكي، فنهم معه إلى المنارة لإجراء العملية؟
لكن النظرة التي تشتعل بها مقلتي أندرو وهو يخاطب الدكتور شيهان تحمل معها ناراً تلتهب من الأعماق: هل يرى أندرو أن الطبيب هو “الوحش” لأنه كان على علم بما يحدث في هذه المستشفى من وسائل علاج همجية؟ وهل يقبل الموت “رجلاً صالحاً” لأنه لم يرتكب أية آثام، بل لدرايته أن لا مفر له من هذا المكان؟ هل حظي تيدي على لحظة من الصحة العقلية وسط كل هذه الأوهام؟ نهاية الفيلم بذلك السؤال ومن خلال تعابير وجه تشك-شيهان ونهوضه بعد تلك الجمل يجعلان الفيلم ينتهي ثم يبدأ من جديد.
هل مسح الدماغ وتاريخه هو الحل؟ أن يتهرب المرء من أعماله ليجد الطمأنينة والراحة؟ هل تعب تيدي-أندرو من هذا الصراع فسلم أمره للأطباء؟ أم أن الفيلم يتمحور برمته حول رجل يستنكر اختلاله كما كان ترافيس بيكل في (سائق التاكسي)، رجلٌ يلوي الحقيقة ليعطي حياته معانٍ جديدة؟ وذلك السؤال يعني أننا سواسية أمام العنف؟ ورؤيتنا للمنارة قد تعني مكاناً يواجه به ذنوبه. هل بات أندرو مستعداً لنسيان ما يعتريه من هواجس تُكرّب عيشته؟ ربما لن نكتشف أبداً.
ربما لن تتوقف هذه التكهنات. فتيدي-أندرو تائه في عقله، ونحن تائهين معه، ربما هذه هي المأساة، أن الإنسان ليس فأراً للتجارب. العاقل لا يعترف بتفكير المختل، والمختل لا يفكر بعقل سليم موثوق. لكن الأكيد في (جزيرة مغلقة) أن العنف هو إنتاج بيئي وعقلي لم يستطع لا تيدي أو أندرو السكوت عنه. هذه هي متاهة الفيلم وجزيرة “شاتر”، متاهة حقيقة النفي- ونفي الحقيقة المزدوجة، وبالتالي فإن تيدي هو أكثرهم اختلالاً وعقلانية. وهذا هو مارتن سكورسيزي، صانعُ أفلامٍ يسكنهُ الإبداع السينمائي، غاب في الزحام لأربع سنوات، وعاد وحيداً، حاملاً على كتفيه شخصية نادرة جديدة فوق تلال هوليوود.




بصراحه الفيلم ممتاز وفيه جوانب كتير جميله وصعبه ويستاهل الوقت لمشاهدته من خلال الشاشه والاستمتاع به 👍
https://polldaddy.com/js/rating/rating.js
الفيلم مذهل .. استمتعت به استمتاعي بقراءة هذا المقال المميز
فعلا أحسست بحالة الاضطراب النفسي التي يعاني منها المرضى .. هم يعيشون عالما بعيدا عن واقع عالمنا نحن .. يتعاملون معنا كشخصيات يوظفونها كما تمليه عليهم الذاكرة المسجونة في الصدمة الأولى .. لم أكن لأصل إلى هذا الإحساس لولا هذا الفيلم …
👍👍👍