Raging Bull – 1980
“.I don’t go down for nobody”
“سمعت أشياءً.”. – جيك لاموتا.
تعبر الشاشة في كل مرة، بأنوثتها، فيتعقب خطاها دوماً، برجولته، ويهيج فور تلاشيها وسط منافسيه؛ يناظرها تجري بين رموش أعينيهم، وتقفز رشيقةً بين أجسدتهم ولمسات أصابعهم وقبلاتهم؛ كأنها رايته الحمراء، وهو ثورها الهائج. لا توجد لقطة واحدة في فيلم (الثور الهائج) للمخرج مارتن سكورسيزي إلا وتعرض جيك لاموتا وهو يتفادى لكمة الهزيمة، وحتى عندما يخسر نزالاته داخل حلبة أو خارجها، يرفض أن يجثم أرضاً أو أن يساوم بحضوره، شامخاً دائماً أمام خصومه، مهما كان دورهم في حياته، أو كما يقول جوي: “في حالك فوزك، كان بها. وإن خسرت، فستبقى فائزاً”.
ففي فيلم لا يكل عن وصف الشك والغيرة ومأساة تحطيم الذات، عن امرئٍ يلهث بائساً لأن يكون محط أنظار الجميع، نجد أن بطل قصته كان قد قرر التقرب من تلك الشقراء اليافعة، التي تُلهب شهوة أنداده، كذريعةٍ يهاجمهم بها، لا لتخليصها من أنيابهم؛ سعياً منه فقط لافتعال أي قتال ممكن خارج الحلبة، ليشحن به نفسه، فيقهر غيرهم داخل الحلبة. وبينما تتناثر ذنوب جيك الوخيمة على جدار قفصه الأسود في النهاية، نراه هناك يروض ذاته كي لا تطرحه بالضربة القاضية: “يلقبونني حيواناً، وأنا لست كذلك.”. والنتيجة أن أفلاماً في الساحةِ كثر، و(الثور الهائج) بظلهِ يغطيها.
يُبدي جيك في الربع الساعة الأولى من الأحداث امتعاضه من صغر يديه لأخيه جوي، وأنه لن يتمكن بتاتاً من نزال جو لويس، أفضل ملاكم موجود من الوزن الثقيل، فيجيبه جوي باستغراب: “من الجنون حتى أن تفكر بمثل هذا الأمر، فأنت من فئة الوزن المتوسط، وهو من الثقيلة، إن حدوثه مستحيل…” لكن جيك لا يفكر بهذه الفوارق التقنية، فيصمت قليلاً، يتأمل لبرهة، حتى يجد الفكرة ويطلب من أخيه أن يلكمه في وجهه. بيد أنه لا يريد ضرباً عادياً، بل أن يستخدم كل قوته ويقضي عليه. يُنفذ جوي رغبة جيك، وبلكمات قوية متتالية، لدرجة أن جروح وجهه من مباراته الأخيرة تنشق على إثرها مجدداً، وأثناء طلب جيك المزيد منها، يتوقف جوي ويسأله “ماذا تحاول أن تثبت؟”. هذه اللكمات هي بلا شك مقدمة لما سيحاول جيك أن يؤكد عليه طوال مجريات الفيلم: أن يعُاقب نفسه حين يشاء، وأن بمقدوره تحمل أي نوع من الضربات، بقفاز أو من دونه، من زوجته أو من جيرانه، ومن زعماء الحي، لا تهمه هوية أو جلادة الشخوص أمامه، فهو الأفضل ولا يمكن لأحد أن يروضه. ذلك حتى تأتي فيكي وتدخل مضماره.
نظرات التحدي والتجبر وعنفوان العظمة هذه لازمت الكثير من أفلام المخرج الهامة وشخصياتها المريضة بعقدة الأنا، فهو الغطاء الذي يستخدمونه ليتستروا فيه عن عيوبهم الحقيقية، ذلك قبل أن تلتف حول رقبتهم نقطة الضعف التي تقطع حبل الوريد في أوصالهم. عين هنري هيل التي تقول “منذ نعومة أظافري وأنا أريد أن أصبح رجل عصابات.” جعلته يتحول إلى نكرة يلتقط الجريدة من باب شقته. وبيل الجزار وهو يلف جسده العاري بالعلم الأمريكي كرسالة بأن الحضارة في طريقها إلى الاندثار، يحمد الله أنه قد مات “أمريكياً أصيلاً” في هذا التناقض. وهوارد هيوز حبس نفسه عارياً أيضاً، مطلقاً العنان لقذارته جراء رغبته البائسة لامتلاك كل شيء والبحث عن “الطريق إلى المستقبل” دون أن يتمكن التحكم بهوسه ليكون الرائد في شتى المجالات. كل واحد منهم يقاتل عقدته، في مجتمع يغذيهم بالمادة الخام لهذه العقد.
مارتن سكورسيزي الذي يقول أن جميع أفلامه تعد شخصية ودائماً ما يضع نفسه من خلالها على الشاشة، صنع مسيرته عبر مجموعة لا بأس بها من الأفلام التي تستند على قصص حدثت بالواقع أو استوحيت منه، إلا أنه لا يبدو مهتماً كثيراً بالقصة بقدر تعلقه وانجذابه لطباع ومحيط الشخصية. ويأتي صدور (الثور الهائج) عام 1980 بعد أن قدم فيلمي (سائق التاكسي) عام 1976 و(شوارع قذرة) عام 1973، وفيها لم يتهاون سكورسيزي بوصف خصال أبطالها، ووسائلهم في تبرير أفعالهم وفقاً لبيئتهم أو ما يدور حولهم من أحداث، وهي غالباً ما تكون من فعل أيديهم؛ بحيث أنه يضع شخصية تشارلي بوازعه الديني في فيلم (شوارع قذرة) داخل بيئة إجرامية وضيعة من الحانات والصفقات الصغيرة الرخيصة لينشأ ويترعرع بها مع رفاقه، وفيها سينتهي بهم الأمر لا محالة، مهما قوي عودهم وعلا صيتهم، نهاية تعكس هذه الرقعة الدموية التي تطعن مرتاديها من الظهر. ثم زرع شخصية ترافيس بيكل في فيلم (سائق التاكسي) بين رذائل سبعينات نيويورك، فتشربها واستحوذت على عقله واستوطنت مخيلته، حتى أصابه الاختلال وبات يعيش حياة متناقضة على الخط الرفيع الرمزي بأن يقوم شخص مذنب كجميع سكان هذه المنطقة بمحاربة هذه الخطيئة التي هو جزء لا يتجزأ منها.
يقترح سكورسيزي كما لم يقترح غيره في هذه الأفلام، بدمجه لكلاسيكية أسلوب السرد مع تقنيته وحيويته البصرية الثورية الحادة، أن وجود تلك الشخصيات في مثل هذه البقع من الأرض هي فكرة تولد وتفسر أفعالهم، لأن التحامهم فيها لسنين طويلة يعني انتماءهم الضمني لها، دون إقرارهم بذلك، فقد استسلموا وانهزموا لمسكر تحقيق الذات وسط هذه التحديات، تحت حجة اسمها الرجولة. تمعن جيداً في بدايات أفلامه الحديثة الأخرى، مثل (عصابات نيويورك) في تسليط الكاميرا على شفرة الحلاقة الحادة، عندما يجرح القسيس نفسه، يقوم ابنه الصغير بمسح الدماء عنها، فيقول الأب “لا تفعل أبداً، دع الدم يسيل”. في (الطيار) عام 2004 وتركيزه على الصابون ونسمع تهجي “الحِجر الصحي” حرف بحرف، وكأن كل حرف فيها ينظف منطقة مختلفة في جسمه. في (الراحل) عام 2006 نلاحظ افتتاحية رجل العصابات فرانك كوستيلو “لا أريد أن أكون من إنتاج بيئتي، أريد أن تكون بيئتي من إنتاجي.” المجرم يصنع البيئة.
في هذه الأفلام، وفي سينما سكورسيزي ككل، العنف والخطيئة ينحدران من الأصول والجذور، وترتسم شخصيات وأفعال من يعيش فيها وفق درجة انخراطه فيها. وقد اختلفت الطريقة تعبير المخرج عن هذا التلاحم بين الفرد وأرضيته موظفاً تقنيتي المباشرة والإيحاء؛ كانبعاث مركبة ترافيس بيكل من دخان الطريق في بداية الفيلم، حيث نراه هنا مسبقاً سائقاً لتاكسي، بينما لاحقاً نرى كيف أدرج نفسه في هذه المهنة بالأساس ولماذا. بينما مثلاً في نهاية فيلم (الراحل)، بعد رحيل جميع الخونة والعميلين المزدوجين عن الحياة؛ نشاهد فور تتمة كافة الأحداث، فأر صغير يمشي على السور الخارجي للغرفة، وكأنك لن تستطيع إبادة كافة الخائنين، من هو الـRat المحتال الوضيع التالي؛ ولأن بوسطن الفاسدة، والولايات المتحدة بطبيعية الحال، مؤسسة بهذه النماذج، فإن البيئة تسهم بتشكيلهم جيلاً بعد جيل.
وقد يتولد عند المرء فضول محق عن سبب اهتمام سكورسيزي بهذه المواضيع وارتباطها بشكل وثيق في ثنايا معظم أفلامه، حيث يبرز هنا مصطلح من اللغة الإنجليزية وهو “It comes with the territory” بمعنى أن المجتمع الذي كُبر به المخرج يعكس العديد من الأفكار التي نشاهدها في أفلامه؛ فقد تربى في نيويورك وتغلغلت عظامه خطورة شوارعها وعذوبتها بنفس الوقت، لكنه أيضاً انعزل في طفولته عن البشر لمرضه، فاستعان بوحدته وأحاطها بعالم السينما وبمخيلته الموهوبة، ليبتكر في المحصلة نمطه وشغفه السينمائي الخاص والفريد.
لا عجب إذا، بعيد التقاطنا لبعض العناقيد من بستان أفلام سكورسيزي، بأن نتفهم فحوى استعراض أسماء طاقم (الثور الهائج) وجيك لاموتا يستعد “وحيداً” بين الحلبات لبدء نزال ما، ويبدو كأنه صورة شبحية عن نفسه، ونشاهد كذلك ظهور اسم الفيلم لوحده باللون الأحمر الدموي، والموسيقى تطبع أجواءً شكسبيرية حزينة منذ البداية. وكما تمنى سكورسيزي في (سائق التاكسي) أن يهطل المطر لينظف شوارع سبعينات نيويورك المدنسة، وبالتالي تعود قليلاً لجمالها وشاعريتها كما عرفها في طفولته، نشاهد ترافيس يتأمل في كأس ماء أبيض لعدة لحظات كأنه يتمنى الغطس داخله ليتطهر من كل هذه الذنوب؛ إنها ليست سوى طبقة تغطي الحقيقة، وهم ليسوا سوى نماذج أتت وتأتي وستظل تعود لهذه المدينة الملونة تاريخياً. نلاحظ في (الثور الهائج) استخدام المخرج المكثف والمباشر أكثر من مرة لصور الماء كدلالة على حاجة جيك الماسة للخلاص من العوائق والشوائب التي تعدم حرية أنفاسه، فيحلق ويرتفع قليلاً لكن سرعان ما يهبط حتى ينتهي به الأمر كما بدأ، لهوسه بالعنجهية وانغماسه بالغيرة.
ولأن سكورسيزي فنان مُثقل بإنسانية ما يقدم وعمق ما يصور، يبدأ الفيلم على نفس المنوال، من النهاية التي آل إليها جيك لاموتا، فقد تحول إلى رجل ترفيه سمين مدخن للسيجار، يُلقي النكت الشعبية البسيطة ويلقي أشهر الجمل الأدبية على جمهوره في حانته الخاصة، بينما المرة الأولى التي نشاهده بها ملاكماً، نجده يتلقى أولى ضرباته غير المنتهية في الفيلم، وجيك المتقاعد يجهز الجمل التي سيلقيها خلال سهرته، وهنا يزاوج سكورسيزي المشهدين وينقلنا إلى عالم الملاكمة الدموي الوحشي القائم على فكرة تحطيم المنافس للآخر، فتطفو جملة نسمعها تعنون وجه جيك الملاكم عن لسان جيك الكوميدي: “هذه هي التسلية!”، يتابع الجمهور وعلب البوشار والضحكات وصيحات الرهان تتناثر على الشاشة. تتضح غاية هذه المزاوجة من المخرج بالضبط مع كلمة “التسلية”، فالبداية مع جيك الكوميدي هي فعلياً نهاية جيك الملاكم، ماذا فعلت الملاكمة فيه، وماذا فعل بنفسه. ويسأل سكورسيزي سريعاً بمشهده: أهذه تسلية فعلاً؟
القصة الحقيقية التي قام كل من الكاتبين ماردك مارتن وبول شريدر باقتباسها عن مذكرات جيك لاموتا نفسه وتحمل عنوان “الثور الهائج: قصة حياتي” من كتابة لاموتا وبيتر سافج وجوزيف كارتر، وتعرض 23 سنة من حياة الملاكم جيك لاموتا (روبيرت دي نيرو)، بين 1941 إلى 1964، نشهد خلالها صولات وجولات جيك الشخصية والرياضية، وتعرفنا كذلك على جوي (جو بيشي) شقيقه وساعده الأيمن في عالم الملاكمة. تدور الأحداث في برونكس، نيويورك، وندرك منذ بداية الفيلم أننا أمام رجل همجي بطينته، ويحمل الضغينة تجاه أي شخص يشك لو بشيء بسيط أنه يستغله أو يستفزه. يحاول سالفي (فرانك فنسينت)، وهو شخص مرتبط بأحد زعماء المافيا في الحي، أن يحث جوي على إقناع جيك في التوجه لهذا الزعيم ليساعده في نيل فرصة خوض مباراة بطولة العالم للوزن المتوسط، لكن جيك بالطبع لا تعجبه هذه الفكرة، ويرغب الوصول إليها بجهده دون فضل أحد ممكن أن يسلبه ماله (حتى عندما تجبره المافيا على خسارة مباراته مع جيمي فوكس للحصول على أموال الرهان، يرفض السقوط أرضاً كعادته). يقابل لاحقاً فيكي (كاثي موريرتي) بالصدفة عند البركة المياه، ويتودد إليها حتى تصبح زوجته، وأم أولاده، وهي المرأة التي سيجعلها تدمر حياته دون أن يدرك ذلك، جراء تشبثه بفكرة أنها تخونه جنسياً مع غيره.
ما يميز ويثري أسلوب صناعة الفيلم، هي الطريقة التي يدفن بها مارتن سكورسيزي ما يريد طرحه تحت الأجواء الشعبية لمدينة نيويورك؛ فالمشاهد محاطة دائماً بالموسيقى وأصوات الحي وفوضوية الجيران والحوارات العائلية الطريفة الصغيرة لأفراد عائلتي جيك وجوي، وهي في نفس الوقت، العناصر التي تزيد من توتر المشاهد ومصداقيتها. هذه المشاهد تبدو وكأنها تنقل يوميات روتينية تحدث أكثر من مرة لغيرهم من الشخصيات أيضاً، وبالتالي نتقرب نحن المشاهدين من محيطهم بارتياح، ونتعاطف معهم تلقائياً، لا بل نرغب مع مرور المجريات بقضاء وقت أكبر معهم، على الرغم من أن شخصية جيك غير اجتماعية بتاتاً، لكن الصراع المرير الذي يعيشه بمنهجه الاستقلالي الأرعن يثير اهتمامنا طوال مدة عرض الفيلم.
ولنفس السبب، تبدو المواضيع التي يطرحها الفيلم كقلة الثقة بالذات وإساءة معاملة النساء والاستخدام العنيف لخصائص الرجولة والخوف من الفشل محكية ضمنياً مع مشاهد الفيلم داخل الحلبة وخارجها، وينجح سكورسيزي بعرض ذلك مباشرةً على الشاشة من خلال فساد العالم الذي يعيشه فيه جيك، حيث نراه يعصر أعصابه في التفكير بمن يختلط بهم طوال الوقت، من زعماء المافيا وأتباعهم. ولأنه لا يتأكد كلياً بأن فيكي لم تقم بخيانته فعلاً مع أحدهم (ونحن أيضاً)، يتخبط بين حياته الاجتماعية والمهنية ويزيد من ثورته وعناده مشهد تلو الآخر.
وكما فعل جيك بتوظيف تعليقات ومواقف فيكي لتكون السبب الصريح ليهزم به خصومه ويفتتهم داخل الحلبة، تتحول مباريات الملاكمة أيضاً كوسيلة يلجأ بها ليتحسس شعور العذاب، فيكفر بها عن قلة حيلته وفشله في التواصل مع المقربين منه، وتدور في عقله تساؤلات تكوي قريرة نفسه، هل تخونني لأني لا أشبعها جنسياً؟ أم باتت مقتنعة أني لا أستحقها؟ واللقاءات الأولى التي تجمع بينهما، توضح أنه على الرغم من صغر سن فيكي، بحركات جسدها وردات فعلها، أنها امرأة ليست جديدة على مواعدة الرجال الأكبر منها سناً، وهو ما يزيد من شكوكه حول صدقها، في حين أن جيك لا يطلب منها في هذه اللقاءات سوى الاقتراب منه أكثر من مرة. وبعد أن تملّكها لطهارتها المزعومة (راقب لعب أرجلها بالماء) يقوم جيك بنقلها من خانة العفيفة إلى خانة المذنبة، كما فعل ترافيس بيكل مع بيتسي في (سائق التاكسي)، دون دليل واحد على ذلك، نظراً لأن الغاية الأنانية التي جعلتهما يتقربان من فيكي وبيتسي بالأساس لم تعد موجودة، أشخاص تحتويهم وحدة مفتعلة مفرطة جراء فشلهم في التوائم مع أفراد مجتمعهم، فيستغلون النساء ليشعروا مرة أخرى أنهم على قيد الحياة وأنهم لا يزالوا صالحين اجتماعياً وعاطفياً مع الجنس الآخر.
وتشكل العلاقة الأخوية بين جيك وجوي الرابط الذي يُدخلنا بسلالة أكبر وسط هذه المعمعة العصيبة، صحيح أننا نكتشف فيما بعد أن جوي لا يقل عنقاً وتفجراً عن شقيقه، إلا أنه أكثر عقلانية ودبلوماسية. ويتبين لنا من خلال الحوارات الخاصة التي يجريانها أن جيك يشعر بهزيمة الأفكار في كل مرة يتجادلان بها؛ فعندما يدخل جوي على جيك وهو في خضم شجار مع الجيران، يهرع عليه سريعاً ويحذره أن لا يعيش كالحيوان، وهي نفس الصفة الذي أطلقها عليه جاره للتو، وهنا يشطح جيك بعيداً بالعذر أنه منزعج لأن يديه صغيرتان ولن يتمكن من منازلة ملاكم من الوزن الثقيل. مثال آخر هو نقاشهما حول الوزن، فبدل أن يلوم جيك نفسه لأن لم يتمكن من إنزال وزنه، يهاجم جوي ويضع اللوم عليه حول ذلك، بينما جوي يخبره أنه قد نفذ خطته كما يريد، فحتى لو خسر نزال واحد بسبب وزنه، فالأمر سيتيح له خوض مباريات أخرى لا محالة، لكن جيك هنا يغير الموضوع ويطلب القهوة من فيكي، ومن ثم يفتعل قتال معها لأنها وصفت خصمه القادم بالوسيم (عدا عن مشهدهما أمام التلفاز، وطريقة جيك بتحريف كلمات جوي حتى يصل للسؤال الذي يريد طرحه بالأساس).
هذه الحاجة لإرضاء الذات وإشباع المارد الداخلي لدى جيك، تعود لسببين في غاية الأهمية يعرضهما مارتن سكورسيزي بعفوية فصيحة جداً، أولاً: قسوة المجتمع المادي وغير الأخلاقي المحيط بهذه الشخصيات يحتم على كل واحد منهم أن لا يثق سوى بجلده، والسبب الثاني يفسر النقطة الأولى أكثر، ثانياً: مهنة جيك كملاكم هي التوجه إلى الحلبة وإطلاق الضربات وتلقيها بنفس الوقت، فهو يعيش حياة مبنية على الهجوم والدفاع، ولا ينجح في الكثير من الأحيان أن يفصل معاركه التي يخوضها داخل الحلبة عن خارجها؛ الحياة بمجملها تبدو لديه كمعركة واحدة كبيرة.
ولذلك نجد أن الطريقة التي عمل بها المخرج والمصور السينمائي مايكل تشابمان على تصوير مشاهد مباريات الملاكمة هي بمثابة تجسيد لعقل وفكر جيك في اللحظة التي يُنازل بها خصومه؛ لاحظ الدخان الذي يغيم سماء وجوانب الحلبة في واحدة من المباريات، وانتبه لأصوات الحيوانات التي تسبق هجوم جيك أو تصف صوت مجاهدة التقاط الأنفاس، إنه عرض دقيق للحالة النفسية التي يمر جيك خارج الحلبة حالياً وليس فقط داخلها؛ جميع المباريات مصورة من وجهة نظر جيك لاموتا، إما بالاستخدام المتواصل للعرض البطيء أو من خلال حركة الكاميرا السريعة والتفافها أحياناً 360 درجة وهي تصوره تارةً يضرب وتارةً أخرى يتلقى الضربات. واللقطة الأجمل من جميع هذه المشاهد، هي واحدة صغيرة مفصلة، حيث تصور بقعة من الحبل وهي تعتصر بالدماء، وقطراتها تنزل بروية لتصف اعتصار جسد جيك بأكمله بالدماء، مسلماً لهطول مطر اللكمات على وجهه كعقوبة أخيرة عن أفعاله وآثامه تجاه الآخرين.
روبيرت دي نيرو حتماً يحتوي هذا العالم المتناقض والعويص كله بأداءٍ لا ينسى ويعد الأشهر بمسيرته الحافلة بالإنجازات التمثيلية والأفلام القيمة؛ السر بأدائه لا يكمن فقط بتقمصه للشخصية كدور تمثيلي من بينها متطلبات اللكنة والطباع، أو بتأديته لمعالم وجه جيك ووزنه الزائد فحسب، بل لأن دي نيرو يلعب الشخصية من الداخل، ويضع يديه على روحها ليُعبر عن الحقيقة المأساوية الكامنة في نفس جيك؛ والدليل أننا فور نهاية الفيلم، نكون قد تفهمنا جيك كرجل وشعرنا بأوجاعه جيداً، حتى كدنا أن نقدم له أعذاراً واهية. ويتضح ذلك أكثر عند اجتماعه مع جوي قبل خاتمة الخلاص التي نقرئها: “كنت أعماً والآنَ أرى” والمقتبسة من الإنجيل، لقاءه مع شقيقه يضفي للفيلم وشخصيته الرئيسة تلك الفسحة الضيقة ليتنفس منها الصعداء مرة جديدة، لا يُسامحه جوي طبعاً، ولا يُجدر عليه ذلك فوراً، لأن جيك جنى على نفسه، لكن المشهد برمته يولد شعور حسن عن إصلاح النفس.
حرفية تصوير الفيلم بالأبيض والأسود تتجلى في الاقتراب بقدر المستطاع من ذكريات عالم الملاكمة في الأربعينات والخمسينات كما كانت تُشاهد على التلفاز في ذلك الزمن، لكن السبب الأهم، والأكثر ملامسة لوحشية الفيلم بجفاف ألونها، هو في تسليط الضوء على فظاعة فكرة أن يُخرج أحدهم هذه الكمية الهائلة من الدماء عبر جسده، وكذلك أن تظهر لنا نحن بلون أسود معتم يزيد من ظلمة وقسوة وواقعية هذه الآلام على الشاشة. (الثور الهائج) هو تحفة الثنائي مارتن سكورسيزي وروبيرت دي نيرو الأبدية، وهو أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها أي فيلم سينمائي، بجمعه ما بين بلاغة الصورة وعمق الصناعة الفيلمية، وهو بطريقة أو بأخرى، فيلم عن الأفلام، عن سكورسيزي ودي نيرو، بقوتهما المنفردة في تقديم القصص الإنسانية بإطار لا يمت لهذه الإنسانية بصلة؛ حلبة الملاكمة هي الأرض، وجيك لاموتا هو الإنسان.





تسلم أخي الحبيب أبو بدر .. هذا من كرمك فقط ..
فعلا فكرة جميلة .. سأقوم بذلك فوراً ..
وإن شاء الله سأتشرف بالعودة إلى تلك المنتديات الرائعة ..
تحياتي لك ..
تستاهل أكثر يا استاذ مهند
اليوم شاهدت بعض مباريات جاك لاموتا الحقيقي مع شوجر راي و ملاكم أخر في اليوتيوب بعدما شاهدت تلك المباريات أدركت أن تصوير الفيلم بالأبيض و الأسود كان موفقاً جداً و لم يكن ذلك القرار عبثاً
أنصحك بمشاهدة مباريات جاك لاموتا حتى تدرك أكثر بأن اختيار التصوير بالأبيض و الأسود كان موفقاً
+
نتمنى عودتك في منتدى السينما العالمية ستار تايمز و كووورة
بداية شكرا على المجاملة الكريمة التي لا أستجقها من شخصك الطيب ..
وكلانا يشترك بنفس التقدير لهذين الفنانين المهمين بلا جدل 🙂 ..
ومرورك هو معروف أتمنى ألا أحرم منه 🙂 ..
دمت بخير يا رب ..
هل الابداع توأم لك استاذ مهند ؟
هذا الفيلم أفضل فيلم شاهدته بحياتي بعد العراب 1 و العراب 2 و من الأفلام التي اشاهدها عدة مرات و لا أمل منها أبداً و بعد قرائتي لموضوعك بتمعن سوف اشاهده اليوم مرة أخرى
شكراً لك استاذ مهند و يبدو أنك من أشد المعجبين بالثنائي الاسطوري مارتي و بوبي و لا تعلم عن مدى اعجابي بهذا الثنائي الاسطورة مارتن سكورسيزي هو مخرجي المفضل و أرى أنه من أفضل 10 مخرجين أنجبتهم السينما و روبرت دي نيرو ممثلي المفضل و من أفضل 5 ممثلين أنجبتهم السينما و أرى بأنني لا أبالغ بهذا الكلام أرى أن ما أقوله صحيح و بالأخير هي مسألة أذواق
تقبل مروري المتواضع