Nosferatu – 1922

“Is this your wife? What a lovely throat.”

المصدر – إن مشاهدة فيلم (نوسفيراتو) هي كالتواجد مع الموت نفسه في غرفة ذات ضوء خافق لعالم يشن معركة خاسرة ضد الظلمة الدامسة، حجرة كئيبة بتأملات همجية وصور مكتنفة بالأسرار. قد تكون رواية داركيولا للكاتب تود براونينغ هي الأكثر شهرة بين أول فيلمين لمصاصي الدماء، لكن تحفة المخرج مورنو الصامتة هي السبب وراء وجود هذا النوع الفني برمته، بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى. وتتصف ثقافة مصاص الدماء المعاصرة بالإغراء السطحي على أن تكون مفعمة بالعاطفة، مع التركيز على الفرص التي تمنحها حياة أبدية والخيط الرفيع بين الموت والنشوة، ويعود لذلك بشكل كبير لجمهور الكاتبة آن رايس واهتمامهم الشكلي المبتذل تجاه هذا المخلوق الليلي. ومع أن هذا الفيلم لا يخلو من بعض هذه العناصر بطريقة ضمنية على الأقل، إلا أنه يتجنب أي شيء قد يخفف من وطأة شخصيته الرئيسة أو الأحداث المحيطة به: فيضع يده على العفن المتأصل في الروح، ويأخذ وقته بعرض هذه النقطة المنبعثة من الزوايا المظلمة في العالم.

كانت بعض الإشكاليات القانونية أن تدمر النسخ الأصلية للفيلم، فالعمل يعد اقتباساً غير رسمياً عن رواية برام ستوكر بعنوان “دراكيولا”، والسيناريو ينسخ علنياً قصتها خطوة بخطوة وبشكل حرفي، مغيراً الأسماء والمواقع فقط لتجنب أية مخالفة للحقوق الفكرية، ولم تنجح الجهود في تغيير رأي أرملة ستوكر برفع قضية قانونية حيال الأمر (تم لحسن الحظ حفظ نسخ الفيلم على الرغم من قرار المحكمة). يجسد كاونت أورلاك الموت نفسه بكيان وجوده للصنف البشري بأكمله، ويجلب بحضوره وباءً لا يعرف حدود جنسية أو طبقية أو جمالية، وذلك كما يؤديه الممثل ماكس شريك الفريد (ترجمة اسمه الحرفية تعني “ذعر شديد”). إن حاجته للدم من أجل الحفاظ على وجوده الأليم ووقوع الناس كالضحايا لعطشه هما أمران محددين في الفيلم؛ فالمخرج مورنو يقلب القصة على رأسها، بتوظيفه مضامينها لتكون قصة الفيلم الرئيسية. فأورلاك، الأشبه بالجرذ أكثر من إنسان، لا ينحني لعطشه الدموي إلا لحاجة أساسية وغريزية، وكأنه مدمن يبحث عن جرعته الجديدة، بغض النظر عن مدة الألم الذي يتسبب به لضحاياه. ثمة أشياء أسوء من الموت فعلاً.

اختر أي عملٍ من أعمال مورنو الصامتة الرائدة وقد تشاهد أوج درجات الفن في تلك الحقبة، ودون أي اقتناص من حق هذا الفيلم الذي يعتبر أكثرها شعبية (حتى أن شخصية الرئيسية فيه ظهرت في مسلسل الكرتون SpongeBob SquarePants) فلعله يصنف تحت غيرها مثل فيلمي Faust and Sunrise. ومثل تلك الأفلام التي قدمها في الفترة الثانية من مسيرته، فإن (نوسفيراتو) يضرب أولاً عبر القوة الخالصة لصوره التي باتت الآن أيقونةً، وهي نتيجة عمل سينمائي يميز غرابة الطبيعة البصرية لفنه ويستخدمها بأقصى درجة ممكنة، متجنباً لوحات النصوص للسينما الصامتة بقدر الإمكان كي لا يعيق جريان الأحاسيس المؤثرة وذلك فقط عبر المونتاج المتواصل للصور. وتلمح الصورة الافتتاحية للفيلم لبرج كنيسة تطل على مدينة ألمانية في بريمن على وجود شاهد خارجي للأحداث القادمة (تماماً مثل الرهان بين الجنة والنار الذي شكل طريقة سرد فيلم Faust).

تلقى ثوماس هاتر الساذج عرضاً لا يمكنه رفضه: السفر إلى جبال كاربثيان للعمل مع كاونت دراكيولا المنعزل الذي يرغب بشراء منزل في بريمن (يؤدي دور ثوماس الممثل غوستاف فون واننهام الذي حدد ملامح شخصية عميل العقارات للكثيرين من بعده). يبقى هاتر متمسكاً بجهله تجاه الخرافات والتحذيرات المحلية التي تخللت رحلته، كصبي يخفق في فهم الموت حتى حين يقف أمامه وجهاً لوجه. إن أداء واننهام مضحك للغاية، وهو عنصر ضروري ليس فقط لغباء الشخصية بل أيضاً كتناقض كبير مع زوجته الحبيبة إلين (غريتا شرودر، واحدة من جميلات السينما الصامتة غير المعروفات) التي تجبرها معرفتها بالشر لتلعب دور البطلة الضحية في النهاية؛ فهي الوحيدة التي تعرف الطبيعية الحقيقية لمصاص الدماء، وتدرك أن الاستسلام للموت هي الوسيلة الوحيدة للتخلص منه.

بيد أن قلب الفيلم يخفق من شخصية نوسفيراتو نفسه. ومثل شخصية سيزار في فيلم (حجرة الدكتور كاليغاري)، فهو وسيلة تعبيرية واضحة، لكنه ليس شخصاً مسرنماً غريباً بل تجسدي لإنسانية ملفوفة بحقد مميت. والإشاعات الملمحة أن نجاعة أداء الممثل شريك هي نتيجة رؤيته لمصاص دماء في حياته الحقيقية تعد سخيفة كلياً (فكرة نوقشت في فيلم Shadow of the Vampire الساخر والغريب في آن واحد)، ومع ذلك فهي حتماً تضيف نوعاً من الخوف للصور المعروضة على الشاشة. يعمد شريك بانحناءة ظهره ووقفته المتصلبة وعينتيه المحملقتين الواسعتين ونابيه المتمركزين ويديه الأشبه بالمخالب باستخدام هذه العناصر لدرجة مريبة، متخلياً عن أي قيمة إنسانية منذ مدة طويلة جعلته لا يميز نفسه ليصبح مخلوقاً اعتاد على إبداء أقذر الأفعال. نادرة ما شهدت السينما ممثلاً ممتزجاً بكل إتقان مع فنية الماكياج؛ فوحده جيف غولدبلام في فيلم The Fly يمكن أن يكون قد تفوق في مثل هذا التعبير عن تشويه الروح.

يقدم المخرج مورنو شخصية نوسفيراتو بهيئة شبحية وبالكاد يكون من البشر: ثمة مقطع خلال رحلة هاتر يستخدم الصورة السلبية من اللقطة الأصلية إلى درجة مدهشة، مقترحةً عالماً من الأرواح الشريرة ينسلون خلف حجاب البشرية، بينما اللقطة التي يثب بها نوسفيراتو من كفنه لا تزال مرعبةً إلى يومنا هذا. إن ميزة هذه الصورة الشبيه بالحلم وبالغة الرقة تسمح لتأثيرها حال حدوثها أن يستمر لمدة طويلة بعد انتهاء مدة عرض الفيلم، ونتيجة ذروة الفيلم وحلة عقدته يتسمان بالقوة والسحر في آنٍ واحد.

نطالع مونتاجاً مذهلاً لهلاك وشيك يتبعه انتصار على قوى الأرض المظلمة، إن هذه المقاطع يستفيد من لمسات المخرج مورنو الشهيرة بأفضل الطريقة؛ كتعقب خيال نوسفيراتو لإلين أمام باب غرفة نومها، وظل يده وهي تنقض على قلبها قبل أن يصل إلى مقتلها. وبعدها بلحظات فقط يعمل ضياء الشمس الصباحي على إخفاء هذا الوحش المأساوي إلى سحابة دخان، لكنها اللقطة الأخيرة التي تلخص نهاية هذا الشرير، حيث ترقد قلعته في جبال الكارباثيان إلى حطام مندثر. هذا الفيلم الذي يعد من أحجار أساس السينما الأولى قد يكون أفضل عمل عن مصاص دماء في التاريخ، وينافسه حسب رأي هذا الناقد الإعادة التي قدمها المخرج ويرنر هيرزوغ في العام 1970 وفيلم Vampyr غير المقدر للمخرج كارل ثيودور دراير. بيد أنه ورغم وجود هذين المنافسين، فمن الصعب أن لا ينظر المرء إلى هذا الفيلم ويقول: البداية هي الأصعب.

IMDB

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading