Sátántangó – 1994
“Freedom has nothing human. It’s something divine, something… our lives are too short for us to know properly.”
ترجمة مهند الجندي عن رامزي تايلر.
تمكنت المجر في العام 1919 وبفضل تمويل من ألكسندر كوردا من تأسيس أول صناعة سينمائية ذات انتشار دولي. وبالرغم من الإنجازات التي حققتها السينما المجرية منذ ذلك الوقت (دون ذكر الأهمية التاريخية المذكور آنفاً بكونها السينما الدولية “الأولى”)، غير أن السينما في البلدان المجاورة قد تفوقت عليها كثيراً. فقد وصف إمري غايونغاوسي، المخرج المجري لفيلم (أولاد النار)، لغة بلده بأنها “صعبة جداً” وثقافاتها “منغلقة على نفسها”؛ ويوضح هذا التقويم طبيعة خصال السينما المجرية وقلة انتشار هذه الأفلام خارج البلاد، في الولايات المتحدة تحديداً. هذه الدواعي المحلية تتجلى في الكثير من أعمال المخرجين المجريين ومنهم بيلا تار.
أخرج تار تسعة أفلام بعد تقدميه لفيلم (مأوى العائلة) في العام 1979، بالإضافة لاقتباسه مسرحية “ماكبيث” لصالح التلفزيون المجري. أعمال تار الأولى التي يُقال أنها تحاكي الأسلوب الواقعي للمخرج جون كاسيفيتز تحمل ذات الموقف الشيوعي دائم الحضور ضمن السينما المجرية (وقد تتمثل هذه الموجة السياسية بأفضل أشكالها في أعمال ميكلوس يانشو)، وتنحدر من بيئة اجتماعية رثة ومعزولة. بينما تتميز أفلامه اللاحقة عن تلك الأولى لاسيما في أساليبها البصرية المعنية أكثر بالتفاصيل الدقيقة، وغالباً ما تتصف بلقطات طويلة مسهبة تذكر بأفلام المخرج الروسي أندريه تراكوفسكي. ويوظف المخرج هذه التقنية القاسية بعرض جميل طوال مجريات أهم أفلامه المعنون بـ(تانغو الشيطان)، فيلم كثيراً ما تلقى المديح لكن قلما شاهده الجمهور العام.
يستهل (تانغو الشيطان) مجرياته بلقطة افتتاحية مهولة: نحن في مجتمع زراعي ريفي دائم التعرض للفيضانات، تعمد لقطة واحدة على مراقبة مجموعة من الأبقار لحظة خروجهم من حظيرة مخزنية، بعضها يحوم في المكان، ترعى نفسها دون راعي، بينما تندفع الأخريات بالتقرب من بعضها البعض. ثم يروح القطيع كله بالتنقل بين المنازل والحظائر، وصولاً إلى نهاية تفرق بينهم وتعلو رويداً رويداً صوب الأفق. إن هذا الإنجاز الوصفي يشكل هجاءً صارخاً غريباً وسوداوياً، لأن أبقار الرعاة قد تمكنت في هذه الدقائق الافتتاحية القليلة من التنقل بحرية، ولها أن تغادر المكان إن شاءت ذلك. بيد أن خيار الحرية هذا تحديداً هو الذي تفتقر له كافة شخصيات الفيلم البشرية.
يهطل المطر بشكل دائم على المكان (والتصوير يكاد يجعلنا نلمس قطراته)، ويبدو أن تار يريد ربطه مع الفقر، وكلاهما يوظفان كمصدر وباء لا يزول. تدبر معظم شخصيات الفيلم الرئيسة خطةً لسرقة مبلغ من المال كانوا قد وعدوا به، ليتم تقسمته على كل مزارع منهم. غير أن إمكانية اكتساب المال وبالتالي إمكانية الهرب تستثير الجشع والغش والخيانة في نفوسهم. فيعمد الثنائي فوتاكي (ميكلوس سيكلي بي.) والسيدة شميث (إيفا ألماسي ألبيرت) بعد ممارسهما الجنس مباشرة على البدء التخطيط لحبكة حاذقة، ويقاطعهما السيد شميث (لازلو لوغوسي)، وهو متأمر آخر يكشف عن خطته دون عمله أن فوتاوكي مختبئة في نفس المكان. الخطيئة الواحدة تلد أخرى، والخداع يربط بين جلّ الشخصيات في ضواحي هذا المجتمع بأسره، فتؤدي رذائلهم الشخصية هذه بمنعهم من مغادرة المكان. من الواضح أن هؤلاء المزارعين لا يشعرون بالانتماء لماشيتهم، وهي استعارة مماثلة لتلك المجازية الرابطة بين الطقس والفقر.
يتعمد تار بربط مراحل فيلمه كخيوط “شبكة العنكبوت”، وهي التسمية المختارة لفقرتين من فقرات الفيلم. إن الشخصيات في الفيلم مرتبة على هيئة مجسم هرمي من أحجار حب السيطرة وطينة الخيانة؛ كأنه فخ لا يمكن أن تختبئ فيه حتى أكثر الأسرار تآمراً دون أن تترك أثراً مدوياً. الشخص الذي يحيك هذه الشبكة هي الشابة إستيكي (إريكا بوك) التي قام شقيقها بتجريدها من مدخراتها المعدودة، وهي الآن تشعر بالضيق لخسارتها هذه. فتنقض بيديها على قط أليف وترعبه وتقوم أخيراً بإقحام رأسه في زبدية من الحليب المسمم (تقضي ساعاتها الأخيرة وهي لا تزال تحت تأثير قوتها العنيفة بجوار جثة القط المتيبسة المربوطةَ بحبل)، قبل أن توقع نفسها بعقوبة مماثلة. وعليه فإن الخيانة تجبر أكثر المتآمرين انحطاطاً أن يدفعوا الثمن غالياً جزاء أفعالهم. المأساة تصيب كل واحد فيهم.
الفيلم برمته مُحاك بفقراته عبر استخدام لقطات مطولة مما يعزو إحدى الأسباب الرئيسية لمدة عرض الفيلم الاستثنائية “450 دقيقة تقريباً”. وهذا التقنية التصويرية البصرية تبين نوايا الفيلم وقضاياه، وثمة وقائع عديدة تمثل هذا الأسلوب البصري، وتأثيرها تقشعر له الأبدان: كبزوغ الشمس أكثر من مرة في نفس وقت؛ أشياء تتقدم نحو اتساع الأفق ومن ثم تختفي؛ لقطات مقربة تتبع رؤوس ماشية تتحرك بشكل عامودي دون توقف داخل الصورة وخارجها. جميع هذه الأمور مصورة بصبر شديد ومتحجر مما يوضح ضجر هذا المجتمع المحروم من الحياة.
لقد تم تركيب (تانغو الشيطان) بترتيب متواتر يُحاكي النغمات المتوازية لرقصة التانغو. تسبق أو تتبع الفقرات بعضها بطريقة متشابكة لكن بوجهات نظر مختلفة، وفقرات تخلو من أحداث فعلية (كالمشهد الطويل الذي تجتمع به بالشخصيات في الرقصة المزعومة) لتكون مكملة للفقرة التي سبقتها أو اللاحقة لها. فالمفارقة تكمن بأن المشاهد يعرف تدريجياً عن كل خيانة وأكذوبة وخدعة في مجتمع يفترض أن يكون قواماً على الوفاء.
قُسم الفيلم إلى 12 مقطعاً، وبعضها تم تكريسه ليجسد مواضيع الفيلم الدلالية حول قضية اليأس. ففي مقطع مجازي يناقض عنف إستيك البائس، نشاهد طبيباً محلياً يتلصص ويسجل أفعال جيرانه عبر نافذته، يتلعثم في كل مشاهده وهو في حالة من هذيان دائم ناجم عن شرب الفودكا. إنه بنفس الفقر والبؤس الذي تعاني منه كافة الشخصيات، بيد أن سلوكه يتسم بالسخرية في فيلمٍ يغلب عليه الطابع المأساوي. و(تانغو الشيطان) عبارة عن مجموعة من الأحداث الموجعة والمتناقضة أيضاً. والجمع النهائي لهذه المواضيع المختلفة مع بعضها هو الذي يمدنا بالمفارقة التي يقوم عليها الفيلم: عمل مأساوي هجائي يثير العاطفة ويتطرق لموضوع الفساد الأخلاقي في آن واحد، وهي الخصلة السياسية الماكرة الغامضة التي يستخدمها الفيلم ليصف حال السينما المجرية، وبالتالي بضرب عصفوري إبراز خمول الفن المجري والتعبير عن قدرتها المميزة بحجر واحد.


هل توجد نسخة مترجمة للعربية من هذا الفيلم و على اي موقع اجدها لو موجودة ؟
شكرا مقدما