Hamlet – 1996

“أكون أو لا أكون: تلك هي المشكلة.”

ترجمة مهند الجندي عن جيمس بيراردينيلي.

“لقد أتاح تقديمنا الكامل للمسرحية أن نتفهم الشخصيات بشكلٍ أعمق، واكتشفنا عنها تفاصيل أكثر عادةً ما نفتقدها على خشبة المسرح. وتأخذ الحالة السياسية أيضاً مساحةً أوسع، ونلاحظ أن هاملت رجلٌ ضليعٌ بالمسرح من خلال مناقشاته مع الممثلين. وكذلك تمكنا من إيصال شعور قوي للمشاهدين حول وضع الدنمرك كدولة تعاني من اضطراب داخلي، فنلمس وجود شيءٌ فاسدٌ ومفككٌ فيها حقاً. لم نقم باسترجاع بعض الجمل من باب الاسترسال أو الإسهاب في الكتابة، بل لتعزيز الفكرة بأن المسرحية عبارة عن مأساة عالمية وليست محلية فقط”.

– كينيث برانا.

عُرضت مسرحية هاملت لوليام شكسبير لأول مرة في مطلع عام 1600. وقد ركزت دعائمها في التاريخ على أنها إحدى أكثر قصص اللغة الانجليزية خلوداً، ولا يُسدل الستار عن عقد من الزمان إلا ويتم إعادة إنتاجها ولعشرات المرات. فنُقلت إلى الشاشة الكبيرة في محاولات لا تعد ولا تحصى، ابتداءً من النسخ الصامتة القديمة إلى الملاحم الضخمة المعقدة. ولعب شخصية هاملت مجموعة من أهم الممثلين أمثال جون غيلغود وريتشارد بيرتون ولورانس أوليفيه. اختتم عام 1996 أحداثه السينمائية بصدور نسخة جديدة للمسرحية، في فيلم لا يعد أفضل اقتباس لهاملت وحسب، بل هو أيضاً أفضل تجربة سينمائية تتعامل مع مسرحيات شكسبير أخوضها في حياتي.

لطالما كانت مسرحية هاملت بمثابة هوس سري خاص بكينيث برانا ومنذ أن كان في الحادية عشر من عمره. حيث شهدها لأول مرة في بريطانيا على التلفاز. وعلى الرغم من تلقى إنتاجه لمسرحية هنري الخامس استحساناً عالمياً، فقد كان مصراً على تحقيق حلمه القديم المتمثل بإنتاج نسخة كاملة عن هاملت على الشاشة الكبيرة. والآن، بعد عشرة سنين من إخراجه لمسرحتي “هنري الخامس” و”زوبعة في فنجان” ومشاركته بالتمثيل في “عطيل”، بات حلمه حقيقةً تُرى. أصدر وصور برانا نسخته عن مسرحية هاملت بكاميرا الـ77 مليمتر، وبحلتها الكاملة، مع المحافظة على كل جملة خُطت في المسرحية الأصلية، والنتيجة هي فيلم مدته أربعة ساعات أو أكثر؛ وهي بلا شك تستحق المشاهدة.

جزء كبير من خلود مسرحية هاملت يكمن في تركيبتها المعقدة وفهمها للشخصيات، ولحبكتها المأساوية المليئة بالمنعطفات والمفاجآت. تناقش المسرحية غفراً واسعاً من المواضيع، كالجنون والانتقام، الجنس والحب، السياسية والخيانة، والأشباح – الحقيقي منها والمجازي على حدٍ سواء. وبالإضافة إلى عمق وثقل هذه القضايا التي تتناولها المسرحية، ثمة مساحة كبيرة للمرح والكوميديا، ولتجربة مغامرة ممتعة على الطريقة الكلاسيكية للأدب الشكسبيري. فمن المحتمل أن تحظى المسرحية على دموعك أو ضحكك، عدا عن استهجانك أو ابتهاجك. كما أنها تحتوي على مجموعة هائلة من الجمل الشهيرة، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: “أيها الضعف، إنك خليق تسمى امرأة!”، “ولكن قبل كل شيء كن صادقا مع نفسك”، “أخشى أن يكون هناك شر تسري تباشيره في دولة الدنمرك”، “حبذا لو تركت التفنن في الكلام ودخلت في الموضوع”، “المسرحية هي الوسيلة الوحيدة”، “يُخيل إلي أن السيدة أسرفت في الوعود” وبالطبع “أكون أو لا أكون: تلك هي المشكلة”.

تدور أحداث القصة خلال القرن الثاني عشر عن هاملت (كينيث برانا)، أمير الدنمرك بسنه الثلاثين، وهو يعيش فترة حداد على موت والده العزيز (بريان بليسد) ومن زيجة والدته جرترود (جولي كريستي) “الآثمة والغير شرعية في ذلك الزمن” من عمه كلوديوس (ديريك ياكوبي). ينظر هاملت إلى زواج والدته الجديد على أنه خيانة لزوجها المتوفى، إلا أن المصيبة الكبرى لم تحدث بعد. يُلازم قلعة الملك والملكة التي تحمل اسم “إلزينور” شبح يجسد والد هاملت، وعندما يواجه الأمير هذا الشبح، يدعي بأنه روح الملك التي حُكم عليها بالسير في الأرض لفترة من الوقت. يُطلع هذا الشبح على هاملت بعضاً من الخبايا، بأن كلودويس قام بقتل أبيه بسُم سريع المفعول وفتاك كي يستولى على الملكة ويعتلي العرش “فسلبني الحياة والتاج والملكة مرة واحدة”. عندها يُقسم هاملت على الانتقام، فيهندس إصابته باختلال عقلي ليبدأ تمثيليته المحكمة بادعائه الجنون.

المواضيع الهامشية في هاملت لا تقل أهمية عن الرئيسة منها: في الوقت الذي يقوم به فورتنبراس (روفوس سويل) ابن شقيق ملك النرويج بحشد عدد هائل من الجيش لمهاجمة الدنمرك، تُحرم أوفيليا (كيت وينسليت) عشيقة بطلنا من التواصل بأي شكل مع هاملت، ويُعين كلوديوس اثنين من زملاء هاملت في الدراسة لخيانة صديقهم القديم، مع وصول مجموعة من الممثلين المسافرين إلى “إلزينور”.

نلاحظ طوال أحداث الفيلم أن المؤثرات البصرية المذهلة هي من أهم العناصر التي تميز اقتباس برانا للمسرحية عن غيره، فالعمل منسق بحلة بصرية باهرة الجمال من البداية حتى النهاية، بألوانه المتلألئة وزوايا كاميراته المذهلة وعنايته الفائقة بالأزياء والتصاميم، وهي بالتأكيد من أفضل ما أنتج فنياً. حتى لو كانت القصة ركيكة (وهي ليست كذلك)، فإن (هاملت) يستحق المشاهدة فقط لروعة الصور التي يقدمها. ومع أن الملابس ومكان وزمان القصة قريبة أكثر من أجواء إنجلترا في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أننا لا نشعر في أي مرحلة من مراحل الفيلم بأن هذه الخيارات كانت خاطئة للتعبير عن زمن المسرحية الأصلي، لأن التغيير في أزمنة مسرحيات شكسبير أصبح أمراً سينمائياً ذو شعبية (راجع فيلم إيان مكلين “ريتشارد الثالث” أو نسخة “روميو وجولييت” مع ليوناردو دي كابريو)، بل أن المخرج قد تفوق عليهم جميعاً؛ فنسخة (هاملت) هذه باهتمامها المنقح والمنقطع النظير للتفاصيل تفرض علينا عين هذا الاهتمام.

وبالرغم من سخاء هذه المؤثرات البصرية الفاتنة في الفيلم، إلا أنها لا تطغى بظلالها بأي شكل على القصة الرئيسة؛ فمن أساليب صناعة السينما العظيمة هو استغلال الزمان والمكان لتدعيم وزيادة جودة الحكاية، وهذا ما نلمسه في إنجاز برانا هنا. إن درجة إعجابنا بالمظهر الأخاذ لقاعة العرش في قلعة إلزينور لا تشتت تركيزنا أبداً عن آلام هاملت، أو شكوك جرترود أو غباء بولونيوس أو شعور كلوديوس بالذنب، صحيح أن رؤية حبات الثلج الندية وهي تحوط بالقلعة وظلمات المقبرة تساعدنا في فهم أجواء القصة، لكنها تبقى عنصر ثانوي لا يسبق سطو مجريات المسرحية على اهتمامنا إطلاقاً.

تمكن برانا في نسخته هذه من جمع خليط من أفضل الممثلين العالميين، فقد وضع يده على مجموعة غنية عن التعريف لشغل الأدوار الصغيرة، أمثال تشارلتون هيستن (بدور الملك في المسرحية) وجون غيلغولد (برايم) وجودي دينش (هيكوبا) وبيلي كريستل (حفار القبور) وجيرارد دوبارديو (رينالدو) وجاك ليمان (مارسيلوس) وروبين ويليامز (أوزرك). جميعهم مناسبين ومجيدين لأدوارهم، ونجد بعض اللحظات المميزة من الممثلين (هيستن وكريستل). وحده روبين ويليامز بلكنته الساذجة وتصنعه الأكثر سخافة، يحلق خارج السرب ويتضح بأنه انتقاء فوقي لإرضاء ضغوطات تجارية من الأستوديو. ويليامز ليس في محله لكن حضوره ما هو إلا شائبة صغيرة وسط كل هذه الخيارات الصحيحة.

أما الممثلون الرئيسيون للفيلم فهم في ذروة سليقتهم الفنية، مايكل مالوني (لايرتس) ونيكولاس فاريل (هوراشو) اللذان ظهرا سابقاً في فيلم برانا (حكاية منتصف الشتاء) يقدمان أداءين رائعين. كما يستخدم بريتشارد بريرز أشكالاً عديدة من الرياء والخبث في ترجمته لشخصية بولونياس البلهاء (وهو شريك قديم آخر لكينيث). يشعرنا الممثل بريان بليسد بقوة وغِل الشبح وهو يخاطب هاملت. ويُتيح لنا أداء جولي كريتسي لشخصية جرترود اللطيفة بأن نتفهم سبب لجوء كلوديوس لارتكاب جريمة بشعة كهذه ليكون زوجاً لها، في حين أن تجسيد ديريك ياكوبي الدقيق لكلوديوس المثقف والسياسي المحنك، والمعذب في أسره، استحق ترشيح لجائزة الأوسكار على الأقل.

أقف الآن أمام كينيث برانا: نجم الفيلم الأوحد وبلا منازع، يوظف عواطفه الجياشة ويعزف منفرداً على وتر المثالية الفنية، متفادياً صعوبة التعبير التي واجهها مسبقاً في مشاريع لا تتطلب خصائص التمثيل المسرحي هذه، كما في فيلم (فرانكنشتاين حسب ماري شيلي) عام 1994 (كان أدائه مبالغاً به لدرجة كبيرة). يقدم برانا هنا في أدائه لمشاهد هاملت الهادئة والحليمة خصالاً تأمليةً غائرة التفكر (كمشاهد مناجاة النفس)، بينما يجمع بين الجسارة والاندفاع وهو في عنفوانه الهائج، فنغرق على إثرها في بحر الدراما ويقف له شعر رؤوسنا منتصباً لبراعة تمثيله. إنه تجسيد خلاب ومكمل لجهود باقي الممثلين.

جرّاء استخدامه لبعض اللمسات الإبداعية، وأغلبها على شكل (فلاش باك) ذكريات مرئية ودون أي حوار، فهي تساعد برانا على إضافة أبعاد أكثر لعدد من الشخصيات. يرينا كيف كان الصفاء يعم أثير قلعة إلزينور قبل سنوات يسيرة، وكيف كانت جرترود وهاملت الكبير والأمير الصغير يلعبون ويضحكون على فكاهة يوريك، بينما كلوديوس يراقبهم ويتسلل خلفهم خلسةً بنظراته الحقودة. ونشاهد هاملت وأوفيليا يحتضنهما الفراش، في لحظة توضح طبيعة العلاقة التي كانت تربطهما. وبتعليقٍ صوتي عير كلمات الشبح، نشهد جريمة كلوديوس بقتله لشقيقه ووالده.

أود أن أعدد بعجالة بضعة مشاهد استحوذت على إعجابي، الأول والذي من المرجح أن يكون أكثر مشاهد الفيلم فخامةً (وهو أيضاً صورة ملصق الفيلم)، يبدأ خلال مغادرة جرترود وكلوديوس لقاعة الاستقبال في قصر إلزينور؛ تمطرهم بتلاتٌ من الزهور، بينما وجه هاملت يمطره الاكتئاب وهو يراقب من الخلف بزيه الأسود. الثاني هو مشهد لقاء هاملت للشبح، تنشق الأرض إلى نصفين، وتتقاذف ألسنة النيران باللهب، وتتجمع السحب وتردد الغابة صدى صوت الشبح باستحالته السماوية. الثالث هو مواجهة هاملت مع أوفيليا وجملته “اذهبي إلى دير الراهبات” بكل ما تحمله من توتر وتأوه للأحاسيس. الرابع هو مشهد المقبرة، في استهلاله للفصل الأخير من المسرحية، والمبني بأحسن أسلوب، خصوصاً عند تعرف هاملت على الجثة القابعة في الكفن. المشهد الأخير وذروة الفيلم بشكل عام، تزينه معالجة هي مزيج موائم بين الدراما والمغامرة، وتختمه انحنائه لبقة احتراماً لإيرول فلين.

من اللحظة التي أُعلن فيها شروع كينيث برانا في تقديم مسرحية هاملت كاملةً على الشاشة الكبيرة، لم تراودني أية شكوك أنه سيكون عملاً يستحق الإشادة. كيف لا وغزواته السابقة على أراضي شكسبير كانت في غاية الجودة. غير أنني لم أتأهب بأي شكل للامتياز والوقع الذي ينعم به هذا الفيلم. تحضرني فكرة “المغالاة الأدبية الجريئة والمتعمدة” عندما يصف المرء هذا الفيلم، وهو خياري كأفضل فيلم لعام 1996. لم يخاطب عقلي وأحاسيسي ومشاعري أي عمل كما فعلت تجربتي مع هذه النسخة من مسرحية (هاملت). لقد شاهدت عشرات النسخ من المسرحية (السينمائي منها والمسرحي)، لكنني لم أشهد في كليهما أي إنتاج أشعرني بنفس هذه الدهشة. قد يكون (هاملت) هو حلم برانا، لكنه حقيقة سعادتنا.

IMDB


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading