Citizen Kane – 1941
“That’s all he ever wanted out of life… was love. That’s the tragedy of Charles Foster Kane. You see, he just didn’t have any to give.”
كتبها مهند الجندي في العام 2004.
بعد مضي أكثر من قرن على وجود السينما، ظهرت مجموعة من الأفلام بمثابة نقاط فاصلة في تاريخها الطويل هذا، أفلام هامة حددت أو شكلت معالم فن أصبح يتكلم عن أجيال بأكملها وعن ثقافات مختلفة. أحد هذه الأفلام القليلة هو (المواطن كين)، فيلم خاص بخصائصه لدرجة أنه أصبح مرجع وإلهام هام جداً عند أي مخرج وكاتب شاهد ما صنعه أورسين ويلز، وهو الذي حظي من خلاله على سيطرة كاملة من قبل الأستوديو، أن يخرج ويكتب ويمثل ويصدر الفيلم كما يريد بالضبط وبحرية مطلقة. بالنسبة إلى رجل قدم للتو من الراديو والمسرح في نيويورك وبعمر الخامسة والعشرين، فإن ويلز فاجأ الجميع وحتى نفسه عندما اختار موضوع فيلمه الأول والطريقة التي أخرجه بها.
كلمات مثل “ماهر” أو “غير اعتيادي” لا تفي حق ما فعله ويلز، فقد “ابتكر” أساليب لم يفكر بها أحد في تصوير المشهد، باستعماله الفريد لصوت الراوي وتغييره تفكير المصورين في كيفية استعمال الضوء وزيادة أهميته، والطريقة العميقة التي بدء وأنهى بها قصته، واستخدامه للرسومات وحتى التقارير الإخبارية. بالفعل، أعضاء الأكاديمية لم يعرفوا كيف يتعاملوا مع الفيلم، توجوه عن استحقاق بأوسكار أفضل سيناريو، دون العلم بأنهم أمام عمل سيغير ملامح ومعاني صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأبد، وهذا تماماً ما حصل.
(المواطن كين) الذي اكتمل تصويره في خمسة أشهر بعد أن أمضى ويلز عاماً كاملاً في تعلم استخدام الكاميرا والصوت، صدر في الأول من مايو عام 1941 (تم إعادة إصداره مرة أخرى عام 1991) بتكلفة تقدر بأقل من 700 ألف دولار، وهو فيلم مستقل من كافة النواحي الرئيسية، حيث أشرف عليه أورسن ويلز وحيداً، وميزانيته لم تسمح له إلا بالاستعانة بأصدقائه من المسرح، ولهذا فإن مظهر الفيلم بالنسبة لهذه المعطيات على الشاشة كان ملحمة باهظة التكلفة كما هي الشخصية التي تتكلم عنها. قلة الميزانية لم يكن عائقاً على ويلز الذي كان يدرك قيمة الصورة وقيمة الحوار، بالنسبة إلى رجل متفهم للشخصية التي يحكيها كان عائقه الأكبر هي الطريقة المثلى لاختيار ما سيضعه وكيف سيضعه في فيلمه من ذلك النص.
السيناريو والحوار الذي كتبه كل من ويلز و هيرمان جي. مانكويسيز (مع جون هاوسمان الذي لم يذكر في الفيلم) مستوحى عن حياة رجل صحافة مشهور يدعى ويليام هيرست، لكنني أعتقد أن أفضل طريقة للنظر إلى هذا السيناريو هي قدرته على استيعاب ليس فقط تفاصيل حياة تشارلز فوستر كين، بل استيعابه الحياة التي تدور في رأس كين ودوافع تصرفاته، وبراعته في التعبير عن رجل يعوض فقدانه لوالديه من خلال شهوته بالوصول إلى مراتب لا يحلم بها سواه. في قلب هذا السيناريو رجل لم يعرف طعم الخسارة أو حتى طعم الحاجة على الإطلاق، بل هو على استعداد أن يمتلك أي شيء يريد ما دام أنه هذا الشيء سيسير كما يشاء.
جزء من الشهرة التي حصل عليها الفيلم تكمن بأنه لا يملك حبكة أو عقدة اعتيادية، نحن نلاحق تحقيق يجري عن آخر كلمة نطق بها كين وهي “روزبد” التي تستحوذ على اهتمامنا، وما تعنيه أو ترمز له هذه الكلمة إلى تشارلز كين. غير أن المثير للاهتمام في الحقيقة هي البداية العبقرية والمشهد الافتتاحي له، نقرأ عن السياج عبارة ” ممنوع التجاوز” في الظلام الحالك. نشاهد قصر معتم وكئيب ونسمع أصوات البوم والقردة. نقترب شيئاً فشيئاً من المنزل، ونجزم أن من يقطن في مثل هذا القصر المسمى “زاندو” حتماً سيكون كئيب مثله. عبارة ممنوع التجاوز هذه تحكي الكثير عن رجل مهووس بحياته وسريتها، وحذافير معالم شخصيته، تحكي عن رجل عاش حياة إعلامية مشرقة شهيرة أمام العامة، لكنه أيضاً عاش حياة داخلية محزنة عمل جاهداً كي يبقيها خفية للعلن، فقط صديقه جيديداي ليلاند (جوزيف كوتين) عرف عقلية كين، وكيف كان يدير جميع من حوله، من خصومه الإعلاميين والسياسيين وموظفيه، وحتى زوجاته على طريقته الخاصة.
من أهم لقطات الفيلم هي من الأقل تقديراً ولا أدري سبب ذلك: مشهد انفصال تشارلي الصغير عن والديه الفقيرين في كوليرادو، متوجهاً إلى مدرسة داخلية تحت وصاية وولتر تاتشر (جورج كولوريس)، راقب كيف تعرفنا الموسيقى الناعمة بشكل رائع على تشارلي الذي يلعب في الثلج وهي الموسيقى الرقيقة الوحيدة في الفيلم. والطريقة التي تدخل بها الكاميرا داخل المنزل حيث توقع الأم الأوراق اللازمة لإتمام عملية نقل تشارلي (ربما أفضل تصوير سينمائي في التاريخ من قبل غري تولاند، حيث تحول المشهد من صورة عرض جميلة فقط إلى أداة عميقة غير مباشرة تساعد المخرج في رواية قصته). هنا يبرز سبب تفكك روح تشارلي وافتقاده لجنس الرحمة، الرجل تعلم منذ نعومة أظافره أن المال والجاه هي ما في الكون، والحصول عليها هي مهمته الأولى.
بعد 25 سنة، نشاهد تشارلي (أورسين ويلز) قد عاد من أوروبا فور إنهاءه للدراسة في جامعة هارفارد، وأصبح مليونير وارث لأموال وصيه، وقد قرر تكريس طاقته لنشر صحيفة “مستعلم نيويورك”. نواياه من هذه الصحيفة بأن تكون مهمة جداً لشعب نيويورك بأهمية الضوء، أن تحوي على أخبار جريئة متفجرة ليس بشرط أن تكون صحيحة (مستعد لخسارة مليون دولار سنوياً كي يصل إلى ذلك الهدف). يتزوج ابنة أخت الرئيس الأمريكي إيملي نورتون (روث وارك)، ويوسع إمبراطوريته الإعلامية في كافة أنحاء الدولة. يبدأ بالإفصاح عن طموحاته السياسية، فيرشح نفسه لمنصب الحكام، إلا أن غريمه جيمس غيتيز (راي كولينز) يكشف وقوع تشارلي بحب مغنية تدعى سوازن اليكسندر (دوروثي كومينغور) مما يفسد خطته بالفوز. تطلقه زوجته ويبقى هو مع عشيقته التي يتزوجها ويصر على صقلها كمغنية أوبرا في الدار التي بناها، مع أن المدرب نصحه أنها لا تملك الموهبة أو الصوت. على الرغم من المراجعات السيئة التي تحصل عليها يواصل تشارلي الترويج لمهنتها لكنها في الآخر تحتج وترفض المواصلة، الشيء الذي يقضي على تشارلي كين.
يتساءل الكثيرون عن سبب شهرة هذا الفيلم، حرية أورسين ويلز في المواطن كين تبرهن تميز السينما القديمة عن المعاصرة في السيطرة على كافة عناصر الفيلم وخروجه على الطريقة التي يريدها والتي يتحمل مسؤوليتها، ويلز حرر أجيال كاملة للسير على منهجه ألا وهو الإصرار على فكر المخرج. فرانك كابرا وجون فورد وستانلي كوبريك ومارتن سكورسيزي، هي أمثلة صريحة على نجاح هذا المنهج وباستمرار. المواطن كين كان أول فيلم ناطق يجعل الناس يدركون ماذا تستطيع الأفلام فعله وليس مرتادي السينما الأمريكية فحسب بل أي شخص لم يكترث بزخرفة هوليوود وبريقها.
ولتفهم أهمية الفيلم أيضاً علينا تذكر الطريقة التي نطقت بها الأفلام، ففي الأول بدت وكأن صوت يخرج من مايكروفون مزعج، هنا استخدم ويلز الصوت لدعم القصة وسردها بطريقة مختلقة، فقد حرر السينمائيين بتجربة طرق أخرى لم يطرق بابها أحد بعد، طالما أنها تخدم رؤية المخرج وتساعد القصة بجعلها أكثر إمتاعاً وحيوية. عدا عن أساليب المونتاج والماكياج واختيار زوايا الكاميرا واللقطات البعيدة والقريبة.
وتتجلى خصال العمل كذلك في حواره وبناء القصة وتمهيدها بأسلوب منسق للغاية، وتعريفنا على كل شخصية ذو عناية ملحوظة، وكل مشهد مكتوب بحرفية عالية. هذه الأمور لم تكن جديدة بمعنى الكلمة، هيتشكوك كان قد صنع (ريبيكا) المنظم تماماً في سرده، لكن الطريقة التي ولف بها أورسين ولز هذا السيناريو مع الإخراج والعناصر التقنية التي تطرقنا إليها هي التي جعلت من المواطن كين تجربة ثورية وغير مسبوقة على مرتادي السينما وأقلام النقاد. في بداية التحقيق مع الأشخاص الذين عرفوا كين، تشارلي بدا كأنه فتى طموح رقيق وملهم، على استعداد أن يعطي وظائف لأشخاص فقراء وقليلي الحظ حتى وإن كلفه هذه الأمر ملايين الدولارات. لكن كلما اقتربنا من أعز أصحابه وزوجاته، عرفنا طبيعته الأنانية ورغبته بالحصول على المحبة من الجميع مهما كلفه الثمن. تشارلي كين كان رجل مخنوق بثروته، ويظهر اهتمامه بالآخرين بأسوأ الطرق، لأنه في الواقع لم يحب شخص سوى نفسه. عندما كان يحاول الترشح لمنصب الحاكم، ومسك عليه غريمه علاقة غرامية سرية، وهدده إن لم ينهيها سوف يفضحه ويخزي عائلته، لم يكترث تشارلي، اعتقد انه فوق الآخرين ولم يتراجع. لم يراعي مشاعر زوجته وطفله أو حتى سوزان، كما أنه لم يمتلك شيء فعلي يحارب به خصمه غيتز، بسبب طمعه وهوسه بحب السيطرة تلاشت حياته السياسية من غير رجعة.
يقول تشارلي كين “أتعلم سيد برينستين، لو لم أكن رجل ثري، لربما أصبحت رجل عظيم جداً”، هذه الجملة الحاذقة تشير إلى أن كل التحف والأملاك التي اقتناها لم تكن لتشبعه، أو ترضي ما كان يبحث عنه. وهنا يأتي دور “روزبد” فمع أن هذا الرجل لديه عيوبه الواضحة، وغروره البشع وعجرفته الصريحة، تبقى أشياء كثيرة في شخصية الإنسان سراً في عقله الباطن، أشياء لا يعلمها سواه. مهما كانت صورتنا واضحة للعامة، فلا أحد يعرفنا كما نعرف أنفسنا، لا أحد يفهم بالكامل ما نؤمن به ونعتقده، تطلعاتنا وطموحنا ومشاكلنا. بدا على كين أنه رجل يريد الوصول إلى هدف، أن يصبح رجل مهم، لكن عندما أدرك حلمه، علم بأنه لم يبدو كاملاً كما خطط له. وبالنتيجة، بدأت إمبراطوريته بالفشل، ولم يلم سوى نفسه، بتفضيله المادة والشهرة على العائلة والأصدقاء.
تلك الكلمة “روزبد” وتعني “البرعم” هي طريقته في الرجوع إلى أصله وإلى بيته القديم، لقد كان سعيداً، فقير نعم لكن سعيد، هذه الكلمة تعني له السعادة، الفترة التي كانت فيه حياته كاملة، يلعب بالثلج بلا هموم تؤرقه. حينما نسمع هذه الكلمة في النهاية علينا أن نصغي لما تعنيه إلى تشارلي الصغير، وتألق الفيلم يكمن هنا، يثيرنا لفهم كيف تغيرت حياته كثيراً ولماذا، مع كل هذه الثروة والشهرة، في أصعب لحظاته عمره، وحيداً مهجوراً حزيناً كان يبحث عن شيء بسيط، شيء يعيده إلى أيام الدفء وهو يلعب خارج المنزل، يعيده إلى دفء حضن أمه التي كان قد سألها : “لما لا تأتي معي”؟
كما أن أورسين ويلز وفر حرية أخرى، ألا وهي مساحة صورة البطل، شخصية بسمات تشارلي كين تكاد تلغي حجم باقي الأدوار التي تسانده، وخلفية ويلز المسرحية ساعدته على الانطلاق بها إلى أبعد من حدود إطار الكاميرا. نشاهد أفعال كين المتعجرفة إلا أننا نتعاطف معه كونه إنسان قام بقرارات خاطئة آذته كما آذت المحيطين به. عندما تقرأ مراجعات حول فيلم المواطن كين، ستجد ثلاثة أنواع منها، (أولاً): مراجعات تقول أنه فيلم مبالغ في جودته، لأنهم كانوا يتوقعوا شيء من خارج كوكب الأرض. بالنظر إلى آراء النقاد الايجابية طوال هذه السنين، والطريقة التي حُلل بها الفيلم داخل الجامعات وكليات الآداب وحتى الفنون الجميلة. (ثانياً): مراجعات تقول أنهم أعجبوا بالفيلم ولكن لا يعرفوا لماذا، يبدو أن سمعته قد أثرت على مشاهدتهم، وجعلتهم يشعرون بالذنب إن لم يعدوه فيلم عظيم. هذا في حقيقة الأمر، أسوء نوع من المراجعات، لأنه لا يقدم شيء سوى قصة الفيلم، لا يقدم وجهة نظرة فيه، وبهذه المراجعات يشعر الكاتب والقارئ بذنب يصعب تفسيره إنما يسهل التخلص منه: شاهد الفيلم مرة أخرى. (ثالثاً): وهو أفضل نوع من المراجعات، هي التي تشرح لك أهمية الفيلم من النواحي الفنية والتقنية، وأيضاً من النواحي التاريخية. والأفضل بشكل موضوع، ماذا تعلموا عن صناعة السينما من خلاله وهل وسع الفيلم نطاق مشاهدتهم، حيث تعرفوا على أورسين ويلز وسبب شهرته (وربما مشاهدة بقية أفلامه).
أخرج مارتن سكورسيزي قبل سنوات سيرة هاوارد هيوز في (الطيار)، وهو بشكل أو بآخر صورة مصغرة عن حياة تشارلي فوستر كين، الرجلان قدما انجازات لم يجرؤ غيرهما التفكير يها، كلاهما عانا من عقدة طفولة أثرت سلباً على حياتهما. (المواطن كين) انتهى بكلمة غامضة تعيد تشارلي وحيداً إلى نقطة البداية، و(الطيار) انتهى بجملة “الطريق إلى المستقبل” التي توضح هوس الرجل بما سيفعله في المستقبل حتى وهو في أسوء حالاته الصحية. المثير للسخرية أن كل من أورسين ويلز ومارتن سكورسيزي مع قلة حصولها على جوائز إلا أنهما الأكثر تأثيراً في الفترة التي عملا بها. الاثنان تميزا بموضوعات كئيبة وشخصيات تعاني من أزمات نفسية وصراعات شخصية لا يسهل تحليلها. بالفعل وكما تقول إحدى الشخصيات في الفيلم: “كل الذي أراده من الحياة… هو الحب. تلك كانت مأساة تشارلي فوستر كين، لم يملك شيء منه كي يعطيه”.
ينتمى (المواطن كين) إلى مجموعة من الأفلام التي أحدثت تغيير جذري على موازين السينما، ومنها (الجريمة) للمخرج النمساوي فرتز لانغ، و(الأزمنة الحديثة) لتشارلي تشابلن، و(المخبر) لجون فورد، و(الثور الهائج) لمارتن سكورسيزي، و(نادي القتال) لديفيد فينشر. قم بجمع هذه الأفلام وتفكر في الإلهام التي أحدثته على سينما عصرها ستجد أن أسلوب صناعتها هو الذي سبق عصرها وليس أفكارها، وتقديرها المستحق كان متأخراً قليلاً. لا أدري إن كان (المواطن كين) هو أفضل فيلم في تاريخ السينما، لأنني لم أشاهد كل الأفلام، ربما يكون المفضل لدى الكثيرين، على الأقل أعلم أنه من أهمهما، أعلم أنني أستطيع أن أطلق عليه كلمة “تحفة”.



