A Separation: تحفة أصغر فرهادي عن العدالة حين تصطدم بالمشاعر الإنسانية

A Separation فيلم تحاول فيه كل شخصية مهمة أن تعيش حياة صالحة داخل حدود الدين نفسه. لكن هذا السعي لا يقودهم إلى الانسجام، بل إلى الخلاف والوقوف أمام قاضٍ، لأن أي قائمة من القواعد لا تستطيع أن تحتوي تعقيد المشاعر الإنسانية. يشرك الفيلم جمهوره بطريقة مباشرة وغير معتادة؛ فنحن نفهم منطق كل شخصية، لكن مشاعرنا كثيرًا ما تختلف مع هذا المنطق.

تدور أحداث الفيلم في إيران المعاصرة، وهي دولة حديثة تحاول العيش وفق الشريعة الإسلامية. لا يعترض الفيلم على الإسلام، لكنه يوضح أن التطبيق الجامد لحرفية القانون قد يعيق روح القانون نفسه. وهذا لا يخص إيران وحدها، بل ينطبق على كل الدول، وتحت كل الأديان والقوانين. فالقوانين تحاول تنظيم مواقف افتراضية قبل وقوعها. ولو استُبدلت القوانين الصارمة بمبادئ أوسع، ربما كانت أقرب إلى طبيعة الإنسان.

تخيل هذا الموقف. نادر وسيمين، يؤديهما بيمان معادي وليلى حاتمي، زوجان من الطبقة الوسطى في طهران، يعيشان زواجًا سعيدًا ولديهما ابنة لطيفة في الحادية عشرة من عمرها تُدعى ترمه، تؤديها سارينا فرهادي. يعيش معهما أيضًا والد نادر المصاب بالخرف. كان الزوجان قد اتفقا من حيث المبدأ على السفر إلى الخارج، أملًا في أن تحصل ترمه على فرص أفضل هناك. سيمين مستعدة للمغادرة الآن، أما نادر فيريد البقاء من أجل والده.

تقول له زوجته: «لكنه لا يعرفك!»

فيرد: «صحيح، لكنني أنا أعرفه».

كلاهما على حق. هنا نرى المعضلة الإنسانية المعروفة مع مرض ألزهايمر. عندما يصلان إلى طريق مسدود، تنتقل سيمين إلى شقة والدتها، وتضطر إلى رفع دعوى طلاق، رغم أن الاثنين لا يريدان فعليًا إنهاء زواجهما. بعد ذلك، يستعين نادر بمقدمة رعاية للاعتناء بوالده. اسمها راضية، وتؤديها ساره بيات. تخفي راضية طبيعة عملها عن زوجها حجت، الذي يؤديه شهاب حسيني، لأنه مسلم متشدد ولن يسمح لها بالعمل في بيت رجل في غياب زوجته.

في أحد الأيام، يعود نادر إلى البيت ليجد والده مربوطًا بالسرير وراضية غائبة. لديها سبب وجيه لما فعلته، لكن نادر لا يعرفه، ونحن أيضًا لا نعرفه في البداية. يطردها من العمل، فتتهمه بأنه دفعها على الدرج وتسبب في إجهاضها. يرفع حجت دعوى ضد نادر بتهمة القتل غير العمد. ومن بين الشهود الآنسة غهرائي، معلمة الابنة، التي تبدو صادقة، لكنها قد لا تكون موثوقة بقدر ما تعتقد عن نفسها.

هذا هو كل ما تحتاج إلى معرفته عن الحبكة. تصل القضية إلى مكتب قاضٍ محقق، يؤديه بابك كريمي، ومهمته أن يستمع إلى الأدلة ويقيّمها. هو رجل عادل ومنفتح الذهن، وكل الشهود يقولون الحقيقة بقدر ما يستطيعون. لكن لا أحد منهم يملك كل الحقائق، كما أن الحكم يجب أن ينسجم مع القانون الديني. نادر وسيمين مسلمان معتدلان. أما راضية، فهي متدينة جدًا إلى درجة أنها تتساءل إن كان يجوز لها تغيير ملابس رجل داخلية، رغم أنه عجوز ومريض جدًا. ما يدفعها إلى هذا العمل أساسًا هو الفقر الشديد الذي تعانيه عائلتها.

يحكي الكاتب والمخرج أصغر فرهادي قصته بعدل وهدوء. لا يبدو أن لديه أجندة سوى التعبير عن التعاطف. وحتى عندما يميل القاضي في اتجاه قد لا يوافق مشاعرنا، نفهم لماذا يفعل ذلك، وربما يكون محقًا في النهاية. أن يصنع مخرج فيلمًا متعاطفًا بهذا الشكل في زمن مضطرب كهذا، فهذا دليل على قوة شخصيته.

يخلق الممثلون هنا، كما يحدث أحيانًا في السينما، تلك المعجزات الصغيرة التي تمنح الفيلم صدقه الكامل. ينجح بيمان معادي وليلى حاتمي، في دور الزوج والزوجة، في إقناعنا بأن شخصيتيهما تتحركان بدوافع حقيقية. هما يحبان بعضهما ويريدان الأفضل لعائلتهما، لكنهما يختلفان في طريقة التصرف. وأن يقودهما ذلك إلى قضية قتل غير عمد، فهذه مصادفة مؤلمة. كما أن القاضي نفسه لا يبدو متحمسًا لمعاقبة أحد.

يقدم A Separation صورة مفيدة عن إيران اليوم. بعض الخطاب السياسي الأميركي المتوتر يصورها كدولة مارقة متحمسة لبدء حرب نووية. وأخشى أن كثيرًا من الأميركيين لا يزالون يتخيلون الإيرانيين كأشخاص يركبون الجمال ويعيشون في عالم الحريم. وبالتأكيد، هناك عقوبات نقرأ عنها في إيران، خصوصًا في قضايا الزنا، تبدو قادمة من العصور الوسطى. لكن هذا الفيلم يقدم بلدًا أكثر تعقيدًا وتعددًا، وشخصياته المحترمة تحاول أن تفعل الصواب.

فكّ الاشتباك بين الصواب والخطأ في هذه الحكاية المدهشة تحدٍّ أخلاقي حقيقي. أتمنى لو شاهد الفيلم قضاة حكماء من محاكم الطلاق الأميركية، ثم سمعت قراراتهم. أحيانًا، لا يكون القانون كافيًا للتعامل مع المشاعر الإنسانية.

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار مهند الجندي

مهند الجندي

متابع للسينما

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة