Blue Jasmine – 2013

Blue Jasmine “.Some people, they don’t put things behind so easily”

بقلم مهند الجندي.

اهتمام وودي آلين طوال مسيرته السينمائية بدراسة التفاصيل الدقيقة لتصرفات البشر بأهوائهم المتناقضة وخصالهم المتنافرة، خاصة بخلفيتهم النيويوركية، يتجلى هذه المرة في فيلمه (ياسمين المكتئبة) لأسباب تتعلق بحنكته كمخرج يسرد قصته الجادة العميقة التي يريد لكن بقالب عفوي شفاف يصيب هدفه لكن برفق مؤثر. الوسيلة الأنسب ربما لتفسير هذه النقطة هي أن تتخيل معالجة مخرج آخر لهذه المادة الدرامية البسيطة بقالبها العام لكن الموجعة للقلب في صميمها الخفي، والتي تشعر أنها خطرت ببال وودي أثناء جلوسه حائراً على أحد المقاعد العامة في مانهاتن بحثاً عن قصة لفيلمه السنوي الجديد.

إنها حكاية امرأة شابة لم تكمل دراستها تتعرف على رجل ثري ينقلها من حياة الفقر في بروكلين إلى دنيا من الأحلام الوردية حول العالم، قبل أن يتلاشى كل ذلك بداعي الاحتيال والخيانة. تمعن في الطريقة التي يتناول بها وودي هذه المأساة التي حلت بهذه المرأة، وتفكر في مدى سوداوية العمل فيما لو أنه اختار تسليط الضوء على مصيبتها دون توظيفه المتجدد لكوميديا الموقف والشخصيات الثانوية التي تشكل محيطاً واقعياً يحتوي أبعاد قضية الفيلم الرئيسية الغليظة والكئيبة فعلاً كما يفصح عنوانه، والموضوع هنا هو “الإنكار”.

كعادته، يعمد وودي على توليف شخوص حقيقة وإن بدت كرتونية للوهلة الأولى، لكنها تبدأ بالتطور سريعاً لتصبح عنصراً مكملاً لشخصيته الرئيسية، هذه هي كتابة وودي بمنتهى تفهمها لمشاعر أبطاله المختلفة، المحطمة المنهارة والبائسة من جهة، والحالمة المتسامحة والتقليدية من جهة أخرى.

بيد أن إنجاز وودي العظيم في هذا الفيلم يكمن في زاويتين أساسيتين، تشبثه برسم بياني واحد لا يقبل اهتزازه أبداً تجاه الشخصية الرئيسية، وإدارته لأداء كيت بلانشيت الذي لا يعد من أفضل مراحلها التمثيلية وحسب، إن لم يكن أفضلها على الإطلاق، بل هو كذلك من الأفضل الأدوار التي خطها قلمه، موازياً لأكثرها عمقاً وكلاسيكية. كما هو حال معظم الأدوار المكتوبة بتفهم عميق، يتناول وودي شخصية ياسمين كحالة إنسانية يدرس جوانبها كافة دون الحاجة للوصول إلى خاتمة تفسر خلفيتها أو تبرر أفعالها سواءً الجيدة أم السيئة، إنها وليدة تلك البيئة وتلك الظروف الاجتماعية والأحداث التي تعرضت لها، في السراء والضراء، وهي أمام المشاهد ليتفهمها ويتأمل لوحده وبرأييه إلى أين ستؤول بها الأيام.

كيت بلانشيت تغمر الشاشة بحجم هائل من المشاعر المتأرجحة وتنغمس بالدور لدرجة تشعرك أنها مرت بتجربة مماثلة مما تعاني منه ياسمين الآن، وتقدم أداءً يجمع بين الرقي والبؤس والطفولة وانتكاسة الحياة، تشعر أنها على شفا حفرة من الانتحار بأي لحظة. تلامس بلانشيت الانهيار العصبي وصفات الإنسان الذي يمر بمرحلة من الإنكار وعدم القدرة على تقبل الواقع جرّاء هول الصدمة التي تعرض لها على حين غرة، وتجسد تلك الفتاة الناقصة التي لم لا يتسنى لها إكمال دراستها، وخطفت نفسها من مرحلة النضوج التام وعاشت لعقود من الزمن تحت تأثير مخدر المال، مسلوبة الإرادة والشخصية، وعليها الآن الجلوس لتعيد ترتيب أوراقها كمل فعل وودي آلين مع هذا الفيلم المنعش/الكئيب.

Blue Jasmine

3.5 من 4

IMDb | RT


اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

لا تعليقات بعد على “Blue Jasmine – 2013

  1. فيلم رائع وكما يقولون عليه الفلم المشرق الكئيب النص جميل لاعيب فيه والسرد ممتع بعيد عن الملل لكن كيت كان ادائها اسطوري قمه في الروعه خاصة لحظات الانهيار العصبي بتخليك تعيش اللحظه معاها blue jasmine لا يصنف من اعظم افلام السينما لكن بكل تأكيد لايشبه اي فيلم شفته قط

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة