Pierrot le fou – 1965 (بييرو المجنون)

لابد أن الحديث عن الأعمال السينمائية من خلال المراجعات النقدية ليس بتلك الأحجية الصعبة، وخصيصاً من خلال إلقاء الضوء على أهم ماتسرده النصوص السينمائية من وجه نظر الصانع السينمائي والبحث عن تلك الأفكار التي يخلقها في عمله من خلال الصوت والصورة والحوارات وغيرها، لكننا في هذا الحالة نتحدث عن السينما بمعناها التقليدي عندما يكون النص السينمائي يحمل بداية ووسطاً ونهاية كما اعتدنا أن نشاهد ولكن إن كنا نود الحديث عن أحد السينمائيين الذي اخترقوا تلك القاعدة وجعلوا النص مجرد مجموعة من الأطاريح العشوائية التي لا تعرف أية قواعد أو قوانين لتقيدها ضمن فكرة أو أفكار محددة، وجعل النص الرئيسي مجرد حالة عبثية نمر عليها أثناء الطرح السينمائي والابتعاد عن المركزية للشخصية والقصة الرئيسية المعتادة وجعل الشذرات الأخرى تحيط بعوالمها .. 

المخرج الفرنسي المعروف جان لوك غوادر الذي اقتبس النص الأصلي من رواية ليونيل وايت (الهوس ) ودون أي نص تلجأ إليه شخصياته الرئيسية قدم واحداً من أعظم الاعمال التي تحمل من المفارقات التقنية والفنية الشيء الكثير , جان لوك غوادر جعل من (بييرو المجنون) لوحة يحدها الجنون في كل ماتمثله الصورة والصوت وحتى الفكرة الملقاة على كاهل العمل.
أصدقكم القول أن الحديث عن العمل أو التسلسل الحدثي أمر مستحيل تطبيقه لأن المخرج الفرنسي حاول مَزج العديد من الألوان السينمائية في أطروحة واحدة تجعل المشاهد يخرج من العمل إما أن يصف مخرج العمل جان لوك غوادر بأحد أهم الرموز السينمائية او الانتهاء من العمل دون إدراك هل كان ماشاهده هو حقاً عمل سينمائي أو مجرد حلقة مفرغة من الهرطقات صعبة التفهم ..

دعوني في البداية أُمثل الحالة التي انتابتني وانا أشاهد (بييرو المجنون) والتي أصفها بحالة من الهذيان الجنوني المبهم بحق ..! فغوادر نفسه عندما سُئل في أحد اللقاءات عن فيلمه هذا أجاب ( أنه في فيلم واحد يود ان يتحدث عن كل شيء ) تلك الإجابة التي لاحت امامي فور انتهائي من العمل فنحن امام حالة فريدة من نوعها تتحدث عن الأمور الحياتية الإنسانية والمتخمة بالمشاعر والأحاسيس من جهة, والإدراكية والاختيارات العقلية من جهة أخرى,, وفرض تلك المفارقات بين الجهتين، والولوج إلى تصعيد البحث في ماتحمله النفس البشرية من مفارقات ورصد مفهوم الهوس الذي يكمن مابين الغريزة والحس والمسؤولية والعشوائية والخروج من باطن تلك الضبابية التي تعاث فيها نفوسنا .. شيء إعجازي أن تُصر عن الحديث عما يكمن في الروح الإنسانية من دفء وبراءة وعاطفة وبذات الوقت البحث عن مفاهيم مثل النكران والكراهية والبرود والدموية وغيرها.   

جان لوك غوادر جعل من فلمه هذا لوحه تمزج العديد من الالوان، فكنت تشهد تارة أنك أمام أحد كلاسيكات أفلام النوار الهوليودية وصراع قُدم من قبل المخرج اورسن ويلز أو فريتز لانغ , وفي تارة أخرى كنت تجد نفسك في منحنيات السينما السيريالية التي اشتهرت في تلك الفترة من خلال الإسباني لويس بونويل والفرنسي اّلان رينيه وتغليفها بما يسمى سينما النوار القائمة الكئيبه وتشذيبها بروح الدعابة والسخرية الغودارية في النهاية..

لعلي لحد اللحظة لم أستطع أن أوصل القارىء إلى ضفة الأمان في الحديث عن (بييرو المجنون) لأنها بالتأكيد لوحة لا إجابات بين ثنياها فمخرج العمل حاول فتح النار على عدة جبهات بدأها في انتقاد جامح للعلاقات الإنسانية ودمغ خلفية المشاهد الافتتاحية بعدة ألوان منها الأزرق والأحمر والتي تدل على الحربائية البشرية وتلك الأقنعة التي تستطيع أن ترتسم من الخارج، والتعرية لها من خلال الحوار الملقى من خلفية الشاشة ليرصد غوادر أول إيدلوجية في عمله حول القذارة التي تكمن في تلك الحياة الأسرية في المجتمعات المخملية وجعلها مجرد ممارسة أخرى للعجز الفكري والإنساني في تعرية واضحة لمعظم الشخصيات في المشهد ودهنها بالألوان الفاقعة مبرزاً مدى الحنق والبرود التي تعتاشه..

ليقفز غوادر وكعادته إلى فتح الباب لشخصيتيه الرئيسيتين غريفين (جان بول بلموند ) , مارييني (أنا كارينا) , في محاولة للتلاعب بنا في التواصل بين تلك الشخصيتين بعد مرور سنين من انفصالهما ومحاولة الاثنين بداية علاقة من جديد بعد هروب غريفين من بيته والمسؤوليات والحياة التي كان يعيشها مع زوجته وحادثة قتل تتسبب في مارييني في شقتها بوجوده.
الشيء المثير ان غوادر حاول في فلمه هذا أن يجعل المشاهد دون أن يلحظ يخوض تجربة مع العديد من المدارس والحقب السينمائية فأستذكر مشهد مارييني عندما تبدأ الغناء لغريفين في مشهد يُخلد السينما الموسيقية الخمسينية والستينية والولوج إلى المدرسة الهوليودية في فرض حبكة الاثارة والمؤامرة الهيتشكوكية ومزجها مع سينما النوار الكلاسيكية ولا أتناسى إضفاء مزيج ثوري من اللغة التصويرية اللونية المبهرة مع الموسيقية الرائعة لعكس مدى أهمية هذين العنصرين في العمل السينمائي ,, أيضاً لابد لي أن أعود للحديث عن عمل غوادر (منقطع الانفاس) عندما جعل غوادر شخصيته الرئيسية ترتجل مشاهدها من شخصية همفري بوغارت وإظهار مدى التفكك والعشوائية والسطحية التي تكمن في شخوصه في ذلك العمل. هنا غوادر أعاد الكرّة ولكن وجعل شخصية مارييني ( أنا كارينا) في بييرو المجنون وجهاً آخر لشخصية (جين أسبيرغ) في (منقطع الانفاس) تلك الفتاة التي ترى العلاقات من منطلق المصلحة الشخصية والتي تبيح لها التلاعب والتدنيس لسمو العلاقات الإنسانية من أجل الوصول إلى الهدف الذي تضعه أمامها.


الفرنسي جان لوك غوادر لم يتوقف إلى هنا بل استخدم عبارته الشهيرة الساخرة ( كل ماتحتاجه لصنع فيلم ناجح بندقية وفتاة ) وخلق من عمله وجهاً للصنعة الأمريكية لحرب العصابات والقتل وسفك الدماء لإظهار مدى العقم الذي تشغله تلك الزوايا التي ترتكز عليها معظم التجارية من خلال السينما الهوليودية , أيضاً حاول جان لوك غوادر أن يجعل المشاهد في حيرة شديدة لتفهم العمل بشكل الكامل من خلال طريقة سرده للأحداث التي طفت عليها جزئيات من الرمزية ومحاولة تجريد شخصيات عمله في الكثير من الأحيان من استعراض المشاعر أمام الشاشة فكنت تلحظ أن الاعتماد الكلي ليس على القالب الأدائي بقدر ما تشدك تلك الأمور التي تحيط بالشخصيتين الرئيسيتين، وجعل تلك الحيثيات تبرز مدى التعقيدات والتفكك والانغلاقية التي تعيشها شخوصه. وباختصار فإن جان لوك غوادر في (بييرو المجنون) حاول أن يضفي مزيجاً متفرداً للحديث عن جنون السلطة والنفور الذي يعتاث في نفس الفرد فكنت تشهد في كل مشهد من المشاهد لوحة تعكس من زواية مدى انتقاد هذا الصانع للمجتمع والأفراد بشكل أو أخر .. !!

(.. الصدمة .. )

لعل أكثر ما يجعل سينما غوادر ذات انفرادية خاصة هو اعتماده على عدد من التصنيفات السينمائية ومزجها معاً فتلحظ أن خاتمة (بييرو المجنون) لم تختلف بشكل الكبير عن رائعته الأخرى منقطع الانفاس فكلا العملين ارتكزا على موجة أفلام النوار والنهايات الميلودرامية الكئيبة التي تنتهي بموت احد الشخصيات الرئيسية بمعالم ترثى للحالة التي وصلت إليها البشرية وتلك الممارسات التي نخلقها من خلال بحثنا المستمر عن المصالح الذاتية وإشباع الغرائز ونسيان الهدف الرئيسي من تبادل العلاقات الإنسانية بهدف أكثر سمواً وأخلاقية ..

( ,, فيلم يحتوي على كل شيء ,, )

جان لوك غوادر في (بييرو المجنون) رسم لوحة تشكيلية حاول فيها أن يوجز معظم الحقب السينما والتصنيفات الهامة التي مرت على السينما العالمية وضخ تلك الدماء من المفارقات الانسانية من الحب والكره, الغريزة والحسية, العشوائية والمسؤولية, الأخلاقية والسادية, ونقل تلك الحالة من خلال استخدام ثري للاقتباسات الأدبية ونشر اللوحات الفنية على الجدران المحيطة لعوالم شخوصه واستخدام الفلاش باك والحديث مع الكاميرا والمزج بين السرد الحركي المثير والرتم العاطفي الرتيب في قالب ساخر ينقل فيه مدى الاستهتار الذي يقبع في نفوس الافراد وتأثير المجتمع عليها ,,

( مفهوم سياسي , )

جان لوك غوادر وكعادته خاض جرعة سياسية في عمله وذلك بحديثه عن الدموية التي تعتاشها الأنظمة من خلال طرحه العديد من المسائل الشائكة السياسية مثل الحرب الجزائرية والحرب الفتنامية والقضية اللبنانية وغيرها مصرحاً بمدى غطرسة البشرية وتجردها من إنسانيتها لوصولها إلى مبتغاها ..

أخيراً في الختام (بييرو المجنون) أصفه بالتحفة التي لا مثيل لها، وجعل السينما ذات معالم لاحدود لها في عالم لا منطق فيه تحدها العديد من الألوان المتضاربة في مجتمع يغرق في مفارقات نفوس أفراده ..  

تحرير : عبدالرحمن  الخوالدة ..

 

أفاتار عبدالرحمن الخوالدة

عبدالرحمن الخوالدة

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading