فيلم Fall وسؤال البقاء

الفيلم برغم ما فيه من مظاهر الألم: كالفقد، الغدر، الوحدة، اختبار الموت، إلا أنّه ليس عدميًّا كما قد يراه البعض، بقدر ما هو دعوة إلى التّغلُّب على المخاوف ودفع الحدود التي تدور حولها الحياة.”

كتابة د. محمد عرفات

بتكلفةٍ مُتواضعةٍ للغاية مُقارنةً بالكثير من الأفلام، ومن خلال قصةٍ بسيطة خالية من الابتذال، وأحداث تصاعديّة، غالبًا، وبعددٍ محدود جدًا من المُمثّلين، وسيناريو حافل بالإثارة والتّشويق والمُغامرة والرُّعب، استطاع صُنّاع فيلم “Fall” حبس أنفاس المُشاهد لأكثر من 100 دقيقة، أمام أحداث فيها من الواقعية والكثير من المُكاشفات..

“Fall” هو فيلم من طراز تحدّي البقاء على قيد الحياة لعُشّاق صعود المُرتفعات. تدور أحداثه حول صديقتان تعشقان التّسلُّق، لنعلق معهما على قمّة بُرج تليفزيوني قديم يتجاوز ارتفاعه ألفي قدم، وهما تُكافحان نجو سبيلٍ للنّجاة والوصول إلى الأرض بسلام بعدما انهار السُّلم الحديدي مع بدء مُحاولتهما الهبوط من قمّة البُرج.

تعرض الدقائق الأولى للفيلم، بمساحة بصرية رائعة ومُرعبة في آنٍ، الصديقتان “بيكي” و “هانتر” وهما تتسلقان إحدى الجبال، بواسطة الحبال، رفقة “دان” ـ الذي يسقط ويلقى حتفه؛ ومع هذه النهاية المأساوية تغرق “بيكي”، لمدة 51 أسبوع، في الثّمالة والمهدئات، بعد أن أبعدت عن حياتها أحباءها، وكانت تُعزِّي نفسها تارةً بصورتهما معًا، وأخرى بالاتصال بهاتفه والاستماع إلى البريد الصوتي، ناهيك عن رفاته التي ظلت تحتفظ بها إلى قُبيل وقوع الكارثة. ولمّا حاول والدها مُواساتها وإخراجها من محنتها، كي تمضي قُدُمًا بحياتها؛ انفعلت عليه، كونها تفتقد “دان” والحياة معه. وخلال انصرافها أوقفها ليسألها، ونسألها معه: “إن كان الوضع معكوسًا، أتخالين أنّ “دان” سيقف هنا وحيدًا غارقًا في الشراب، الحُزن والأسى ـ أيًّا كان ما أنتِ عليه؟”.

لقد انقضى من عُمْر “بيكي” أكثر من سنة في عالم اللا حياة إلى أن اتّصلت بها صديقتها “هانتر”، وبعد أن فتحت لها الباب، أخبرتها أنّها تنوي تسلُّق البُرج التليفزيوني القديم “بي67″، أطول مبنى في الولايات المتحدة، وأقنعتها بمُرافقتها كما الأيام الخوالي بعد أن ذكّرتها بقول “دان”: “لا تموتي إن أردتِ العيش، أو استمري في العيش وإن كنتِ تحتضرين”، وبمعنى آخر “إن كنتِ خائفة من الموت، فلا تخافين من العيش”..

وإذا كان السيناريو، في دقائقه العشرة الأولى من عُمْر الفيلم، قد غيّب “هانتر” عن صديقتها المُحطّمة ـ الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن قيمة وأهمية الصداقة، بعد السؤال عن ماهيتها؛ فإنّها توضّح الأمر لصديقتها وهما عالقتان أعلى البرج قائلة: “بعد وفاة “دان” لم أكن أملك من القوة ما يكفي لأكون بجانبك.. لذا هربت”. وقد جاء اعترافها بعدما فضحت الكاميرا أمر العلاقة الحميمة التي وقعت بينها وبين “دان” من خلال الرقم الموشوم على باطن قدمها (143)، وهو نفس الرقم الذي كان يقوله “دان” في جوابه على سؤال “بيكي” له <هل تُحبني>؟.. ومع تلك الصدمة الدّامية، تستمّر التساؤلات عن الصّداقة والأصدقاء؟! ناهيك عن سؤال الحبّ الذي يضع الجميع في مواجهة صعبة مع الصداقة والزواج..

بدأت رحلة صعود المُغامِرتان للبُرج، وبعد دقائق مرّت علينا كأنها ساعات وصلتا إلى القمّة، ألقتْ “بيكي” رُفات “دان” من علٍ، وطوتْ فصلًا من حياتها، وذلك بعد أن انتصرت على مخاوفها للأبد، لتبدأ رحلة/ مأساة الهبوط والتساؤلات..

مع بدايات النزول، ينهار السلم الحديدي المُتهالك بأكمله لتصبح الصديقتان في مأزق مأساوي تستدعيان خلاله شتى الأفكار والحِيَل التي من الممكن أن تُساهم في إنقاذهما..

جاءت إحدى المحاولات عندما أسقطتْ “بيكي” حذاءها باتجاه رجل يسير أسفل البُرج مُتوجِّهًا نحو سيارته. ومع يقينه، هو وشريك رحلته، بوجود شخص/ أشخاص عالقين أعلى البُرج، لكنهما لم يجدا حرجًا في الاستيلاء على سيارة المُغامتران دون أدنى مُحاولة لمساعدتهما، الأمر الذي يدفعنا إلى العديد من التساؤلات!..

وبعد التّغلب على حالة الهلع وهما على قمة الهاوية، وبثبات انفعالي، أفادت “هانتر” بأنّ “الحياة قصيرة للغاية، وعليك فعل شيء يُشعرك أنّك على قيد الحياة”! وكأنّها، ومن قبل، صُنّاع الفيلم، قد تأثّرت بنيتشه القائل: “إذا أردت أن تجني من الوجود أسمى ما فيه، عِشْ في خطر”..

لقد قامت “بيكي” باختبار شتى الوسائل المُتاحة كي تبقى على قيد الحياة، بما في ذلك التّسلق قُرابة 30 قدم لأجل شحن الطائرة “4 كاي” وإرسال رسالة بواسطتها إلى المطعم القريب، وقاومت كافة أشكال الجوع والألم والرُّعب والوحدة رغم أن “هانتر” كانت ترافقها ـ والتي اكتشفنا في لحظة مُتقدّمة، عبر فلاش باك قصير، أنّها سقطت وفارقت الحياة خلال صعودها مُجدّدًا بعدما نزلت، في يومهما الثاني، بواسطة الحبل قُرابة 40 قدم؛ لأجل جَلْب حقيبة الظهر العالقة بمحتوياتها (الماء/ الطائرة “4 كاي”).

وإذا كانت “بيكي” في بداية الفيلم قد تذمّرت من حرص والدها وخوفه عليها، وذلك بعد أن أقصت الجميع من حياتها بعد وفاة “دان”، فإنّ إرسالها رسالة استغاثة له، والعودة معه بعد نجاتها، يضمن وصول إحدى رسائل الفيلم التربوية. وبمعنى آخر، فإنه بين رغبة الأب في احتواء ابنته في بدايات الفيلم، ولهفته لإغاثتها والاطمئنان عليها بعدما وصلته رسالتها تتجلى النزعة التربوية التي نلمسها غالبًا في الكثير من أفلام الرعب..

لقد نجح صُنّاع الفيلم في اختيار قمّة البُرج كمسرح لأحداث الفيلم، والذي يُعدّ أحد أبرز الحدود القصوى للجنون ومشارف الموت التي لا يرغبها إنسان.. والفيلم برغم ما فيه من مظاهر الألم: كالفقد، الغدر، الوحدة، اختبار الموت، إلا أنّه ليس عدميًّا كما قد يراه البعض، بقدر ما هو دعوة إلى التّغلُّب على المخاوف ودفع الحدود التي تدور حولها الحياة..

ومع وجود المعادل البصري والخلفية الموسيقية والتعبيرات الجسدية والصوتية عشنا حالة الرُّعب المُزدوجة، تارة مع أبطال العمل كمُتسلقين، وأخرى، من بعيد، كمتابعين. ففي كل لحظة ابتعاد للكاميرا كنا نتساءل عن غائية هذا العمل الجنوني، وفي اقترابها، حذّرنا البطلة من خطر قريب كنا قد عايشناه واختبرناه بفعل زووم الكاميرا، الأمر الذي أعطانا، كمشاهدين، تلك المتعة التي نجدها في أفلام سينمائية مهمة.

IMDb | RT

أفاتار غير معروف

لا تعليقات بعد على “فيلم Fall وسؤال البقاء

اترك رداً على محمود ابولوحهإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading