Who’s Afraid of Virginia Woolf – 1966
– عيون الآخرين سجوننا, وأفكارهم أقفاصنا.
– ليست الكوارث وجرائم القتل والموت والأمراض هم من تُشيخنا أو تقتلنا. بل الطريقة التي ينظر الناس فيها ويضحكون.
– في تسيّبنا وأحلامنا تطفو على السطح الحقيقة المغمورة بالمياه.
– هذه الروح أو الحياة داخلنا لا تتفق على الإطلاق مع الحياة خارجنا. لو كان للمرء الشجاعة ليسألها عمّا تعتقد, لقالت دائماً العكس تماماً لما يقوله الآخرون.
فيرجينيا وولف

الشخصية.. ذلك الخليط الغريب بين الأعمال والأفكار والذكريات والأحلام. هاتيك الكتلة التي يشكلها تأثيرنا بالآخرين وتأثرنا بهم, وتلوّنها خلفيتنا الماضية وآمالنا المستقبلية. هناك فيما بين هذه العوامل والمؤثرات تبدأ الذات بالتبلور مستندة إلى جملة من الحقائق وكمّ من الأكاذيب.. لن نختلف على وجود الحقائق, لكن لماذا الأكاذيب؟ لأن الحقائق هي ما قمنا به وهو مثبت, أما الأكاذيب فهي فتافيت من تحسينات ورتوش نلحقها بذاتنا لتجملها, أو لعلها ظلال باقية من طموحات لم تتحقق أو رجاءات نفتقد تواجدها في حياتنا فتسيطر على جوانب ما منا. والغوص في الشخصية عميقاً ليس مسألة يسيرة على الإطلاق, حتى أننا لا نفهم ذواتنا من كل جوانبها, وهذا طبيعي, ثم أننا نميل عادة إلى تحسين كل ما نراه من عيوبنا وتبريره, كنوع من التذاكي الذي نظنه وعياً. لكن هذا لا يغير من الحقائق بل يضم إلينا حجماً أكبر من هالة الوهم التي تحيط بنا. لذا لو فرضنا جدلاً أننا نقوم بتنويم ذواتنا تنويماً مغناطيسياً لوجدنا في ثناياها أموراً تتراوح بين كونها حادة ومتزمتة, وساذجة ومضحكة وتافهة وفوضوية وعنيفة ولئيمة وغبية ومتسرعة ومتذبذبة ومتسلطة وأنانية وحقودة ووصولية وساخرة وطماعة… الخ.. كل ذلك من عيوب البشر التي نصارعها فنهزمها أحياناً ونسيطر عليها فلا نظهرها, وتهزمنا في أحيان أخرى ولا نعرف لماذا فعلناها. وفي كلتا الحالتين فهي تبقى داخلنا مؤثرة كقصاصات تمر على خيالنا فترتسم صور من لحظات تصرفاتنا السلبية التي نكره أن نتذكرها ونتهرب منها. إلا أنها إجمالاً من شخصيتنا, فلا شخص كامل.

“فيرجينا وولف” اسم يروق للفن إجمالاً أن يتدواله كلما كان هناك تضاربات حادة في الشخصية تبعاً لاعتبارات داخلية إلى درجة أن تصبح تلك الـ”أنا” السلبية التي تحدثتُ عنها الخصم المنافس الأول أمام الـ”أنا” الإيجابية التي نحاول أصلاً أن نُظهرها وننميها. قد يعود ذلك إلى المبدأ الذي اعتمدته الكاتبة البريطانية “وولف” (1882 – 1941) في رواياتها وأقاصيصها النقدية المتعمقة في حالات اللاوعي والدوافع النفسية والعاطفية كوسيلة لإخراج ما لا يقوله الوعي أو كتعقيد لها, حتى يصبح داخل الشخصية وأرشيف حياتها الحقيقي والتخيلي مسيطراً على كل تصرفاتها وانفعالاتها, الأمر الذي تمت تسميته بـ(أسلوب الوعي) , وتبدأ الصور التي لا يُعرف صدقها أو زيفها بالتقاطر على الحدثيّة فتنزع منها زمانيتها ومكانيتها أيضاً في بعض الأحيان, وفي خضم تدفق هذه الصور تتضح لنا الأبعاد الخفية في الشخصية ومشاعرها الحقيقية أو مخاوفها وانطباعاتها. إذاً فما قد يخرجه اللاوعي ليس بالضرورة صدقاً لكنه موجود في العقل, وليس بالضرورة كبتاً لكنه شيء مخبوء, وعليه فهو تركيبة الممنوع والمرغوب معاً خارج نطاق الزمن. حتى أن في سيرة حياة “وولف” ما يشبه رواياتها غالباً, ونذكر أنها قررت الانتحار حين رأت أنها ستعود إلى حالة نفسية سيئة تاركة لزوجها “ليونارد” رسالة تخبره بها أنها انتحرت لأنها تشعر أنا ستود للجنون بطريقة لا يمكن شفاؤها. وأظن أن كثيرين قد شاهدوا ذلك سينمائياً في فيلم “الساعات” للمخرج “ستيفن دالدري”.

حالة السكر التي تجتاح الشخصيات الأربعة في فيلم “من يخاف فيرجينيا وولف” للمخرج “مايك نيكولز” هي نفس الحالة التي استحضرها منذ حوالي العامين فقط المخرج “رومان بولانسكي” في “مذبحته” التي كانت أيضاً أحد أعماله السيكولوجية التي يحب أن يغوص بها في حيوات أبطاله ذات الظروف غير الهيّنة.. “من يخاف من فيرجينيا وولف” كوميديا سوداء حادة تنفذ إلى داخل الداخل, فتتقيأ منه خارجاً كل المخبوء والمكبوت فضلاً عن المألوف والمعروف, فتكشف أمام الجميع ما نحب وما نكره على حد سواء.. أظن أن هذه هي فكرة “فيرجينا وولف” التي يخشاها الجميع, فهي قادرة على نبش الخبايا وكشف الخفايا.. من جهة أخرى فالعواطف هي العواطف إن كانت صادقة لم تهتز حتى في أحوال اللا وعي.. ولم يغيرها الانزلاق في هاوية الخروج عن العقل. ولا يظهر أي رابط حقيقي بين المشاعر واللاوعي, ربما لأنهما معاً مرادفان في بعض الأحوال للجنون.

الرباعي التمثيلي الرائع الذي قدم لنا شخصيات “مارثا” (قامت بالدور إليزابيث تايلور) و”جورج” (أداه ريتشارد برتون) و”نيك” (أداه جورج سيغال بعد أن رفضه روبرت ريدفورد) و”هاني” (أدته ساندي دينيس).. تلك الشخصيات المثقفة المتخبطة في حياتها, السعيدة ظاهرياً, والغارقة في ألمها باطنياً.. رباعي حمل لوحده كل الفيلم الذي تحركه فعلياً مكنونات كل زوج منهما وبالأخص ما تخفيه من حقائق أو أوهام نشبه كثيراً المرضى النفسيين, وقد ترشحوا جميعاً إلى أوسكارات حصلت السيدتان منهن على الجائزة. اسم الزوجين “مارثا” و”جورج” يبدو أنه إشارة إلى الرئيس الأمريكي الأول وزوجته الغنية مع شائعات أن زواجهما كان مبنياً على المصلحة المادية دون أن يرتبط برباط المشاعر. وإن كان لا شيء يثبت ذلك مباشرة فإنه وبالرغم من الخلفية الثقافية التي تحيط بأشخاص الفيلم كعائلات متعلمة (فالزوجان مدرسان في قسمي التاريخ والأحياء) إلا أنه من الواضح عدم وجود الراحة المنزلية, الأمر الذي تسبب في خروج انطباعات حادة ثم تصرفات هزلية وانتقامية بين الطرفين.

يسرد الفيلم (ولن أعطي أية تفاصيل) بطريقة ذكية ومن خلال فوضوية الكلمات الأفكار الدفينة, معتمداً على سهرة سكارى بعد منتصف الليل يتشاجرون بحب أولاً وبأفعال تبدو بسيطة ثم تصبح لاذعة ولا تطاق ملأى بالانتقاد والحقد. وما يبدأ على شكل لعبة يبيح فيها كل طرف لنفسه أن يقول ما يشاء من الأسرار والأكاذيب والانتقامات. فإنه مع تأزم الأخبار التي تم إيرادها وبناء على ما تم التطرق إليه من الأفعال التي يصعب معرفة ما إذا كانت صحيحة أم لا أم لا, إلى معارك ماسوشية قاسية وعنيفة لا تكترث بالمشاعر. فبعد عودة “جورج” و”مارتا” تحت سماء مقمرة بعد منتصف الليل إلى منزلهما بعد أن شاهدا مسرحية معينة, وهما في أول السكر. يمكن لنا أن نفهم بوضوح أن “مارتا” ابنة رئيس الكلّية ذات الضحكة المجلجلة هي زوجة متصلبة متشكية سليطة اللسان تفرض سلطويتها على زوجها الذي يصغرها في السن “جورج” الأستاذ الذي يبدو فاشلاً في قسم التاريخ لكنه متحذلق ومتفنن في اختيار الألفاظ. خلال تلك المسرحية التي شاهداها وعادت “مارتا” سعيدة بها, فإنه يبدو أنها قد دعت إلى المنزل ودون علم زوجها أستاذ الأحياء الوسيم ذي الجسم المتناسق “نبك” والذي كانت هي تظنه أستاذ الرياضيات في حالة سكرها, وزوجته النحيلة “هاني” اللذان كانا على ما يبدو في ذات المسرحية أيضاً. ورغم أن “جورج” كان متعباً ولم يكن في وضع جسدي ونفسي يلاءم استقبال ضيوف إلا أنهما قدما في تلك الساعة المتأخرة. وإن كانت اللعبة تبدأ بسخرية “مارتا” و”جورج” من بعضهما البعض, فإنه مع انتقال الضيفين إلى السكر واللاوعي نبدأ بتكشف الكثير من التفاصيل الشخصية فيما بينهما والتي كذلك لا نتمكن من معرفة مدى صدقها.. وعلى وقع الكلام الحاد المتبادل وإخراج مشاعر حقد دفينة ذات إرجاع بعيد وفي خلفية رغبة “مارتا” في تحطيم نفسية “جورج” ورغبة “نيك” في امرأة أخرى جميلة غير “هاني” ذات الأرداف النحيلة والتي يبدو أنها باردة فعلياً فإننا نشاهد حالة خيانة زوجية تجري أمام عيني “جورج” الذي يبدو أنه تأثر منها عميقاً جداً على عكس “هاني” التي برودها وسكرها لم يجعل للحادثة تأثيراً يذكر.. إلا أن تغييرات عدة طرأت على الشخصيات بعد هذه الأفعال.. فـ”هاني” ذاتها بدأت تحس بأجزاء مفقودة من شخصيتها تتعلق بالأمومة التي كانت رافضة لها رغم رغبة زوجها, و”نيك” أحس فجأة بأن عليه التفكير بزوجته أكثر من ذي قبل, و”جورج” الذي خرج عن طوره في ظل حكاياته عن موت أمه وأبيه وابنه المزعوم عاد ليشعر أن هناك رابطاً أعمق يربط بين زوجته يتفوق حتى على ساديتها التي لا تطاق. أما “مارتا” فقد قدمت “إليزابيث تايلور” دوراً من أجمل الأدوار النسائية عندما استعادت عواطف الأنثى والأم مع نهاية الفيلم في مشاهده الأخيرة حين اعترفت لـ”بيت” أنها لم ترتح مع أي شخص فيما عدا زوجها, ثم بكت بحرقة ابنها الميت المزعوم كأنها تغسل قلبها بدموعها مع مطلع الفجر. وكأن ما جرى من أحداث في نوبات اللاوعي كان نوعاً من المعالجة النفسية لشخصيات معقدة هائمة كئيبة في داخلها, تحتاج إلى مصارحات كثيرة فيما بينها لكنها لا تمتلك الجرأة على الحديث. لنعود من جديد إلى (أسلوب الوعي) و”فيرجينيا وولف”..!

“من يخاف فيرجينا وولف” للمخرج “مايك نيكولز” في ظهوره السينمائي الأول تحول إلى واحد من أكثر الأفلام الكلاسيكية تذكاراً في التاريخ وتاريخيةً في مراحل الكوميديا,ومخرج حاذق استطاع برباعية الأشخاص فقط أن يأسرنا بأداءات أربعة كبيرة ذكية جداً من ذوي الضحكات العالية والطباع الجافة تعتليها “إليزابيث تايلور” التي قدمت فيه واحداً من أفضل أداءاتها على الإطلاق أو ربما من أفضل الأداءات النسائية سينمائياً, ويجدر ذكر أن “تايلور” كانت متزوجة من “برتون” في ذلك الوقت. والترشيحات الثلاثة عشر للأوسكارات التي نالها الفيلم بما فيها أفضل فيلم ومخرج وأفضل ممثل وممثلة في دور رئيس وثانوي, أصبح الفيلم الأول في تاريخ الأكاديمية الذي يترشح لكل الأصناف, والوحيد الذي يترشح كل ممثلوه إلى أوسكارات. النص الذي وضعه “إرنست ليمان” يبدو غريباً جداً أشبه بسجل مريض نفسي مصاب بالفصام أو الاضطرابات العقلية التي تمزق كل الآخرين من حال ذكر عيوبهم الحقيقة واختراع عيوب أخرى, لو تمت قراءته لا مشاهدته لأحسسنا به ثقيلاً جداً لا يمكن تمثيله, ويذكر أنه أول النصوص التي تم بها استخدام بعض الألفاظ البذيئة التي ما تزال في السينما حتى الآن وطلب أن يكون مشاهدوه +18, وكانت الصعوبة الأهم فيه هو أن النص قد تم تحويره من مسرحية تعود لـ”إدوارد ألبي” إلى فيلم سينمائي . موسيقى “أليكس نورث” ناعمة تناسب وضع السكارى أو الحالمين أو حتى المتخاصمين المتعالين الحقودين. أما اللقطات فطويلة بشكل ملحوظ وبطيئة لا سيما أن التصور كان داخلياً ويعتمد على حوارات بين أشخاص جالسين في ذات المكان, وقد اعتمدت كثيراً على الكاميرا المحمولة التي تنسلّ وفق رؤى المتحدثين قرباً وبعداً من وجوههم. استخدام الأبيض والأسود -رغم ظهور السينما الملونة في ذلك الوقت ورغبة المنتجين به بالألوان- كان مفيداً جداً للعمل في تحويله إلى نوع من السوداوية والأحلام’ والتشنج والقسوة أيضاً, وناسب البطء في الأحداث الليلية كأنه حلم عسير مزعج, وجعل الفيلم حالة امتزاج ممتعة من الكوميديا والميلودراما, والغزل والشر.

“من يخاف فيرجينا وولف” كوميديا سوداء, تضعنا في مواجهة ذواتنا ورغباتها بين الصدق والوهم, وتحرجنا هل نضحك على الشخصيات أو نتعمق أكثر في ماهية الشخصية البشرية ومقوماتها. وتجعلنا في حال أقرب إلى مشاهدة إحدى جلسات المعالجة النفسية التي نكتشف من مرضاها الكثير من العيوب فينا, والأمور التي تحتاج منا المزيد من الاهتمام بذواتنا ومحيطنا أحياناً, أو مصارحات الآخرين بما لا نحبّه منهم بدل كبته في بواطن الحقد في أحيان أخرى.

اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من أروع الأفلام …. ومقال رائع فعلاً 🙂