Beginners – 2010

    استطراد:ككل طفل كنتُ يوماً ما أعتبر أسرتي أفضل شيء في الوجود.. وكنتُ مستعداً للدخول في أي نزال لإثبات وجهة نظري.. كبرتُ ككل الناس وشيئاً فشيئاً بدأت أحس بالفجوات والعيوب الموجودة في أسرتنا.. ليس اهتزازاً لصفة الكمال التي امتلكتُها لها طويلاً, بل هو الوعي والنضوج الذي بات يؤدي أحياناً إلى انتقادات معينة لوالديّ بسبب نقاط أراها غير جيدة مثلاً في تربيتي ولا أودّ نقلها إلى أطفالي.. أعلم -وللأسف- أنني لم أكن كثيراً متماشياً مع رغبات والديّ وأفكارهم.. وأدرك أن أفكاري المتحررة, وإعجابي المستديم بأمور أكثر “حرية” مما ترغب أسرتي, وخصوماتي المتكررة معهم النابعة عن اعتراضهم لهواياتي الفنية كانت أولى مآخذي على أسرتي.. وأعلم جيداً أن مآخذي تلك لا تفسد لودّي معهم أية قضية.. وأنها تختفي وتزول عند أي هزّة -لا قدّر الله-.. إلى أن وصلتُ إلى قناعة مؤخراً أن الوالدين حينما يكبران يصبحان يحتاجان أكثر فأكثر محبتنا كأنهما طفلين صغيرين.. ولشدّما تزعجني صورة والدي في المستشفى كلما تذكّرتها.. ولشدّما يزعجني امتعاضه من أن يُشعرني أنه ضَعُف أمام المرض, ومكابرته لأوجاعه أمام عيني ابنه لكي لا تهتزّ له في نظري صورة الرجل الجبّار…. المهم.. رغم كل ملاحظاتي على أسرتي بقيَتْ بالنسبة لي أهم شيء في الوجود, بقيت أدافع عنها رغم الأخطاء التي أراها فيها, لأنها ببساطة من شكلني.. من يفهمني وأفهمه.. يحبني وأحبه.. وأرميه همومي ويرميني همومه..

    لماذا بدأتَ باستطراد أيها الفتى المتفذلك؟!!.. ليس لأنني لا أجد تقديماً سينمائياً لهذا الفيلم.. بل فقط لأنني تقصّدتُ أن أعود بنا إلى الأسرة؛ فهي مصدر تربيتنا الأول, ومصدر أخطائنا المستقبلية أحياناً ومصدر تحررنا أو حتى انطواءنا.. أدركُ أن بعض القرّاء قد يستغربون اختياري للحديث عن هذا الفيلم.. لأنه ببساطة ارتبط منذ ظهوره بالحديث عن “الشواذّ”.. ولكن لا أدري لماذا ننظر بعين الخشية تارةً و”القَرَف” أحياناً عندما نتحدث عن الممنوع أو اللا طبيعي أو المعيب حتى أن نمسّ مسألة قد لا تكون قد بلغت في مجتمعاتنا مستوى المشكلة أو درجة الخطورة رغم أنها مرتبطة بأمور نفسية وخلقية وتربوية.. منذ متى التعامي يفيد.. وإلى متى سنمثّل دور الملائكة الذين لا يخطئون في حياتنا كأننا لا نخطئ, ثم نخجل حتى من النطق.. ومتى سندرك أننا حين نرفض الخوض في الحديث عن الممنوع فإننا نكرّسه لأننا نتجاهله؟!
 
ولك سيدي..! إنما هي مناجاة ذانية سأعتبر أنها صرخة في وادٍ..!
 
Beginners لسنا قبيحين.. إلا في نظر من لا يفهمنا:
    عودة إلى الفيلم.. لماذا (المبتدئون)؟.. وما المقصود بـ(المبتدئون).. إنها ببساطة بداية رحلة البحث عن الذات المستقلة والإنطلاق بها.. رحلة مفعمة بالحب للأسرة رغم تمام الإقرار بوجود أخطائها.. رحلة أجاد بها المخرج والمؤلف (Mike Mills) في ثاني تجاربه الإخراجية.. أجاد في في إظهارها فاخرة فيما بين الصور المتناثرة والفلاش باك في أماكن عدة دون أن تفني أحد الطريقتين الأخرى.. قصة حميمية بين والد كشف سره الكبير لابنه؛ لكنه يدرك أن ابنه سيفهمه.. لا أرى فيها أي شيء مثير للجدل, ببساطة لأنه ليس من حقنا إسقاط ظروف الحكاية على مجتمعاتنا, ولأن أهمية أية رواية تكمن أولاً في زمانها ومكانها.. ورغم الحزن العميق في القصة إلا أن إظهارها كان بمستوىً راقٍ تم تطعيمه بالفكاهة في أكثر من موضع لجعله لا يبدو على الإطلاق فيلماً حزيناً.
 
    منذ المشهد الأول بدأت الجمالية البصرية.. فمزهرية الأم الراحلة ملأى بثلاث من الزهور البيض (كأنها الوالد والوالدة والابن متجمعون ثانية في المستحيل بقلوب صافية), والغُرَف الفارغة والصناديق المكدّسة للشاب Oliver Fields (قام بدوره Ewan McGregor) الذي يجمع أغراضة مغادراً المنزل رفقة كلبه الودود Arthur, معايناً ذكريات والديه كألبوم صور مشبع بالذكريات الجميلة والكئيبة على حد سواء.. لا سيما الوالد الراحل Hal (الدور الذي حصل Christopher Plummer منه على أوسكار أفضل ممثل دور ثانوي وهو في هذا السن) الرجل العجوز الذي قاسى السرطان في نهاية حياته كذلك. كان الابن يشعر بروح والده في كل مكانٍ وجزئيةٍ من جزئيات المنزل, ذلك الوالد الذي أخبره بعد 6 أشهر من رحيل الوالدة أنه “شاذّ” وأنه يريد أن ينصرف ليعيش حياته بشكل خاص مع صديقه الحميم Andy.. رفقة “قس” شاذّ ليرشده روحياً, منضمّاً إلى عدة مجموعات من مثليي الجنس.. إلى حين وفاته لاحقاً بعد أربعة أشهر فقط.
    Oliver هو فنان تجريدي رسام ومصور, ويبدو أن ذلك أيضاً لم يأتِ بعيداً عن جو الأسرة المندثرة, فالأم فنانة ولطالما أخذت ابنها إلى المعارض والصالونات الفنية, والوالد مدير متحف أيضاً وقد حوّل منزله لاحقاً بعد تقاعده إلى متحف مصغّر.. وقد شاء القدر له أن يلتقي بـAnna (الفاتنة الفرنسية Mélanie Laurent) في حفل تنكري كان على ما يبدو محاولة من أصدقائه لإخراجه من حزنه.. شاء القدر أن يرمي عليه فتاة ممثلة تشبهه ليس لأنها فنانة بل لأنها تبدو منغلقة على نفسها أيضاً.. وربما كان هذا جزءاً من الكيمياء الغريبة التي سرت مباشرة بينهما رغم حالة التهاب الحنجرة التي كانت هي تعاني منها فجعلت من Oliver يحدثها بالكثير الكثير عن ماضي حياته منذ اللقاء الأول؛ بل حتى عن والده الشاذ.. حتى بات لقائهما الأول بعيداً عن أن يكون مجرد نزوة عابرة في حياة شابين.
    ذكريات Oliver عن والديه كانت تطبع حياته وتمقتها وتجعله منغلقاً على ذاته, من رغبة الأم في عودتها لأصولها اليهودية ونظرتها التفوقية على الآخرين لهذا السبب بالذات.. إلى رغبة الوالد في أن يعيش حالة الضلالة الجنسية التي من الصعب تحديد أسبابها.. كلها جعلت منه رجلاً منغلقاً رغم الإنطباعات المرحة التي كانت تجد طريقها إلى حياته والتي لطالما كان يدخلها الأصدقاء.. ربما هي جدلية الإنطواء التي لطالما لازمت طريقة التربية وأخذت خلفياتها من الأسرة ذاتها.. ذكريات Olive مع أمه Georgia كانت مرتبطة بالماضي البعيد, وكم من الجميل أن نرى علاقة الطفل بأمه حيث كانت الأم تعامل ابنها في الأساس على انه شخص بالغ, كان واضحاً أنها تريده شخصاً مثقفاً مرهف الحس وصاحب قرار, لم تكن لتخبره ببعض التفاصيل السلبية عمّا يدور في الأسرة, لكنه كان بحدسه وحسه المرهف يشعر بها.. وقد أعجبتني الطريقة التي نصحت بها الأم ابنها لتجاوز أحاسيسه السيئة (عندما تحس بالأسى إذهب إلى غرفتك واصرخ بأعلى ما يمكنك لدقيقة أو دقيقتين فسيذهب منك)..
    أما مع الوالد فكانت الذكريات ترتبط أكثر بالماضي القريب بمرضه ومثليته وأصدقائه, كان Hal محبّاً للمرح بقدر حبه للفن, كان مغرماً بالألعاب النارية وبالقراءة والثياب, كان دائماً يدفع ولده Oliver إلى الفتيات (بمن فيهم الطبيبة في المشفى) ربما لأنه لم يكن يريد لابنه أن يكون مثله مثلياً.. وبرغم الحالة السرطانية الحرجة كانت لدى الوالد الرغبة في العيش إلى النهاية, كان يريد أن يموت سعيداً؛ ولم يكن يريد أن يحس ولده أنه أصبح ضعيفاً.. كان مقتنعاً بأن الصخب ملازم الحياة..! فلطالما أيقظ ولده من النوم متصلاً به ليخبره بأمور تبدو تافهة؛ ولطالما أزعجه بموسيقى عالية في المنزل (المتحف).. ولكن الحميمية التي تربط الوالد بابنه نبعت من الصدق الكبير والصداقة المبنية على إيمان كل منهما بالآخر.. تلك الحميمية التي جعلت في غياب الوالد فراغاً كبيراً للابن, وصوراً متناثرة له في أرجاء المنزل أينما نظر, وبقايا من الإحساس الذي لا يندثر ولا تهزّه أية خطيئة قام بها الوالد أو أية حالة شاذّة كانت لديه.
    ولم يكن يظهر أن Oliver لديه أية خشية من أن يكون شاذّاً كوالده لأنه يدرك أنه ليس كذلك, لكنه كان على ما يبدو يخشى دخول الآخرين إلى حياته ربما بسبب إحساسه بفشل أسرته من التآلف.. أما علاقته بـAnna فكانت كبصيص أمل أو مغامرة لحياة أفضل مما هي.. ورغم تعلقه بها إلا أنها لم تكن أفضل حالاً, فطبيعة عملها المتنقلة كانت تفرض عليها هجر الأصدقاء والأحباء على نحوٍ مماثل.. فبات انغلاقهما المشترك وعدم قدرتهما على فتح نوافذ أحاسيسهما وحزنهما وبكاؤهما ورغبتهما في التغيير عاملاً آخر من عوامل التشابه فيما بينهما حتى بات التسكع والسخرية صحبة الأصدقاء حالاً ضرورياً ليجمعهما معاً وينسيهما أنهما قد لا يتمكنان من البقاء معاً.. الجميل في العلاقة أن الطرفين كانا على غاية الوضوح والشجاعة في إخبار بعضهما البعض كل التفاصيل الدقيقة عن حياتهم بسلبياتها وإيجابياتها.. كشريكين حقيقيين ينويان البقاء, وهذا على ما يبدو ولّد الثقة المتبادلة التي دفعت بـOliver وAnna إلى تحدّي كل الماضي وكل العقد التي يشعرانها بشخصيهما لتنطلق منهما رغبة العيش معاً وتأكيد حالة العشق التي لطالما كانا يشكّان أنهما قدران على أن يعيشاها.. فكان مشهد الختام الرائع على ما يبدو مقدمة لحياة جديدة للثنائي الذي وجد أخيراً طريق الاستقرار والحائر فيما يمكن أن تقدمه الأيام.
من ناحية القصة: فقد نجح Mike Mills بطريقة فريدة في أن يجعلنا نتأكد بالفعل بأن من لا يدخل إلى ذواتنا لن يتعرّف بما بنا, ومن يرى قبحنا فقط ويتوقف عنده غير قادر على فهمنا.. أما من يستطيع أن يكسر الجواجز فيما بيننا هو الذي يستطيع أن يستكشف ملامح الجمال في ذواتنا.. وبذلك وصل بنا إلى أن نتعاطف مع جميع الشخصيات التي ندرك تماماً بمشاهدة فيلمه أنها معقدة أو غير مناسبة لأفكارنا, وأنها ما كانت لتصل إلى هذا الحال الجيدة والنهاية المضيئة رغم الحطام لو تمت إساءة فهمها. وطالبنا Mills بأن نبتعد عن قيود العادات التي ورثناها دون أن نفهم سبب تشبثنا بها وأن لا نعتمد تقييم الأشخاص من نظرة قاصرة.. فليس الشاذ شاذاً في جميع مناحي حياته, بل كل شخص قادر على أن يتعامل معه في جوانبه الطبيعية.. وكانت عبارة Anna القائلة (لا يمكنك أن تكون قبيحاً إلا عند الناس الذين لا يفهمونك.. You can’t be ugly, except to people who don’t understand) والتي اقتبستُ منها عنوناً لمطالعتي أفضل وأصدق تعبير عن الهدف من القصة التي لو شئنا تجميعها كأحداث لما أخذت الكثير من الكلام أو الوقت للتحدث عنها.. ولن ننسى أن الحكاية -رغم تفوق الناحية التراجيدية فيها- أخذت نفحات كوميدية رائعة ولا سيما في تسكّعات Oliver وAnna وصداقات Hal … مع العمق الإنساني والعاطفي الكبير, وهذا يحسب لـMills كطريقة لإبعاد العمل عن الميلودراما الجافّة.
 
على صعيد الأداء الفني: أحسن Mills اختيار طاقمه فمن الواضح أن فريق العمل كان حر الحركة جداً, وقادراً على استخدام كل فنونه. فقد كان الثلاثي Christopher Plummer وEwan McGregor وMélanie Laurent ممميزاً مشرقاً واثقاً من أدواته في التعبير, صادقاً وحيوياً وعاطفياً.. وقد دعم ذلك جودة الصورة وإبهارها وألوانها وتنوعها, وتركزّ الأحداث في الليل كأنه التعبير عن الألم أو الخوف أو الوحدة, وحسن الخلط بين الحاضر والماضي, والاعتماد على الفلاش باك الذكي ليظهر فكرة ما, ومرة أخرى على الصور الألبومية ليظهر أخرى.. وكانت الموسيقى الناعمة الصولو (بيانو – بوق حزين) تطغى على الأحداث وتمتزج بها وتصبح جزءاً لا ينفصل عنها وتعطيها أبعاد عاطفية أخرى أغنت العمل المشبع أساساً بالحس والعواطف..
    من حيث بدأت أنتهي.. لسنا قبيحين.. إلا في نظر من لا يفهمنا ….
فلماذا نقنع أنفسنا بقبح الآخرين؟!.. ما الذي يمنعنا عن البحث عن مواطن الجمال فيهم؟ ما الذي يعيقنا عن فهمهم؟ لماذا نضع الحواجز بيننا وبين أنفسنا؟ لماذا نرهق روحنا بقناعات قد لا تكون بالضرورة صحيحة لكنها قدرة على عزلنا؟.. لستُ وحدي مسؤولاً عن الإجابة..!!
أفاتار نزار عز الدين

نزار عز الدين

لا تعليقات بعد على “Beginners – 2010

اترك رداً على Mohammed Mahmudإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading